ف

راسلنا

منتدى

عن الندوة

أدب وأدباء

صوت الشعر

شعر صيني مترجم

شعر إنجليزي مترجم

شعر مترجم

شعر عربي

 

يمكنكم إرسال الحورارات الأدبية أو الفنية للموقع إليكترونياً على adab@arabicnadwah.com أو بالضغط على هذا الرابط.

أحبها قبل أن يعرف القيم والمبادي: كل شي يستحق الكتابة

ندوة - هونج كونج


ضمن ملف قدمته مجلة فصول تحت عنوان 'الرواية وفن القصة' حول وما يرغب الروائيون في تحقيقه، وهمومهم وتصوراتهم للفن الذي يكتبونه كان هذا الحوار مع نجيب محفوظ.
الحوار جاء بالعدد الثاني المجلد الثاني (يناير فبراير مارس) .1982

س: متي وكيف بدأ اهتمامك بالفن القصصي قراءة وكتابة؟ وما الدوافع والظروف التي كانت وراء هذا الاهتمام؟
ج: بدأ اهتمامي بالفن القصصي بطريق المصادفة منذ مرحلة الدراسة الابتدائية، عندما رأيت صديقا لي في أثناء احدي فترات الراحة بالمدرسة، يقرأ كتيبا صغيرا كان يباع بخمسة مليمات، وهو عبارة عن قصة بوليسية بعنوان 'بن جونسون' وقد أخذت الكتيب منه بعد أن انتهي من قراءته. وكان هذا أول شيء اقرأه في حياتي خارج المقرر التعليمي.. هذا هو مدخل إلي عالم القراءة الخارجية الذي بدأت منه التعرف علي مايسمي 'القصة المكتوبة' لأني كنت من قبل قد سمعت كثيرا من القصص المحكية في البيوت. ومنذ ذلك اليوم دخلت عالم القراءة، فقرأت بقية السلسلة، وقصة جونسون الأب، حيث لم يكن هناك أدب للأطفال.
أما الكتابة فقد بدأت كتابة خاصة لا علاقة لها بالنشر. وذلك أني في قراءاتي ­ فيما أظن ­ بدرجت من الروايات البوليسية إلي قصص المنفلوطي. ومنها إلي ما كان ينشر في الأهرام من روايات مترجمة. وبعد قراءة الرواية كنت أعيد كتابتها في جوها الأصلي بعد أن تكون قد رسخت في ذهني. فإذا كانت الرواية مثلا تدور أحداثها في انجلترا أو في أي مكان آخر كنت أكتبها كما هي. بهدف الاستمتاع.
وأما الدوافع والظروف التي كانت وراء هذا الاهتمام فلم تكن أكثر من توافر وقت فراغ أكثر من أربعة أو خمسة أشهر في العطلة الصيفية، كنت أقضيها في القراءة، وفي هذا النوع من التأليف المزيف.
س : لماذا اخترت إطار الفن القصصي دون غيره من أشكال التعبير الأدبي؟ وهل يرجع هذا إلي استعداد خاص؟ وكيف تشرح هذا الاستعداد؟ وهل يرجع هذا الاختيار إلي مزية أو مزايا خاصة لهذا الإطار؟ وما هي؟
ج: السؤال علي هذا النحو يفترض درجة من الوعي عند الاختيار. والواقع أن اتصالي بالأدب الجاد قد جاء عن طريق المسرح قبل السينما، لأن عصرنا كان عصرا مسرحيا، فقد كنا نذهب إلي المسارح مع آبائنا. ولذلك فقد رأينا المسرح الجاد قبل أن نقرأ الرواية الجادة، لأن الروايات التي ذكرتها في أول الحديث لا تعد من الأدب الجاد. ثم دخلت السيما حياتنا ولو رجعنا إلي ما سمعناه في بيوتنا من قصص وما قدمته السينما من حكايات لوجدناها كلها أقرب إلي الروايات منها إلي المسرح. هذه ناحية والناحية الاخري أن الكاتب عندما يكتب ­ لنفسه أول الأمر ­ رواية فمن الممكن أن يعرضها علي أخيه الأصغر أو الأكبر أو علي صديقه لقراءتها. ولكن المسرحية في حاجة إلي نوع من العرض بشكل آخر. ولا أعتقد أن عندي اجابة عن هذا السؤال أكثر من ذلك، فلم تكن هناك أسباب واعية أو اختيار واع بين هذا النوع أو ذاك، ولم يكن هناك تفكير أو موازنة بين كتابة المسرحية والرواية كفن، من حيث العرض والصعوبات الخارجية.
