ألان جيفريز
(شاعر إسترالي مقيم في هونج كونج. يتميز شعره بالصور الغير متوقعة التي تصدم القارئ)
أغنية إلى ماريا..
(1)
لطيفة ٌ
دقيقة الأطرافِ أنتِ
و أنا
فيمَ بقائي هنا؟
و الرأس ضخم ٌ كالزراف ْ
رائحة ٌ كريهة ٌ تفوح مني
حين ألوك المرهوانة ْ
مرتدياً سترتي
مدحرجاً جسمي على العشبِ
قريباً من حظيرة الدجاجْ
أكاد أن أجنَّ من سحر القمر ْ
(2)
لا شئ منّي تبتغين , ربما
فهيئتي الجرداء تكفي , ربما
و حالتي النفسية العاثرة ْ
و بسمتي الماكرة ْ
كلا
فأنتِ إن ْ بقيتِ لو ليومٍ واحدٍ
فيا لها مفاجأة ْ
أقول هذا من أسابيعَ
و كل ليلةٍ و كل يومٍ
حين ألقاكِ على الشاطئ ْ
أغدو أنا الصياد ذا الفك العفن ْ
و تصبحين امرأة ً مخلوقة ً
من صدفات لامعة ْ!
(3)
أواه ماريا و أواه ْ!
ماريا مونتيزْ
باسم ٍ كهذا أنت ِ أنتِ المصطفاه ْ
فأنتِ كل ما أراد المرء يوماً و اشتهاه ْ
في عامك السادس عشرَ
كنتِ في أغنية ٍ نغمة ْ
في عامك السابع عشرَ
كنت ِ فيلماً سينمائي السمة ْ
في عامك التاسع عشرَ
كنت ِ تملكين داراً للمساج ْ
ستصبحين ذات يوم ٍ باسم ٍ ممثلة ْ
أصير كهلاً
ربما أزداد قبحاً
(إن كان هذا ممكنا!)
أراك ِ في التلفازْ
أصرخ في نومي
"أواه ماريا و أواه ْ
ماريا مونتيزْ
يا لك ِ من أغنيّة ٍ عصرية ٍ مجسدة ْ
(4)
و كنتُ حينها محقاً
اختفيتِ فجأة ً
مثل الربيعْ
أغنية ً جميلة ً من الأغاني الأربعينْ
أرجوك ماريا تعودي
فأنتِ لا تقاومينْ
كقطعة السكرِ
من حلاوتكْ
تساقطت أسنانيَ المسوسة ْ!
عودي إليّ ْ
و لو ليوم ٍ واحد ٍ
أنا وشعري نتمنى عودتكْ!
قرص مخدر..
والآن و أنتِ بمنأىً عنّي
أنظر لك ِ و كأنكِ شيئ ٌ لا أبغيهْ
فالحب بلا لقيا
ما الجدوى فيهْ!
هو حبٌّ سام ْ
الحب ّ المنكرْ
الحبّ إذا مات بعيداً
فليبقَ بعيداً عنكَْ
عن متناول طفلك ْ
عن شوق القلب لقرص مخدِّرْ!
طموح ..
"أريد أن أكون قسيساً"
لأمي قلت هذا و أنا في عاميَ الثانيَ عشرْ
كان الصغار يحلمون حينها أن يصبحوا
رجال إطفاءٍ و سائقي سباقْ
أردت أن أكون قسيساً
مرتدياً للسوادْ
و غارقاً في الغموضْ
لم تنزعجْ أمِّي لهذا
ربَّما كانت تشكُّ في كلامي
"سنرى"
قالت و هزتْ رأسها
في عاميَ العشرينَ
شئت أن أكون شاعراً
أخبرت أمي أنني أريد أن أكون شاعراً
وكنت حينها في عاميَ العشرينَ
كان زملائي يحلمون بالمحاماة وبالبورصة ْ
أردت أن أكون شاعراً
لكي أغرق في السوادْ
وأرتدي الغموضْ!
إحساس ..
