سيد جودة - مصر
أشد ما يعجبني في الشعب الصيني هو كرامته الوطنية. قد يرى البعض أن هذه الكرامة الوطنية متوفرة في جميع الشعوب, وقد يكون هذا صحيحاً ولكن كيفية الإعلان عن هذه الكرامة الوطنية هو الذي يظهر مدى شعور المواطن بها ومدى تعمقها في وجدانه. ذات مرة كنت في زيارة لمدينة شن جن جنوب الصين والتي تقع على الحدود مع هونج كونج حين لاحظت ارتباكاً في حركة المرور, وحين اقتربت من أحد الشوارع الرئيسية رأيت آلاف الجماهير تسير في الشارع حاملة ً لافتات تندد بحكومة اليابان وبجرائمها ضد الصين أثناء غزوها عام 1937. كانت المظاهرة سلمية ولا تتعدى الهتافات وحمل اللافتات رغم علمي أنها في مدن أخرى كبكين وشغنهاي تعدت ذلك إلى تحطيم كل ما هو ياباني من مطاعم وسيارات حتى لو كان ملاكها صينيين. ورغم شجب الحكومة الصينية ذلك إلا أنه كان واضحاً أن كل هذا يتم بمباركة منها فهي لم تتدخل لمنع المتظاهرين من التعبير عن مشاعرهم تجاه حكومة اليابان. ولكن ما سبب هذه المظاهرات؟ سببها أن وزارة التعليم في اليابان أجازت كتاباً عن تاريخ اليابان يصف الجرائم التي ارتكبها الجيش الياباني في مدينة نان تشينج عام 1937 والتي راح ضحيتها أكثر من 250,000 مواطن صيني بأنها مجرد حدث تاريخي لا جرائم تاريخية. ليس هذا فقط, بل أن الحكومة اليابانية رفضت منع تدريس الكتاب ورفضت الاعتذار للصين عن جرائمها السابقة وظل رئيس وزرائها كويزومي يزور قبور الجنود اليابانيين سنوياً مما يؤجج مشاعر الغضب لدى الشعب الصيني. سرت مع المتظاهرين لأظهر لهم تأييدي لغضبهم من هذا الموقف الياباني الغير مفهوم. توقفت الجماهير أمام لوحة إعلان كبيرة عن كاميرا يابانية. كانت اللوحة منصوبة فوق عمارة تتجاوز العشرين دوراً. رفضت هذه الآلاف المضي في سيرها حتى تقوم إدارة العمارة بإنزال هذه اللوحة. تأخرت الإدارة في الاستجابة لمطالبهم فما كان من بعض المتظاهرين إلا أن صعدوا لسطح العمارة وبدءوا في تسلق المواسير الحديدية التي تحمل لوحة الإعلان رغم خطورة الفعل نفسه فهم على ارتفاع يزيد عن عشرين دوراً وأي اختلال في التوازن عاقبته الموت ولا محالة. كانت صيحات الجماهير تعلو وتعلو كلما صعد هؤلاء الأفراد واقتربوا من اللوحة أكثر. عندما بدءوا يفكون اللوحة وبدأت اللوحة تهوي شيئاً فشيئاً كانت الآهات والصيحات تعلو كأننا في استاد والجماهير تتجاوب مع النقلات الجميلة والفرص الخطرة, وعند إحراز الهدف وسقوط اللوحة نهائياً كانت الفرحة عارمة على كل وجه, وأطلقت السيارات أبواقها وكأننا في عيد وطني. بعدها بدأت الجماهير في السير مستكملة مظاهرتها وتنديدها بجرائم اليابان ضدها. هذا ذكرني بموقف الحكومة الصينية من نظيرتها الأمريكية حين دخلت طائرة تجسس أمريكية الأجواء الصينية فحلقت حولها طائرتان حربيتان صينيتان فارتطمت طائرة التجسس بإحدى الطائرتين فسقطت الأخيرة على إثرها وتوفي الطيار الصيني. اضطرت الطائرة الأمريكية إلى الهبوط في الأراضي الصينية, فماذا حدث بعد ذلك؟ رفض الطاقم الأمريكي بكل عجرفة السماح للضباط الصينيين بدخول الطائرة على اعتبار أنها ملكية للحكومة الأمريكية, فما كان من أحد الضباط الصينيين إلا أن طرح الطيار الأمريكي أرضاً وأمر زملاءه بدخول الطائرة. تم اصطحاب الطاقم الأمريكي إلى معسكر تابع للجيش الصيني وأحسن معاملتهم هناك. أما بالنسبة للطائرة فقط تم تفكيكها ودراستها قطعة قطعة والاستفادة من التكنولوجيا التي بها. يومها طلب الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في خطاب رئاسي بتعجرف من الحكومة الصينية أن تطلق سراح الطاقم الأمريكي وإعادة الطائرة فوراً! رد المتحدث الرسمي باسم الحكومة الصينية بلهجة ملؤها الكبرياء والعزة بأن على الحكومة الأمريكية بالاعتذار أولاً لدخولها الأجواء الصينية ولتسببها في سقوط أحد طائراتها وموت طيارها ورفضت إعادة الطاقم والطائرة. في النهاية رضخت الحكومة الأمريكية للكرامة الصينية واعتذرت فأعادت الحكومة الصينية الطاقم الأمريكي. أما بالنسبة للطائرة فقد أعادتها بعد أن درستها وعلمت كل أسرارها التكنولوجية, أعادتها مفككة خردة في صناديق, تماماً كما يعود الجنود الأمريكان من العراق! هذه الكرامة الوطنية تتضح كثيراً عند تدخل الإدارة الأمريكية في العلاقات الصينية التايوانية وتجعل الحكومة الصينية مستعدة لاتخاذ إجراءات رادعة ضد كل من الولايات المتحدة وتايوان في حال تجاوز الأخيرة الخط الأحمر وإعلانها استقلالها والذي تعده الحكومة الصينية بمثابة إعلان حرب! جدية الصين في هذا الأمر تجعل أمريكا غير قادرة على تأييد تايوان في الاستقلال وتجعل تايوان غير قادرة على إعلانه بدون تأييد أمريكا. هذه الكرامة الوطنية هي التي تجعل الشعب الصيني يعيش من أجل هدف وحلم يسعى له مؤمناً بأنه يستطيع أن يكون في صفوف المقدمة منافساً للقوى العظمى دون تطلع منه لأن يكون قوة عظمى مهيمنة. إنها كرامة تحفظ للشعب الصيني عزته و وحدته دون أن تدفعه للغطرسة والهيمنة.
|
|
|