س: هل يمكن القول إن ذلك قد حدث نتيجة للمناخ العام الذي كان موجودا؟
ج: نعم.. المناخ، وربما الاستعداد أيضا وكذلك لأن عملية الحكاية أفضل من الحوار.
س: وهل كان ذلك لان الحكاية تتيح فرصة أفضل للتعبير عن النفس، علي العكس من المسرح؟
ج: هذا السؤال يتصل بدرجة من الثقافة لم تكن متاحة لي.
س: ربما كان ذلك في السنوات الأولي من التجربة، ولكن الكاتب ­ عندما يوغل في التجربة ­ يكتسب قدرة علي التفكير والتحليل، وذلك بعد أن يكون قد اختار عن وعي، لأن الاختيار يكون تلقائيا في باديء الأمر.
ج: الانطوائيون مثلا ­ وأعتقد بدرجة كبيرة أني منهم ­ يفضلون الفن الروائي، لأنه فردي، ولأن الانسان يقرؤه وحده ويتخيل ولكن المسرح في حاجة الي جماهير تعيش به ويعيش بها.
س: وفيه أكثر من صوت، وأكثر من حوار. ولكن الرواية فيها تأمل للذات أكثر.
ج: بالضبط.. وفيها أيضا تخيل وخلق..
س: خلق عالم مواز قد لا يكون متاحا للإنسان أن يعيشه في عالم الحقيقة؟
ج : بالضبط.. ولكن الأمر مختلف في المسرح، فنحن لا نخلق فيه شيئا، بل نشاهد ما يعرض أمامنا.
س: كيف يبدأ مشروع الرواية في نفسك؟ هل يبدأ من فكرة؟ أم يبدأ من حدث؟ أم يبدأ من شخصية؟ واذا اختلفت البدايات لديك فلماذا؟ وما أثر ذلك في أسلوب التنفيذ؟
ج : سؤال لطيف جدا.. الواقع أني كتبت الروايات التي تبدأ بحدث، والتي تبدأ بشخصية، والتي تبدأ بفكرة. والأمر هنا ليس أمر تخطيط. فأنا لا أقول إنه يجب البدء بفكرة أو بشخصية. والمسألة لا تخرج عن كون المرء يعيش حياته، وفيها يعرف الناس والأحداث قبل أن يعرف الأفكار، ومن علاقة المرء بالأحداث والأشخاص، وما يمكن أن تثيره في نفسه من اهتمام، أو من دهشة، أو ما إلي ذلك، يعتقد، أو يقرر، أنها تستحق الكتابة عنها.. والنتيجة واحدة، فإذا بدأنا بحدث. لابد للشخصية أن تلعب دورا، ولابد في النهاية أن تؤدي إلي فكرة، وإذا بدأنا بالفكرة فلابد من خلق الأشخاص المناسبين لها. وكذا الأحداث المناسبة لها. وهناك من يقول اننا لو بدأنا من الحياة سعيا الي الفكرة فان ذلك أعظم طبيعية لأن السبيل الآخر فيه شيء من التكلف.. وليس هذا القول صحيحا: فالتكلف يأتي من العجز لا من الأسلوب. وقد نبدأ من الفكرة وتأتي الرواية طبيعية تلقائية للغاية إذا ما أتقنا اختيار الأشخاص والأحداث ­ بحيث لا تظهر الفكرة بصورة مكشوفة. فتظهر وكأنها شيء متكامل وطبيعي، تمثلنا فيه الأحداث والأشخاص بصورة طبيعية، تتفاعل مع الحياة، وإذا بدا الامر علي غير ذلك، فلا يعني هذا أن الرواية التي تبدأ بالفكرة من طبيعتها أن تكون كذلك، يرجع إلي أن اليد التي صنعتها لم تستطع أن تحكم صنعها وضبطها الضبط الكافي.
س: أو أن الكاتب أو الأديب لم يستطع التحكم في أدواته؟
