English / 中文

 

المحرر: سيد جودة

شعر عربي | شعر إنجليزي | شعر صيني  | شعر عالمي | صوت الشعر | قصيدة النثر العربية | قصة | مقالات | قراءات نقدية | لقاءات | ملف الحداثة | أنشطة | صحافة | منتدى الندوة | عن الندوة

الشّهـاوي : تجربة  شعر  و حياة ،  خُطّت من تمائـم  و مواجد

حاورته من تونس: حيـــاة الخيــاري (*)

"أنا شاعرٍ يعيش ويكتب تحت وطأة

العزلة والوحدة والتأمل والسّفر.. "

"أحاول أن يكون كُلّ نَصٍّ لي "أورجازم" روحي وجسدي."

مقدّمـة:

أحمد الشهاوي من الأقلام المتميّزة في الشعر العربي المعاصر وهو، وإن انتحى منحى "حداثيّا" يحتفي بكتابة الممكن ويبشّر بالمعنى الزائغ  ، فإنّه قد اختطّ لنفسه طريقا بكرا يكتنفها عبق العبير الصّوفي دون أن يطمس شذى بخور مريم الأمّ .

وإذا كان تأويل الصوفية للآية الكريمة " ن. والقلم وما يسطرون." ،اعتبار "القلم علم التفصيل والنون(الدّواة) علم الإجمال" ،فإنّ أحمد الشهاوي قد سخّر قلمه  لتفصيل صور نون مجملة متدفّق مدادها، يتراءى في كلّ قصيدة على هيئة استبصار وكشف ينهلان من معين الرّمز الذي لا ينضب .

فالمتتبع لكتابات الشاعر يتبيّن ما في لغته من عمق وشفافيّة أسهما إسهاما فاعلا في إثراء شعريّة نصوصه وضمنا اكتساءها لبوسا جديدا مع كلّ كتاب يصدره على امتداد مسيرة ناهزت العقدين من الزّمن.

تلك المسيرة واكبتها الكتابات التالية: ركعتان للعشق 1988 ،الأحاديث (السفر الأوّل) 1991 ، كتاب العشق 1992 ،الأحاديث (السفر الثاني) 1994، أحوال العاشق 1996 ، كتاب الموت 1997 ، قل هي 2000 ، مياه في الأصابع 2002 ، الوصايا في عشق النساء (الكتاب الأوّل)2003 ، لسان النّار 2005 ، الوصايا في عشق النساء (الكتاب الثاني) 2006 ، ويصدر له قريبا (2008)ديوان "باب واحد ومنازل" (1) .

         وممّا لا شكّ فيه أنّ نصّ أحمد الشهاوي، من تلك النصوص التي عليك ألاّ تكتفي بمجرّد قراءتها ، بل عليك أن تعيشها وتألف كونها الرّمزي حتّى تقي قلمك مزالق التعسّف في نقدها و تأويلها.

       قد تتسلّح بما تلقّنت من نظريّات ومناهج عاقدا العزم على فتح ما استغلق من لغتها وبنائها وإيقاعها ، لكنّ النصّ سرعان ما يصدّك منكرا جسارتك، ملتمسا منك أن " تدخل عليه من بابه، و تلابسه ثيابه".

 في تلك اللّحظة بالذّات تمثل القصيدة أمامك تميمة ، يتراءى حبرها طلسما طاسما ، ويتناهى إيقاعها إلى سمعك ذكرا وتعويذة .

قصيدة قد تنفر حتى من مجرّد الهمس أو الإيماء ،إذا ما راودتك نيّة أن تخاطبها من خلف حجاب.

أمّا إذا ما تماهيت َمع حروفها، فإنّها لا تعدك بالظّفر بـ"معنى" ، بقدر ما تبشّرك باستيلاد "رؤيا".

إنّها "لوح محفوظ" يومئ إليك أن "اخلع نعليك" إن كنت تمنّي النفس بعبور معاريجي واستشراف "حروف عاليات لا تقال".

حينئذ تدرك أنّك مطالب بأن تستشعر المعنى لا أن تفهمه ،وبأن تحدس اللّغة لا أن تؤوّلها، فيكافئك النص بأن يحفظك معه في لوحه حيث يخلقك وتخلقه في فعل تتقلّبان فيه معا بين منزل "المشاهدة" ومنزل "المكاشفة"،في فلك لا قرار لمداره.

