المحرر: سيد جودة                                                                                           English / 中文  

كتابةٌ على جدار الكون
أحمد فضل شبلول - مصر

تتيح نصوص الديوان الجديد لمنير مزيد " جداريات الشعر " تأمل فعل الشعر في خلق جديد للوعي الإنساني، منذ بدء الخليقة وحتى الآن، وما الكتابة على الجدران أو الجدر، إلا محاولة لاستعادة طفولة هذا الإنسان في فجر التاريخ، وعبر الحضارات المختلفة، حيث الكتابة أو النقوش الرمزية الدالة على الصخر، والحجر، وعلى الكهوف وجذوع الشجر، وفي مثل هذه النقوش أو الرقوش يدافع الإنسان عن كينونته أمام الأخطار التي تهدده دوما من قبل عدو خارجي معلوم أو مجهول له، ومن هنا تأتي الرموز أو التمائم والأحجبة، دروعا يتدرع بها الإنسان في مواجهة الأخطار المحدقة به.

إن طفولة الإنسان، وفلسفته البدائية المرتبطة بالماء والنار والريح والشمس وغيرها من عناصر الطبيعة، تتجسد بشكل لافت في كثير من قصائد هذا الديوان، وكأننا أمام جدارية شعرية يحتمي بها هذا الإنسان أمام الأفعال العاتية التي تهدد كينونته وحياته، والتي تجسدت في النموذج الهيروشيمي (كل المدن قد تصبح هيروشيما) فالشاعر يحذرنا من هيروشيما ثانية وثالثة، بل هيروشيميات كثيرة، مادام الضمير العالمي ساكنا أو صامتا أمام ما يحدث من امتهان للإنسان في كل مكان على وجه الأرض الآن.
الشاعر لا يقول هذا صراحة، ولكن عن طريق الإيحاء والفن والتوسل بالكلمات الدالة أو بقاموس شعري يرفعنا أحيانا إلى عنان السماء، ويهبط بنا في أحايين أخرى إلى أسفل السافلين، وهذه هي طبيعة النفس البشرية التي لا تقرُّ على حال، فلا هي ملائكية أو نورانية، ولا هي شهوانية أو شيطانية أو نارية، وإنما هي مزيج من هذا وذاك.
ومن الحيل أو التقنيات الفنية التي يتوسل بها الشاعر في قصائده التناص، وهو في هذا يلجأ بوعي أو بدون وعي إلى استحضار عبارات ـ سواء بنصها أو بإعادة صياغة لها ـ من التوراة والإنجيل والقرآن الكريم ـ وقد نجد تأثيرات من نشيد الإنشاد، مثلما نجد تضمينات من بعض آيات القرآن الحكيم، إلى جانب أصداء من بعض الأساطير الشرقية والغربية، وقد نجد تلميحات من أبي العلاء المعري (لاعنا خطيئة أبي)، والمتنبي ونزار قباني وغيرهم من الشعراء العرب.

أيضا هناك تقنية أو أسلوب التكرار، إما بتكرار الكلمة نفسها أكثر من مرة (اجمعي .. اجمعي) أو (ارحل .. ارحل)، أو تكرار المعنى نفسه بألفاظ أو كلمات أخرى، وأرى أن التكرار يتمتع بقدرات إيحائية عالية، لدى الكاتب أو الشاعر الجيد، وأنه قد يُضعف بنية النص ويُفقد شحنته التأثيرية إذا استخدم لذاته، أو بدون دواع فنية.
وأشهد أن التكرار في نصوص منير مزيد من النوع الأول الذي يتمتع بقدرات إيحائية عالية تُزيد من جمال النص جمالا، وتشحنه بطاقات فنية أو جمالية عالية.
ومن الملاحظ أن الشاعر لجأ في كثير من النصوص إلى فن الإبجرامة، أو قصيدة الومضة، أو قصيدة القطرة، وهو نوع من النصوص يحمل شيئا من الدهشة والمفاجأة والمفارقة والمباغتة في عدد قليل جدا من الكلمات المركَّزة المنتقاة أو المصفَاة، وأحيانا يحمل الحكمة، لذا فهو يحتاج إلى شاعر متمرس، لديه القدرة والشجاعة على الحذف أكثر من القول والكتابة، مع عدم التضحية بالمعنى المؤثر، عملا بمقولة النفري الشهيرة "كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة".
وفي معظم قصائد هذا الديوان نجد أمثلة ناجحة ومتميزة لاستخدام فن الإبجرامة الذي يعد الشاعر الإسكندري كليماخوس ـ المولود سنة 305 قبل الميلاد تقريبا ـ أول من استخدمه ودعا إليه.