ج : بالضبط.. وتبدو الرواية وكأن هؤلاء الشخوص الذين نراهم يخدمون هذه الفكرة. وأن هذه الحياة ليست حياتهم الخاصة. أما ما يتعلق بأثر ذلك في أسلوب التنفيذ فيتمثل في أنه لا يصح أن يظهر فرق في حالة بلوغ العمل اتقانه التام. ولا يغيب عن بالنا طبعا أن هناك فرقا في درجة حرارة الأسلوب في بعض الروايات الفلسفية مثل روايات سارتر وكامي. وهناك من يفضلون أن ينشأ الأدب عن فكرة يكون فاترا. ولكن الفتور في هذا النوع لا يرجع إلي ضعف في الفن، بل يرجع إلي أن طبيعة الموضوع تقتضي ذلك. فالموضوع الوجداني يختلف في درجة حرارته عن الموضوع الفكري. وإذا وجدنا الموضوع هادئا عند سارتر مثلا. بل إن من طبيعته ذلك وتذوقه يجب أن يكون أيضا كذلك.
س : هناك أيضا ­ عند كامي ­ مسافة بينه وبين الأشياء، فهو يتعمد عدم الانفعال عند تصويره الأشياء.
ج: ذلك لأنها لا تستوجب الانفعال، بل التأمل لأن التأمل أهدأ، ولذته في هدوئه.
س : وكذلك له تفاعلاته الداخلية؟
ج : ولكن درجة حرارته يجب أن تكون أقل، وليس هذا عيبا فيه، فهو من طبيعته.
س: متي تشرع في كتابة الرواية؟ وهل تعد تخطيطا لها قبل الشروع فيها؟ وما العناصر التي يتناولها هذا التخطيط؟ وهل تعدل ­ فيما بعد أحيانا ­ في هذا التخطيط؟ ومتي وكيف؟
ج: الحقيقة أني ما أمسكت القلم لأكتب رواية إلا وكانت متبلورة في ذهني الشخصيات والأحداث والبداية والنهاية. وكل ذلك يكون مسجلا في فهرست.
س: أرجو أن تشرح لنا فكرة هذا الفهرست
ج: عندما أقرر ­ مثلا ­ أن أكتب عن شخصية فإني أتصورها في موقف من المواقف.. قد يكون أول تصور لموقفها هو ختام الرواية. وقد يكون جزءا في الوسط، وقد يكون في البداية. وما يحدث هو أني أسجل جزئية في ورقة كي لا أنساها، لم تنم جزئية أخري تضاف إليها. أو يدخل في حياة هذه الشخصية شخصية أخري، وتظل تنمو وعي في صورة غير منتظمة. ثم أعيد ترتيبها حتي تصبح كيانا متكاملا. ولا يعني هذا اني عندما اكتبها ألتزم بالصورة الأولي، فكثيرا ما تصبح شخصية ثانوية مهمة جدا لانها فرضت نفسها. ويجوز جدا أن تتغير النهاية. وكل هذه الاحتمالات موجودة ولكني عندما ابدأ الكتابة ابدأ بتخطيط. هذا عن اعداد تخطيط للرواية قبل الشروع فيها. ولكني أحيانا ­ علي النقيض من ذلك ­ أبدأ كتابة بعض الروايات من الصفر بمعني أني عندما ابدأ الكتابة لا يكون في ذهني أكثر من الرغبة في الكتابة فلا موضوع ولا مضمون ولا حدث ولا شخصية. وفي هذه الحالة فإن الكلمة الأولي هي التي ستؤدي إلي الثانية. فإذا بدأت مثلا بكلمة 'خرج فلان من بيته.....' فالله وحده أعلم بما يأتي بعدها. والحقيقة أن التجربة كلها اكتشاف يؤدي إلي اكتشاف يؤدي الي آخر حتي تنتهي الرواية، وقد تنتهي إلي شيء ترتاح إليه النفس. وقد تمزق.
س : يحدث إذن أن تترك لنفسك شيئا ما من التلقائية في التناول.
ج : ليس 'شيئا ما' فقط، بل تلقائية كاملة، فعندما ابدأ لا أعرف ماذا سأفعل.
س : بودي لو عرفنا نموذجا من الروايات التي تنطبق عليها هذه الطريقة في التناول.
ج : النوع الذي يغلب عليه هذا الطابع بحده في 'تحت المظلة' و'حكاية بلا بداية ولا نهاية' و'شهر العسل' و'الجريمة' وفي أجزاء أخيرة لم تظهر بعد من 'رأيت فيما يري النائم' وهناك روايات تجمع بين التخطيط والتلقائية، كأن تكون البداية فيها فكرة عن شخصية أو حدث أو عنهما معا، ولا أدري ما سوف أفعل.