وكثيرا ما ينتهي بك المطاف متفاجئا بكونك أمسيت طرفا في النصّ، وخيطا يشتبك مع نسيجه الشّعريّ ، بل وطلسما من طلاسمه ،تصبو – بدورك - إلى ال䃙كّ ،حالك حال سائر الرموز التي حسبت قلمك مستنفرا لفكّها، فتستحيل موضوعا للبحث بعد أن كنت قد اقتحمت التجربة الإبداعية باحثا.

 إنّك إذ تلتفح بوهج الحرف ، تلتحف بوهم المعني ،وفي الأثناء تنتشي – ولا شكّ - باحتلال موضع من كتاب أنت فيه المتن ولستَ الهامش...         

لكنّ ما لاحظناه ،انطلاقا من تتبّعنا لكتابات أحمد الشهاوي، هو إنّ تلك القيمة الفنية العميقة التي ميّزت شعره ونثره ، وبلغت قدرا من التكثيف والنضوج الفنيّ في دواوينه الشعريّة الأخيرة ، كادت تنطمس ملامحها بفعل بعض القراءات الإيديولوجية والانفعاليّة التي أثارها كتاب "الوصايا في عشق النساء" بجزأيه الأول والثاني. وبلغت قمّتها مع قرار مجمع البحوث الإسلاميّة مصادرة الكتاب بناء على تقرير يكفّر الشاعر(2).

 وإذا كانت القراءة حقا مشاعا للجميع فإنّ مصادرة حريّة الفكر والإبداع من الظواهر التي استفحلت في عصرنا ودلّت على كوننا نعيش أزمة حقيقيّة لا على المستوى الثقافي فحسب بل على المستوى الحضاري الإنساني مطلقا .

فأن تُصادر كتب الشعر والأدب ويختار وزير للإعلان أن يعتكِفَ ، بسبب رأي صرّح به في مسألة دينيّة، لهو من العلامات الكبرى على أننا في زمن عربيّ أرعن.

 وليس المقام مناسبا للدخول في مطارحات فكريّة أعمق حول خصوصيّة العلاقة بين الأدب والدين لأنّنا نفرد هذه الظاهرة بدراسة نقديّة مخصوصة عنوانها "حوار الشعريّ والقرآني: أفق القراءة..أحمد الشهاوي نموذجا"  

أمّا في هذه المقدمة ،فحسبنا أن نشير إلى أنّ كتابات الشاعر أحمد الشهاوي كثيرا ما كانت محكا يثبت أنّ الأدب العربي عموما والشّعر المعاصر على وجه الخصوص يواجه أزمة في التلقّي .

 سواء وقفوا في صفّ الكاتب أو ضدّه ، فإنّ القرّاء قلّما ينصفون النصّ الأدبيّ بقراءة تحتكم إلى داخله الإنشائي الفنّي ، فهم إمّا أن يطمروا النصّ في قبو الأمّ "نوال عيسى" متّكلين على الإهداء الذي دأب الشاعر على أن يصدّر به كلّ كتبه، وإمّا أنهم يعلّقونه (النصّ) على هيكل جسد مهووس بالجنس.

 بين هذا وذاك يختفي المكتوب وراء لافتات عُلّقت على الكاتب إلى أن عَلقَتْ به وكادت تحجب صفاء الجوهر ..

على الشاعر أن يقول ويَمْضي، لا أن يعني ويُمْضي، ثمّ يقف ملتمسا صكّ التوبة في طوابير الفتاوى التي طالت هذه الأيام.

 ونتمنّى ألاّ تكون الضّجّة التي أثارها كتاب "الوصايا في عشق النساء"، قد استنزفت جهد الشاعر أحمد الشهاوي وشغلت فكره وأهدرت وقته بين سجالات الصحافيين، وفتاوى بعض الأزهريين وتجاذبات النقاد، فألهته عن الكتابة .

لذا نرى من المناسب أن نذكّره بكلام كان قد قاله منذ أواخر 1998، أي قبل مجرّد التفكير في "الوصايا في عشق النّساء" ، فحواه أنّ "الكتابةَ أهمُّ مِنْ عشق النساء..." (3).