صامتاً
تحت أعيننا يتدفق تيار نهرْ
صامتاً
لا يصدق نفسهُ
ليس يقارن ما بين شيئينْ
وفقطْ في التحركِ
يشعر باليد وسْط النَهَرْ!
التعويذة ..
ظلال المعطف الشتويِّ والبالي
معلقة ٌ بظهر البابْ
وأوراق الخريف عليه أكوامٌ
من المسمار أنزلتهْ
ظلاله فيه أكوامٌ من الأوراقْ
بقايا من فصول الأمسْ
وظلَّ معلقاً لسنين ذا المعطفْ
وفوق الكتفْ
تراءى هيكلٌ لفراشةٍ تخشى من الحركة ْ
لئلا فجأة ً تـُقْصَفْ!
غرامٌ آخر..
غرامٌ آخرٌ يرحلْ
وراء الظهرِ
أسفل سلمٍ
ما كنت أدري أنهُ موجودْ
وينزلْ
إلى الخارجْ
وأسفلْ
نشاطاً ينبض الشارع ْ
هنا الأشياء تبدو في سكونْ
كما المعتادِ منها أن تكونْ
لأنك لست موجودة ْ
هنا لتحركي الأشياء بعد الآنْ!
حبي إليكِ..
حبي إليكِ راسخٌ
يرقد في أرضية المحيط مثل تيتنكْ
يرقد في الأعماق تحت الماءْ
يتركه وحده حتى أكسجين الهواءْ
ليس حديداً بارداً صلباً فحسبْ
أشبه ما يكون بالأسطورة ْ
حبي إليك راسخٌ
ينعم بالحياةِِ
في أرضية المحيطِ
تلك المائلة ْ
وطالبو الكنوز والقراصنة ْ
والباحثون عن مغامرةٍ
يجدِّرون سطحهُ
يفكرونْ
أن يرفعوه نحو ضوءٍ لعينْ
وأيَّ شيءٍ بعدها يكتشفونْ؟
يرون أطباق العشاءْ
منها المئات التي لم تنكسرْ
ذكرى لحبٍّ منكسرْ!
مثل المطر..
كنت لي كالمطرْ
تغسلين دمي
كان كالحب هذا المطرْ
منه يبتل شارعنا
كان في قدرتكْ
أن تكوني بكل المدينة في لحظةٍ واحدة ْ
عند ذكر اسمك المنهمرْ
كسيول المطرْ
مثل ملمس عشبٍ لتوه قصّ
على قدمي
بي التصقتِ
وبللت فيَّ العروقْ
كنت لي كالمطرْ
حين بللتِ كل رؤوس المدينة ْ!
بين الكتـَّاب..
وحيدٌ بمنزل "كِنْ"
قد يكون البقاء بهِ ممتعاً
إن تأخرْ
بك الوقتُ
تسهرْ
لتقرأ مقتنياته من كتبٍ
وهْي كثرٌ بدون حدودٍ وحصرْ
ومن حولك الحائط اصطفْ
بأكفان كتَّابْ
وقد رقدوا في جوارٍ
على بعضهمْ
أو وقوفاً بظهرٍ لظهرْ
أفكر في أنّ بعضاً من الشعراءْ
هموا الآن أمواتْ
وبعضاً يموتونْ
وبعضاً يزالون أحياءْ
وهذا يبثُّ بقلبي ارتياحاً
بشكل عجيبٍ
فما زلت شاباً
وما زال عندي الكثير لأكتب عنهُ
وما زال عندي الكثير لأحيا لهُ!
قصيدة..
المرأة التي بقرب الشط ْ
وكل أنواع الطيور فوقها قد حطْ
من كل لونٍ, كل شكلٍ وحجمْ
تميل كي تلتقط ْ
حجارة ً
تفزع عنها الطيورْ
تلك التي طارت بعيداً
وظلت المرأة وحدها
وآثار الطيورْ
قد لطخت فستانها النظيفْ
فستانها الطويلَ والأبيضْ
فستانها الصوفْ!
حزينة..