هذه الانماط الثلاثة قد طرقتها كلها. ولكن العمل كلما كان كبيرا احتاج الي تخيطي والا تاه فيه الكاتب.. ولذلك فقد صنعت فهرسا لثلاثية، وملفا لكل شخصية، لأني كنت موظفا. وكانت ظروف عملي تجعلني انقطع عن الكتابة لفترة ثم اعود اليها، ولأني كنت أخشي أن أتكلم عن 'أحمد عبدالجواد' وتكون عيناه سوداوين فأقول إنهما زرقاوان. ولأن الرواية كانت تضم كثيرا من الشخصيات، فقد كنت أسجل الملامح النفسية والجسدية. ومثل هذه الأعمال الكبيرة لابد أن يلجأ الكاتب فيها إلي مثل هذه الوسيلة، لأنه لا يستطيع أن يسترسل فيها هكذا. ولذلك كانت التجارب التلقائية كلها قصصا قصيرة أو مسرحيات من فصل واحد.
وهذه التجارب التلقائية ألجأ إليها من قبيل الاستزواج أحيانا عندما أكون منغمسا في كتابة موضوع طويل مرتب مخطط: لأن التلقائية عندي نزهة، ولكنها عند الآخرين مذهب ومدرسة لا يحيدون عنها، أما عندي فليست كذلك. وأ ما من حيث المعني والتعبير عن الشخصية فالطريقتان تستويان فالعقوبة تؤدي المعني المراد أيضا، ربما بأكثر مما يمكن تصوره.
س : وتلقائية الشخص في النهاية مرتبطة بنظام تفكيره ورؤيته.
ج : ولا يستطيع أن يهرب منها.
س : هل تلتزم في كتابة الرواية بالقواعد السائدة لهذا الفن، وما موقفك النظري والعملي من هذه القضية؟
ج : عندما بدأت الكتابة كانت فكرتي أن في فن الرواية ما هو صواب وخطأ، مثل النحو تماما، وأن هذا الفن أوروبي، وأني اذا كتبت الرواية الصحيحة فقد بلغت الغاية المنشودة.. وهناك كيفيات متعددة لكتابة الرواية: منها خروج المؤلف من الرواية، أو دخوله فيها، أو وجهة النظر أو ما إلي ذلك. ولأني كنت مبتدئا فقد كنت ألتزم القواعد. أما الآن فلا اهتم بأي شيء من هذا الا بالتعبير عن ذاتي بحرية تامة، سواء اتفق هذا التعبير أو اختلف أو حتي تناقش مع القواعد، فهي لا تهمني اطلاقا ، ولم تعد هذه القواعد في نظري إلا الاسلوب الذي يكتب به الكاتب، أي ليس هناك قواعد، ويصح جدا أن يكون لي أسلوبي الذي أكتب به.
س : هذا لانك كونت لنفسك قواعد خاصة بك بمعني أن فن نجيب محفوظ قد أصبح له قواعد خاصة تفرض نفسها.
ج : بالضبط.. اتفقت هذه القواعد أو اختلفت، فأنا لا أهتم بشيء من هذا.
س: حدث هذا ­ بالطبع ­ بعد مرحلة التمكن من هذا الفن.
ج : حدث بعد محاولاتي كتابة القصة الصحيحة أيام ان كنت أري القصة الصحيحة هي ما تخضع للقواعد، وأن غير الصحيحة هي ما تخرج عليها.
س : في أي مرحلة كان ذلك؟
ج : كلما تقدم الكاتب في الكتابة استبان بالقواعد.
س : المعروف أن رواياتك التاريخية ­ مثل رادوبيس ­ كانت تخضع للقواعد، وهي روايات المرحلة الأولي، فهل حدثت هذه النقلة بالتدريج إلي أن بدأت تشعر عند مرحلة معينة أو رواية معينة أنك غير ملتزم بالقواعد؟
ج : بالضبط.. كان هذا حتي الثلاثية. وغاية ما في الامر ان الطبيعة الخاصة تعبر عن ذاتها رغم القواعد دون أن يحس الكاتب بذلك. ولكني فيا لمرحلة الاخيرة ليس عندي ما يسمي 'قاعدة'. بل اكتب الرواية كما أريد، ولا يهمني إن التزمت القواعد أو خرجت عليها، أو حازت الاعجاب أو لم تحز: وكل ما يهمني هو الكيفية التي تتكيف بها الرواية، وهذه هي القاعدة.