يقول منير مزيد على سبيل المثال:

الورد
قبلات الشمس الدافئة
على شفة الأرض

ووجود الإبجرامات الكثيرة في هذا الديوان،لا يتنافى مع استخدام السرد في قصائد أخرى، فطبيعة الموضوع هي التي تفرض شكله الشعري، بل ألفاظه وقاموسه أيضا، وتعدد الأشكال ما بين السرد الشعري وقصيدة الومضة أو الإبجرامة، وما يقع بينهما من عناصر غنائية ودرامية أخرى، يدل على أننا أمام شاعر متمكن قادر على صياغة رؤاه في القالب المناسب لها، ولا نعني بالقالب هنا الشكل العمودي أو الموشح أو التفعيلي أو قصيدة النثر، فالخطاب النقدي الحديث قد تجاوز هذا الأمر الخارجي للبحث في قوالب داخلية أكثر فاعلية، من واقع النصوص الشعرية نفسها، وليس من واقع نظريات قديمة أو مستحدثة تفرض قصرا على النص، وهو أمر يجعلنا ننظر إلى النص الشعري باعتباره نصا مفتوحا، يجمع بين كل ما سبق أن تحدثنا عنه، من عناصر سردية وغنائية ودرامية وومضات شعرية.

وقد جمعت نصوص منير مزيد بين هذه العناصر جميعا الأمر الذي يجعل لقصائده طعما خاصا، يكشف عن ثقافة واطلاع واسعين، وعن كونية الحلم، وفلسفته، واتساع الجدار الذي ينقش عليه قصائده ونصوصه الشعرية ليكون في حجم الكون في امتداده الزمان والمكاني (أو الزمكاني) معا.

إنها جدارية الروح والحلم والشعر والمرأة والحب والجنس والحياة، مثلما هي جدارية الموت والألم والكوابيس والحروب والقسوة والعنف والغضب، وفي كلمة واحدة إنها جدارية الإنسان في أحلامه وصباه، وفي وحدته وعزلته وشيخوخته على الرغم من وجوده بين البشر في كل زمان ومكان، قد تذكرنا في بعض جوانبها بلوحة الجورنيكا للفنان العالمي بابلو بيكاسو التي جاءت أصداء للحرب الأهلية الإسبانية، وهو الأمر الذي قد يفسر اهتمام الشاعر بعناصر التشكيل والألوان في الكثير من قصائده، وفي الوقت نفسه تذكرنا بمسرحية "في انتظار جودو" للكاتب الايرلندي الشهير صموئيل بيكيت، في عناصرها الداخلية الدرامية ، وكمّ العبث الذي نحياه في حياتنا اليومية، فهل الحب سوف يطهرنا، ويتحمل المسيح مزيدا من خطايانا وبلايانا


الشاعر أحمد فضل شبلول
عضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر
نائب رئيس اتحاد كتاب الإنترنت العرب

__________________

 

Your Name  اسمك:
Your E.Mail  إيميلك:

The title of the work on which you comment

   اسم العمل الذي عليه التعليق :

The Author's Name

 اسم الكاتب:

Your Comments تعليقك:

Return to Homepage