ف

راسلنا

منتدى

عن الندوة

أدب وأدباء

صوت الشعر

شعر صيني مترجم

شعر إنجليزي مترجم

شعر مترجم

شعر عربي

 

يمكنكم إرسال الحورارات الأدبية أو الفنية للموقع إليكترونياً على adab@arabicnadwah.com أو بالضغط على هذا الرابط.

الشاعر موفق السواد الكتابة في المتاهة السعودية هي محاولة لقرع أجراس الإنذار في مفازات الرمال المتحركة

ندوة - هونج كونج

حوار: عدنان حسين أحمد

 

ليس غريباً أن تكون ولادة أغلب المواهب العراقية عويصة، وغامضة، ومُثيرة للتساؤل، أو أنها تنبجس من قلب مخاض عسير. قبل انتفاضة مارس " آذار " 1991 كانت الأمواج البشرية في العراق تغلي تحت سطح مفخخ، ولا ندري متى تسحب " يد القدر المبرمّج " مسمار الأمان ليشتعل الوطن من أقصاه إلى أدناه، كما اشتعل من قبل ومن بعد غير مرّة، وما تزال ألسنة الحريق المجنونة تمتد إلى الزوايا المخبأة فيه كي تلتهم الذاكرة الجمعية للناس. كان موفق السواد وعدد غير قليل من الشعراء والأدباء العراقيين هم عصارة هذا المخاض العسير، وخلاصته المركزة، فلقد تفجرت مواهبهم الشعرية والنثرية في قلب المتاهة الرملية، كما تشكلّت أولى معالم التأمل الرصينة لدى البعض الآخر منهم، في حين أجلّ آخرون مشروعاتهم الأدبية إلى أجل غير مسمّى. وسط تلك الرمال المتحركة، والأحلام المجهضة، والإحساس بالنهاية القاحلة والمتصحرة وجد موفق السواد وبعض أقرانه أيضاً حلاً لهذا الاحتباس الإبداعي من خلال كتابة رسائل ذات طابع أدبي قد تكون في جانب منها تبديداً للوقت، ولكن يظل الجانب الأهم فيها هو تأكيد الذات، والتشبث بالأمل حتى وإن كان وهماً أو سراباً مثل السراب الذي تتمرأى فيه الصحراء " الرفحاوية " القاسية وهي تحاصر نحو ( 70 ) ألف قلب يتوق للحب، ويهفو للحرية، وينشد الإنعتاق من هذا الأسر القسري الذي يمارس أصحابه " مهمة معكوسة " وهي " وحْشَنة " الكائنات البشرية العراقية الرقيقة التي دجنتها مدنية خمس حضارات متعاقبة، ولكن الفعل الإبداعي الخلاق للضحايا العراقيين الذين وجدوا أنفسهم في لحظة مبهمة أنهم أسرى، ومعتقلون، ومتهمون مع سبق الترصد والإصرار سواء لاذوا بالعراق أو هاموا على وجوههم في البرية السعودية، أقول إن الفعل الإبداعي كان هو المخلّص من أنشوطة اليأس اليومي، والضجر الذي لا يبدده سوى البوح الإبداعي الذي يرمم دائماً ما يقوّضه " السياسيون العباقرة ". في الآتي محاولة للولوج إلى المتاهة الرملية التي تصوّر جانباً من عذابات العراقيين في سنوات التيه الصحراوي التي قاربت الأربعين عاماً. وفي هذا اللقاء يسلط موفق السواد، أحد الشعراء الناجين بأعجوبة من متاهة الرمل، الضوء على تجربته الحياتية المريرة التي تمخضت فأنجبت أصواتاً تحت الشمس تدعونا للإصغاء إليها.  