س: متي تكون أنت الراوي مباشرة بضمير المتكلم. ومتي تكون الراوي الذي يقف خارج الرواية، لماذا، وهل يتداخل هذان الاسلوبان عندك أحيانا، وكيف، وما الهدف من ذلك؟
ج : النوع الذي أكون فيه الراوي مباشرة قليل جدا عندي، لأني من النوع الذي لا يتدخل في الرواية إلا مرغما.. ولكن القاعدة عندي أن الراوي هو المتجرد الذي ليس هو المؤلف. وعندما أقول 'إن فلانا خرج......' فليس نجيب محفوظ هو الذي يقول والذي خرج هو الذي يقول ­ وكذلك عندما أقول 'كان يري.. أو يشعر بكذا' فلست أنا الذي أقول، بل هو ­ الذي يري ويشعر ­ ولكنه لا يتكلم بالأسلوب المباشر، أما أن أدخل بذاتي كراو وكمؤلف، فأنا لا اذكر اني فعلتها، ولا أظن أني سأفعلها.
س : هل يتناقض ذلك مع الفن؟
ج : أبدا.. وإذا ارتاح كاتب إلي هذه الطريقة فلا بأس.
س : هذا يعني ­ إذن ­ أنك لم تسترح إلي أسلوب التدخل المباشر.
ج : لا.. ولو أردت من الغد أن أكون الراوي والمعلق الي الحد الذي تكون فيه بقية الشخصيات مثل الأشباح فسوف أفعل.
س: ما علاقتك بشخوصك الروائية ­ وهل هي مخلوقاتك ­ أم أن لهم وجودا سابقا لوجود الرواية؟ وما دواعي اهتمامك بهم؟ ولماذا فرضوا أنفسهم عليك؟
ج : أود القول إني حتي لو أردت اختلاق شخصية بلا أصل. فلسوف يظهر لها أصل، إذ لا شخصية دون أصل. فمثلا من الممكن جدا أن أقول إن فلانا له أصل، وأن فلانا آخر ليس له أصل. ولكن فلانا هذا ­ الذي أزعم أنه دون أصل ­ إذا ما حللت صفاته أجدها في عدة أشخاص نعرفهم. وإذن فليس هناك ما لا يرجع إلي أصول في الحياة. حتي إذا تصورنا أن هناك شخصا يطير ­ وهذا تصور بعيد ­ فإن الشخص موجود. والطيران موجود. وكلا الشخص والطيران مأخوذ من الطبيعة والمجتمع. ولذلك سواء أكانت الشخصية لها أصل أم لا: فلابد أن ترجع إلي أصول. ولكن هذا الاصل بمجرد أن يدخل في الرواية تحدث له عوامل أخري. التغير تبعا لسياق الرواية، وتبعا لتصور المؤلف الذي يقدمها. بمعني أنه يكتسب تغييرات من السياق ومن المؤلف أو من ذاته، وإن أردنا مثالا لهذه العملية فهو أننا عندما نريد أن نبي بناية، نقطع لها الأحجار من الجبل. ونقول صادقين إن كل أحجار هذه البناية من الجبل، ولكن تقطيع الاحجار قطعا صغيرة، أو كتلا في حجم أحجار الهرم، انما يخضع لمزاجنا نحن، وللوظيفة التي ستؤديها البناية، فالقلعة غير المستشفي غير الفيلا، والشخصيات كلها في الحياة، ولكنها تتغير لتؤدي دورا جديدا في حياة جديدة فيها إلا ما يضيفه إليها الفنان من ذاته وتصوره، ويكون اتصالها بالواقع لاشك فيه، واختلافها عن الواقع أيضا لاشك فيه. ولكن الاختلاف عن الواقع يأتي بقدر ما يضفي عليها المؤلف من ذاته وتصوره ورؤيته. ولذلك فإن كل عمل من هذه الناحية مهما كان موضوعيا فهو ذاتي، وترجمة ذاتية، باعتبار أن حيال المؤلف ورغباته وميوله ومزاجه قد انطبعت فيه.
س: وإذن فالموضوعية المطلقة غير ممكنة؟