وفي محاولة لإضاءة زوايا بدت معتمة في خصوصيّة الكتابة وفي فضاء أحمد الشهاوي : شاعرا، وإنسانا ، أجريت معه الحوار التالي باعتباري قارئة وباحثة في أدبه، ولعلّي لم  أفلح كثيرا في التخلّص من صفة "الأنثى" التي لامس الأديب أعماقها بكتابات استشرفت "رؤيا الأنثى" امرأةً، لغةً وقصيدةً ، لكن من منظور رمزيّ ،صوفيّ،وجوديّ،  منزّه عن الاعتبارات المعياريّة بأبعادها المختلفة.

بيد أنّ منطلقاتنا المعرفيّة "البريئة" لم تمنع من أن نتسلّح بقدر من المناورة والتجاهل و"التّغابي" أحيانا ،حتّى نقتنص من الشاعر مساحات توسّع من استبصارنا في مواجد "ذي النونين المصري." (4).

 

                                 *  *  *  *  *  *  *

 

   §    أثارت "وصاياك" (الكتاب الأول 2003 والكتاب الثاني 2006) جدلاً واسعاً لم تثره كتاباتك الشعرية والنثرية الأخرى التي لا تقلّ قيمة .

فيم ترى السّبب : في النصِّ المشْكل، أم في القراءة الانفعالية الإيديولوجية؟

 

   q    الكتب حظوظ. هُنَاك أعمال عظيمة لشُّعراء تمُّر دون أن ينتبه إليها الشُّعراء أو النقَّاد ، وهذا حدث كثيراً على مَرّ التاريخ.

 

وفى حياة كُلّ شاعر يتوقَّف النُّقَاد أو تاريخ الأدب أمام أعمالٍ بعينها، قد تُلَبِّي حَاجَةٌ ما فنية أو مضمونيةً أو أيديولوجيةً حين صدورها؛ ولذا تظلُّ عنواناً على الشّاعر ويُعرف من خلالها وبها، وتصاحبه طوال مسيرته، بل هناك أسماء تُخْتَصر في كتابٍ واحدٍ.

 

مثلي عُرِفَ بشكلٍ أوسع من خلال تجربتي في ديوان " الأحاديث " ( السِّفر الأول 1991 - السِّفر الثاني 1994) ، وهى تجربةٌ تستفيد من بنية الحديث النبويّ ، وكذا الحديث القدسيّ مُزَاوِجَةً بين ما هو بشرى وبين ما هو إلهيّ ، معتبرة أن للأحاديث بناء مختلفاً ولغةً مغايرة ، وأنها شكلٌ ينبغي أن يستفيد منه المبدع العربي بدلاً عن الانسحاق - طوال الوقت- أمام كل ما هو وافد ، دون الالتفات إلى التراث العربي أو النصوص المقدسة.

 

ولعلني أعوّل أكثر على " الأحاديث " - السِّفر الثاني ، فقد جاءت أكثر نُضْجَاً على مستويات عديدة ، ولذا استُقْبِلَتْ جمالياً بشكلٍ جعلني أواجه مشكلةً: ماذا سأكتب بعدها. وربما لولا موت شقيقتي سعاد ( التي تكبرني بعام ) سنة 1995 ميلادية، ومن ثم كتابتي ديوان " كتاب الموت " الذي صدر في يناير 1997 ، لظللتُ وقتاً طويلاً دوُنَ كتابةٍ ، قلقاً حائراً ، ما الذي يمكن أن أقدمه بعد " الأحاديث - السِّفر الثاني ".

 

وأريد أن أشير في هذا السياق إلى أن الاحتفاء المكثَّف والمتواصل بعملٍ ما أحياناً يكونُ مُضِرَّاً لصاحبه ، خصوصاً إذا كان في أول الطريق ، ومازال يتشكَّل ، أو في طريقه إلى تكوين صوتٍ شعريٍّ خَاصٍّ ، بعيداً عن أي تأثيرات أو تداخل أصوات في تجربته.

 

فمثلاً كتابي " أحوال العاشق " الذي صدرت طبعته الأولى عام 1996 تجاوز الثلاثين ألف نسخة في ثلاث طبعات ، وكان أكثر كتبي حميميّة ومقروئية ، على الرغم من أنه لم يثر ما أثاره كتابي "الوصايا في عشق النساء " 2003 من مشكلات لم تنته ولا أظنها ستنتهي حتّى بعد موتى ، مادامت هُناك فتوى من الأزهر بتكفيري.