لستة أشهر ٍ
من بعد موته ِ
أشعلت ناراً
لهيب النارْ
أضاء ظلام عينيها
كما يوماً أضاءهما
ودفء النارْ
قد احتضن العظام بها
كما يوماً قد احتضنا
دخان النارِ
أضحكها
كما في الحب أضحكها
لستة أشهرٍ
من بعد موتهِ
أشعلت ناراً!
صياد بان تاي
كلَّ يومٍ يحضر الصياد أسماكاً
لبنتٍ شابةٍ في القرية ْ
كلَّ يومٍ في حوالي السابعة ْ
يصل القرية في الصبحِ
ببعضٍ من هداياهْ
حلوة فيها الشفاهْ
عارضاً صيده في فخرٍ
لكلِّ القرويينْ
دائماً في كل مرة ْ
ترفض البنت الهدية ْ
ثم تعطيها لأختيها
تجثان الرقابْ
تمرحانْ
بنكاتٍ فظةٍ
ثم في صلصة كري عطرة ْ
تطهيانْ
واشتهى الصياد يوماً
هذه البنت حليلة ْ
كانت البنت جميلة ْ
شعرها كان طويلاً
ناعماً سبطاً كشعر الساحرة ْ
وجهها كان كبدرٍ
مثل دمعة ْ
وتساءلْ
هؤلاء القرويينَ
لماذا يحضر الصياد دوماً
فهْو بالتأكيد يدري
أنه يعشق من غير أملْ
يعشق البنت الجميلة ْ
كان ما يعرفه الصياد لا يعلنهُ
كان يأتي كل يوم كي يصفي ماسهُ
فبدون البنتِ
يغدو البحر شيئاً من فراغٍ
مثل مرآة بلا أي صورْ
صيده يصبح كمًّا عفناً
من طحلب البحرْ!
النافورة ..
فقدت لساني
هوى من فمي في بساطة ْ
كأنه كان مجرد شيئٍ ٍ صناعيّ
دفنته حين سقطْ
لأني رأيته في شدة القبحِ
قطعة لحمٍ بلا رابطٍ أو صلة ْ
وهذا أقلُّ المشاكل لي
فحين فتحت فمي
اندفع الماء من شفتيّ
كنافورةٍ
صار فكي بشكلٍ غريبٍ
زناداً لماءٍ تضخه أسنانهُ
كلما شئت أن أتكلمْ
ظللت صموتاً نهاراً وليلاً
توقفت عند التقاطع من شارعينِ
وأربعةٍ من مبانٍ مهيبة ْ
وكان الصغار يجيئونَ
كي يقفوا عند نافورتي ناظرينْ
ولم يدركوا
أنَّ معْ كل قطرة ماءٍ بها يشربونْ
ببطءٍ ولكنْ بشكلٍ أكيدْ
يعيدون صوتي
ليشدو لهم من جديدْ!
كنت أفهمهم..
(مقتل تسعة أطفال في غارة جوية أمريكية جنوب شرق أفغانستان, وقد أعربت الأمم المتحدة عن استيائها البالغ من الهجوم – رويتر 7 ديسمبر 2003)
كنت أفهمهمْ
الأناس المهمينْ
كنت أفهمهمْ
حين يوماً سمعتهموا ينطقونْ
الأناس المهمونْ
حينما ينطقونْ
كنت أفهمهمْ
حين كانوا لأيِّ حديثٍ يقولونْ
الأناس المهمونْ
كنت أفهمهمْ
وأهزّ لهم هامتي
كنت أفهمهمْ
ثم يوماً رأيت الدماءَ
تصفَّى بوجه الصغيرْ
ذي الربيعين من بعد عشرْ
(في الحقيقة كان الصغارْ
تسعة ً)
لم تهمهموا الحربُ
لم يعرفوا أيَّ إرهابْ
بعدها لم يعدْ بي شعورٌ
لكي أفهم الناسَ
الأناس المهمينْ
حين عن ربهم, عن سماحتهِ ينطقونْ
لم أعد بعد ذلك أفهمهمْ
كنت أفهمهمْ
لم أفهم الآنْ
لم أعد أفهم الآنْ
ليس بعد الآنْ!