ج: ليس هذا فحسب، بل هي خيال، والتصوير الفوتوغرافي خيال. وهذه الأشياء يقولها الناس ولا يعرفون لها معني.. أما لماذا فرضت الشخوص نفسها علي فهذا مهم جدا، لأننا نري الكثير ولكننا نهتم بالقليل مثلا، لماذا يختار رجل ما امرأة بعينها زوجا له، أو لماذا اختارت امرأة ما رجلا بعينه زوجا لها، وأمام كل منهما آخرون كثيرون؟
س: هذا بالطبع يرجع الي أسباب ذاتية في تكوين الشخص وميوله.
ج : بالطبع لاشك في هذا.. رجل ما آثار اهتماما أكثر من غيره عند امرأة أو العكس، أو أن هناك استجابة معينة، ولذلك فان المرء عندما يكون صغيرا فليس لاهتماماته حدود، لأن كل شيء جديد بالنسبة له. ولكنه عندما يكبر، وتتكون لديه فكرة عن الدنيا وعن الوجود، فان القليل هو الذي يهمه. وهذا هو السبب الذي من أجله نمر بأوقات أو تمر بنا أوقات لا نجد فيها ما تكتبه. وقد قلت ذلك مرة في حضور صديق، فرد علي أن الجرائد تنشر قصة كل يوم.. وهذا صحيح.. ولكن هذه القصص ليست قصصي.. أيام كنت صغيرا كانت كل قصة قصتي، لأن كل ما يثير دهشتي فهو لي، أما الآن فلا.. فأنا أريد الآن ما يناسبني.. مثلا، ماذا يستهويني في الوجود الآن؟.. بالطبع هناك شيء يستولي علي.. سمة ما شئت من تسميات.. هذا مهتم بالاصلاح.. وذاك مهتم بالثورة.. وآخر يهتم بالبحث عن ذاته، أو بالبحث عن معني للوجود.. في هذه الحدود يختار الكاتب.. وكلما كبر المرء ضاقت دائرة اهتماماته.. وهكذا حتي يؤول اختياره الي شيء واحد.
س : ذلك لانه يختار ما يضيف الي ما يشغله.
ج : بالضبط، وإلي رؤيته.
س : وكلما نضج ونضجت رؤيته قلت الأشياء التي يمكن ­ في نظره ­ أن تضيف شيئا، لانه يكون قد كون هذه الاهتمامات من مجموعة اهتمامات كثيرة شغلته فيما سبق. ولذلك لابد له من شيء جديد.
ج: لذلك ­ فيما سبق ­ لم تكن عندي مشكلة فيما أكتب، فقد كان أي شيء ممكنا، وكل شيء يستحق الكتابة، فمثلا اذا سمعت أن هذه خانت زوجها، فمن الممكن أن أكتب عنها، أو أن هذا ضرب ذاك فمات فممكن.. أما الآن فليس كل شيء ممكنا.. وهناك حوادث مثيرة لا حصر لها.. ولكنها لا تهمني.
س : هل يمكن أن تعطيا صورة لما يهمك الآن؟
ج : ما يهمني الآن يشبه ما يهم انسانا مسافرا الي الاسكندرية وصل به القطار الي محطة سيدي جابر، فبدأ يتأهب للنزول بحمل حقيبته استعدادا لمحطة الوصول.
س : فهمت.. ولكنك قلتها بشكل مبهم ومغلق.
ج : لأنها شيء مغلق ومهم فعلا.. الاستعداد للمرحلة الاخيرة.
س : أطال الله عمرك.. ولكن ما الزاد التي تزودت به، أو ماذا في الحقيبة؟
ج: الحقيقة أن المرء يتساءل عن الخطوة الاخيرة.
س : أهو نوع من التفكير الميتافيزيقي مثلا؟
ج : تقريبا.. فهذا هو ما يهم الانسان في هذه المرحلة أكثر من أي شيء آخر.
س : البحث عن معني للوجود.. ومعني للحياة؟
ج : نعم
س : وهل هناك اجابة؟
ج : يوم أن يجد المرء اجابة فلن يكتب، وماذا يكتب اذا وجد الاجابة التي يرتاح إليها.
س : الكتابة ­ إذن ­ عندك عملية بحث دائب عن الاجابة؟
ج : بالضبط
س : يخيل لي أن البشرية كلها يوم أن نجد اجابة، فليس هناك مبرر لوجودها..
ج : لاشك في هذا، ولذلك فإن من السذاجة جدا أن يأتي امرؤ ويقول: كف عن الكتابة، لأن هذا يعني أنه لا يفهم معني الكتابة، ولا يفهم ابعادها الحقيقية، في حين أنها نوع من البحث الدائم.