 

ولكن القُرَّاء صاروا يعرفون أحمد الشهاوي بوصاياه ، و" ينسون " بقية كتبي الشعرية أو النثرية، فمازلتُ أرى أن أعمالاً مثل الأحاديث (السِّفر الثاني ) ، و " أحوال العاشق "   و" لسان النّار " من أهم ما كتبت . وأنا لا أقلّل من تجربتي في " الوصايا في عشق النساء"، لأنها تجربة تقدم شكلاً جمالياً جديداً قديماً ، تطوِّره وتضيف إليه ، وتلفت الانتباه إليه ، بعد ما ظل مجهولاً ومهملاً ومركوناً ومسكوتاً عنه ، على الرغم من أننا كُنَّا ندرسه في المدارس باعتباره جنساً أدبياً عند العرب ، ولكنّه نُسي وَأهْمِلَ.

 

كما أَنَّ قراءته قراءة دينية حَجَبَ الرؤية الفنية والجمالية التي قدمتُها فيه ، باستثناء بعض الأصوات النقدية المهمة التي قرأته من منظور جمالي خالص ، وانشغلتُ وانشغل الآخرون بالدفاع عنه أو الهجوم عليه وعلى كاتبه من منطلق ديني.

 

فالقراءة الدينية الانفعالية - كما ذكرتِ - جعلت من بعض أعضاء الإخوان المسلمين "مفكرين وشعراء ونقاداً" يتحدثون في الشِّعر والنثر، ثم حَوَّلت بعض شيوخ الأزهر المنخرطين في مجمع البحوث الإسلامية أو خارجه إلى " مُنَظِّرين ومبدعين" يتحدثون في الكتابة والإبداع وهم بعيدون عنهما ، وربما لم يقرؤوا كتاباً واحداً منذ تخرَّجوا في الجامعة، ومع ذلك يفتون في كل شيء ، ولديهم الجرأة في إخراج مثلي من الملّة ، أنا ابن أحد أبناء الأزهر ، الذي تربَّى على القرآن والأحاديث والتصوّف منذ طفولتي .

 

القراءة الانفعالية هي نقيض الكتابة ، وضد الإبداع ، ومن شأنها أن تُعمِّم الفوضى وتنشر الفساد ، وتوصِّل إلى الاختناق والعزلة ، وربما إلى هجران الكتابة ، والهجرة من الوطن ، تحت وطأةِ الظُّلم ، وتثبيتِ صورةٍ بعينها للشّاعر.

 

إن السَّبّب يكمن في أن أهل الدين غير متفقهين بما فيه الكفاية في الدين ، ربما يكونون يعرفون في بعض أموره ، لكنهم بعيدون عن القراءةِ الحقّ ، ومن ثم يصدمهم ما جاء في كتابي ، حيث إن الإنسان عدو ما يجهل .

 

"لا أخشى السُّلطة ولا الرقابة، ولا شيوخ الأزهر..

          ولا الجماعات الدينية ، ولا الأمن ، ولا القارئ.."

 

  §   نسجت على منوال ابن عربي في استلهام الوصيّة جنساً أدبيّاً ،لكنّك لم تأخذ بوصيته بأن "تتبع سنة الأحباب في ستر الحال"، حتّى أنك هُدَّدت بأن تلقى المصير ذاته الذي لقيه الحلاّج.

هل تعتقد أنّ الاستعاضة عن التصريح والبوح بالإشارة والرمز كانت كفيلة بأن تقي نصوصك من قراءات انفعاليّة متعصّبة "لا يعوَّل عليها " (5) ( حسب تصنيفك لشروط فعاليّة التلقّي

 

    q    صحيح أنَّ محيي الدين بن عربي هو أحد شيوخي مع الحلاَّج وجلال الدين الرومي وفريد الدين العطار ، وذي النون المصري وسواهم من أهل التصوف ، لكنَّني لم أنسج على منوال محيى الدين بن عربي ولا غيره ، بل استفدتُ منهم لاشك في تجربتي الصوفية التي أعيشها منذ الطفولة والتي تلازمت مع التجربة الشعرية ، فالتصوف لديّ طريق وسلوك ، وليس فقط أحد مصادر ثقافتي وقراءاتي . وابن عربي ليس له كِتَابٌ اسمُهُ الوصايا. ولكنَّ بعض الناشرين في لبنان اقتطعوا أجزاء من " الفتوحات المكية " لابن عربي ووضعوها في كتابٍ أسموه " كتاب الوصايا " .