س : ما موقفك من استخدام اللغة أداة للتعبير؟ وهل تعتقد أن لها خصوصية تميزها عنها في أشكال التعبير الأخري؟ وهل تستهدف منها تحقيق قيمة جمالية؟ وبأي معني وكيف؟
ج : الحق أن اللغة قد تكون هدفا لذاتها في بعض أنواع الكتابة مثل الشعر ولكنها في أنواع النثر وسيلة مهما كانت. ومهما أولاها الكاتب من عناية ولا يهمنا من هذه الوسيلة مجرد ما تؤدي اليه فحسب، بل يهمنا العناية بها عناية فائقة، لأنها لن تصل الي غايتها إلا من خلال هذه العناية.
س: إذن هي وسية وغاية في نفس الوقت
ج : نعم وسيلة وغاية
س : بمعني أن يحاول الكاتب بلورة اللغة؟
ج : بالضبط.. يبحث في الاسلوب عن نغمة تناسب انفعاله الداخلي، وينقب ويعيد التركيب من أجل أن يصل الي هذه النغمة الموجودة الآن. ولذلك فان كل كتابة جديدة، وكل كتابة عناء. ولو كانت الكتابة وسيلة منفصلة عن موضوعها ­ وهناك من ينجحون في هذا ­ لكانت في ذاتها شيئا لا يعتد به، ولأصبح المهم هو الموضوع فحسب، وعلي هذا النحو اذا ما وجد الموضوع فمن الممكن كتابته في أسبوع أو أسبوعين مادامت الكتابة خارجة عن الموضوع، ومادام دورها يتحدد في تأديته وحسب ولكن لأن اللغة عندي جزء لا يتجزأ من الموضوع، فاني عندما اكتب أشعر وكأني اكتب لزول مرة.
س : وإذن فلكل رواية لغتها الخاصة بها، وأسلوبها وملامحها.
ج : بالضبط. وهذا يختلف عن كتابة المقال مثلا، فاذا وجدت الفكرة سارت الامور في طريقها.
س: هذا يعني أن المقال له لغة خاصة، وأن للرواية لغات مختلفة.
ج: وجديدة دائما.
س : ولكن أليس هذا في اطار عام تحترك فيه اللغة مع وجود متغيرات؟
ج : بالضبط، وهذا ضروري، وهو ما يجعلنا في النهاية نقول ان كلمة 'الأسلوب هو الرجل' كلمة حكيمة وصحيحة.
س : هل يعني هذا انك توصلت الي فكرة بالنسبة للفصحي والعامية أو انتهت الي رأي فيها؟
ج : بالضبط، ولكن من خلال هذا تأتي المعاناة وهي أكثر من مشكلة العامية، لأن العامية في ذاتها مريحة، وتساعد علي التصوير بسهولة عندما يجعل الكتاب عصبية من الشخوص تتحدث العامية أما المعاناة الحقيقية فهي أن يجعل الكاتب الشخصية تتحدث الفصحي بحيث يشعر القاريء أن هذا الكلام كلام الشخصية نفسها وليس كلام شخص آخر ففي هذه الحالة تكون مهمة اللغة هي التعبير والتشخيص معا والتشخيص هنا هو نقل التعبير بالعامية الي الفصحي بحيث تكون قادرة في نفس الوقت علي أن تجعلنا نتخيل أن الشخصية هي التي تتكلم علي الرغم من أن هذا الكلام ليس كلامها.. وهذه المعاناة لا تواجهها فيما لو استخدمنا اللغة العامية.
س : وهل هناك سبب جدا بك الي الانتهاء الي هذا الموقف من قضية اللغة: موقف ضرورة التعبير الفصحي؟
ج : ليس السبب أدبيا.. ويصح جدا أن يكتب كاتب بالعامية ونحترم كتابته لانها معبرة ودالة. ولكن السبب الذي جعلني أتمسك بالفصحي سبب قومي، أيديولوجي، وهذا جعلني أتكبد هذا العناء.
س: تقصد الحفاظ علي اللغة العربية؟
ج : وعلي الوجدان الذي اعمل له.
س : القومي أم العربي؟
ج : القومي
س : والعربي أيضا لأن الفصحي قادرة علي مخاطبة القاريء.
ج: الفن عموما تعبير عن تجربة انسانية، وهو لا يخلو من قيمة معرفية حتي وان كانت بذاتها معرفة ثانوية.. وأنا لا اقدم الرواية لأعطي من خلالها معلومات عن شيء معين بل اعطي تجربة حية يعيشها القاريء.. هذا هو الاساس. ولو كان الاساس معرفيا صرفا لكان هناك من الوسائل ماهو اجدي. وحتي في الروايات التاريخية لم أكن أقصي الي التعريف بالتاريخ بل بتجربة انسانية من خلال التاريخ والحقيقة أن العمل الفني ليس معرفة بمعني Knowledge بل تجربة حية يعيشها القاريء وينري بها،لأنها تعطي الحياة طولا وعرضا لم يكن لها.
س : أليس ذلك معرفة بالحياة؟
ج : معرفة بالحياة الوجدانية
س: هل تستهدف برواياتك تأصيل قيمة اجتماعية، أو مبدأ أخلاقي، أو وجهة نظر في الحياة؟
ج : كل هذا يأتي نتيجة حتمية للكتابة دون أن يكون هدفا. والأصل في الكتابة أنها نشاط يحدث اشباعا. ولكن هذا النشاط لا يدور في فراغ، والكاتب الذي يكتبه ليس فارغا، ولكن له قيمة وتصوراته، وإذن وهو يمارس هذا الاستمتاع نتج عن ممارسته أشياء حتمية نسميها القيم أو غير ذلك. وقد يلجأ البعض الي الكتابة بهدف محدد لخدمة محددة، ولا اعتقد أني كنت من هؤلاء، لأني أحببت الكتابة قبل أن أعرف القيم والمباديء في الحياة.
س : في تصورك، من قارئك الذي تكتب له رواياتك؟ وهل يكون لهذا القاريء حضور ما في نفسك وأنت تكتب؟ وهل يكون له تأثير ما ­ وإن يكن غير مباشر ­ فيما تكتب؟
ج: الحق أن هذا السؤال لا يجدر طرحه علي الكتاب عندنا، لأن بلدنا فيه 80 % أميون و 20 % متعلمون ، منهم 10 % مثقفون، فكيف يوجه لنا مثل هذا السؤال. لو كان شعبا كله قراء لاختلف الامر، لأن الكاتب عندئذ سيحار لمن يكتب.. هل يكتب للفلاحين، أم يكتب للعمال، أم للموظفين، أم للارستقراطيين؟ .. هذه المشكلة لم تواجهنا ولم نشعر بها اطلاقا. ولذلك فقد ألف سارتر كتابا بعنوان 'لمن أكتب' أما عندنا فإذا وجه الي هذا السؤال فالاجابة اني اكتب للمثقفين.. والحق ان الادب بعد أن يكتب يمكن للقاريء أن يشعر بوجدانه أنه كتب لفائدة أناس دون آخرين، وانه يهاجم البعض ويؤيد الآخر، أو يتعاطف مع هذا دون ذاك. وهذه الامور تأتي كلها تلقائية تبعا لموقف الكاتب.
س: واذا وصل الادب عن طريق وسيلة من وسائل الاعلام، فان المتلقي يكون مشاهدا أو مستمعا وليس قارئا
ج: بالضبط.. وهذا السؤال يمكن أن يوجه الي وسائل الاعلام، ففيها ركن للفلاح وركن للعامل، وركن للطالب، وآخر للشباب وهكذا.
س : ما الشيء الذي تود تحقيقه في كتاباتك المستقبلية؟
ج : مزيد من اكتشاف الذات ان امكن، والاكثر من هذا: أن أحيا، لأني عندما اتوقف عن الكتابة اشعر اني ميت.
س : هل معني ذلك ان الحياة توازي اكتشاف الذات، أو معرفة أعمق بالذات؟
ج : عندما لا يكون عندي ما اكتبه أشعر كأني ميت. ولذلك عندما قالوا ان همنجواي قد انتحر لانه لم يجد ما يكتبه، فقد التمست له العذر في ذلك، وهو كما تعلم لديه المال والقصور والشهرة. ولكنه لم يطق الحياة دون ابداع، لأن الحياة عنده توازي الابداع.

 

(نقلاً عن أخبار الأدب)

 

 

Comments 发表评论 Commentaires تعليقات

click here 按这里 cliquez ici اضغط هنا

 

ضع إعلانك هنا