 

أنا أخذتُ فكرة " الوصايا في عشق النساء " - والتي وُلِدَتْ في المنستير - تونس - من فنّ الوصية العربية. ولم أخطّط لكتابة هذا الكتاب أبداً ، ولكنه جاء عفو الخاطر ، بمعنى أنني كنتُ أنهي كتاباً لي في مدينة المنستير حيث كنت مشاركاً في إحدى الندوات حول التصوف ، فجاء فصل الختام لكتابي هو بداية " الوصايا " ، ولما عدتُ إلى القاهرة أسميته " الوصايا في عشق النساء". والكتاب الذي كنتُ بصدد إنهائه لم أنهه إلى الآن ، ومازال قيد الكتابة. وأظنُّ أنه يُحْسَبُ لي أن نَبَّهتُ إلى أهمية الاستفادة من الأشكال الفنية التراثية ، وضرورة النهل منها ، وقد فعلتُ ذلك من قبل مع الأحاديث واعتبرتها شكلاً فنياً عربياً فريداً ، وكذا لي محاولة في الاستفادة من شكل الحكمة العربية في كتاب لم أصدره بعد يتضمَّن ألف حكمة لي عنوانه " كِتَّان الآلهة" ، باعتبار أن الحكمة بيت العارفين والآلهة والرسل والأنبياء والمفكرين والفلاسفة وأهل العشق والتصوف ، أما الكِتَّان فهو أقدم قماش عرفته البشرية مع القدماء المصريين ، كما أنه لا يَبْلَى ، ويظلَّ على حاله مثل الحكمة تماماً تزيدُ ولا تنقص.

 

أنا أحبُّ الكَشْفَ في سَتْرٍ ، لا أسعى إلى التصريح أو المباشرة ، وليس هدفي أن أكون مباشراً أو زاعقاً ، فأنا بطبعي شخصٌ كتومٌ وربما أكون باطنيًّا ، أي أنني شخصٌ يحاور نفسه طوال النهار والليل ساعياً إلى معرفة ذاتي والوصول إلى نقطتها الأبدية الغامضة.

 

أَنَا بَوَّاحٌ ولكنْ مع نفسي ، طَّراحُ أَسْئِلةٍ ، أشيرُ وَأُلْمحُ وَأَرْمُزُ . وأستر حال روحي ، أكتمُ ولا أبوح ، ربَّما لا أُسَِّر بالستّر حتَّى لنفسي . هكذا تكونتُ وَتَدَرَّبْتُ ولا يهمني ما المصير الذي ألقاه ، أو ينتظرني.

 

ولكنْ كتاب " الوصايا في عشق النساء " على الرغم من أنه كتابٌ في العشق والشِّعر والحياة والجمال ، مكتوبٌ بشعريةٍ ، فإنه يمكن اعتباره كتاباً "تعليمياً" على طريقة الأسلاف في الحضارات القديمة: العربية والإسلامية والهندية والصينية وغيرها من الحضارات الخالدة التي لها  تراثٌ لافتٌ في العشق.

 

وما دام هُنَاك عِشْقٌ ، فلابد للمرء أن يتوقَّع الرفض والمصادرة وسيطرة فقه التعصُّب والتشدُّد والتطرف ، وممارسة الإقصاء والنفي وهذا حال الشعراء والطليعيين والمتصوفة على مدار التاريخ . وأنا أعوِّل على " الوصايا " ككتاب سيبقى بسبب ما قدَّم ، وليس بسبب مَا حَدَث له من الإخوان المسلمين وشيوخ الأزهر والأمن.

 

      §        لكنّ " الأيديولوجيا السياسية والدينية " ملمح واضح من ملامح واقعنا العربي.

 أليس من الصّعب أن ننأى بعمليتي الإبداع والتلقّي عن طائلة الوقوع تحت وطأة " اللّحظة الرّاهنة "؟

 

   q    إن لم يُعَمّق الشَّاعر " لحظته الراهنة