* أريد أن نحدّد نقطة بدايتك الشعرية زمكانياً، هل هي البصرة، أم في معسكر رفحاء السعودي، أم في خروننجن الهولندية؟ هل ثمة مصادر أو مرجعيات أو أسماء شعرية محددة يمكن أن تحيل لها تجربتك الشعرية، أم أنك شاعر مقطوع الصلة بالآخرين كما تزعم، ويُنجز نصاً لا يُشبه إلا خالقه؟ 
- ليس في الأدب إجمالاً نقطة بداية ولاسيما الشعر، ربما هذا في سباق المسافات الطويلة والقصيرة، بينما الشعر هو نقطة بدايات متوالية لا تستطيع فيها أن تحدد نقطة البداية من نهاياتها ولو تم الأمر على هذا النحو لكانت المصائر النهائية للإبداع تكتسب نفس الوضع الذي تنتهي إليه سباق المسافات الطويلة والقصيرة وتوزع الجوائز على الفائزين وينتهي كل شيء وإذا كان هذا الأمر يتعلق بالزمان فالمكان هو الأخ الصلب والشديد الكثافة للزمان ولكن ما يجمعهما صفة المخاتلة والمواربة، كلاهما لا يعطي تقريراً بولادة ناجزه ونهاية للشعر والشاعر لا يولد من الصفر، ولا ينشأ في جماعة صفرية سديمية، بل يولد في قلب الألم والعتمة وفرح البلاغة وضجيج الأشياء وأنا ولدت في سياق الألم وفرح البلاغة  
* أُحتجزت في معسكر رفحاء السعودي لمدة سنتين، كيف تفلسف فكرة الاحتجاز، هل كانت أسراً أم اعتقالاً أم لجوءاً، وما دور هذا السجن أو الاحتجاز القسري في تجربتك الشعرية تحديداً، والنثرية بشكل عام؟ هل شجعك الاحتجاز على تثوير قدراتك الأدبية، أم على العكس من ذلك قمعكَ، وحجّمك، وجعلك تدور في دائرة مغلقة؟ 
- حينما اعرفت لاحقاً على أسطورة الخروج التوراتية وجدت أن ثمة تماثلاً في التيه الرملي بين المجموعة العبرانية المسكونة بالنداء السحري للوصول لأرض الميعاد وبين هذه المجاميع العراقية التي فشلت في تمرينها لتغير المشهد على خلفية الحرب الهمجية لأمريكا على العراق وما يجمع بين التجربتين مع حفظ القداسة الكاذبة هو انهما يدوران معا في حلقة رملية لا تؤدي سوى إلى تدمير الذات وإذا كان التوراتيون ضاعوا في مفازات سيناء أربعين عاماً فأن ضياعنا في رمل الجزيرة ابتدأ ولن ينتهي كانت إقامتي في غولاق الرمل السعودي تجربة موت بامتياز. كنا نتنفس الرمل، ونأكل الرمل، ونمشي عبر الرمل، وقسماتنا تكتسي بملامح رملية. كان كل شيء يأخذ شكل الرمل، الأشياء، والأفكار، والأحلام، وحتى الأمل. إذا كان ثمة أمل في المتاهة الرملية في سياق تجربة لا تعرف سوى الألم والعزلة ليس بوسعها أن تكون قادرة على خلق مناخ يساعد على تنمية المخيلة وأدواتها. 
* خرجت من تجربة الاعتقال بكتاب نثري اسمه " أصوات تحت الشمس " وقد جاء بصيغة الرسائل والمعروف أن الرسائل هي فن سهل لا ينطوي على تقنيات شائكة ومعقدة. لماذا اخترت هذا الأسلوب ولماذا لم تكتب فحوى هذه الرسائل بصيغة قصصية أو روائية أو سيروية؟ هل كنت تواجه صعوبة في كتابة هذه الأجناس الأدبية ؟ولماذا كتبتها بالهولندية وليس بالعربية ؟ولماذا خاطبت بها الهولنديين وليس العرب على وجه التحديد؟ 
- هذه الرسائل كانت في البدء مكتوبة بالعربية، وقد وجدت أنها الصيغة الأنسب للتعبير عن الصرخة المكتومة والصائتة التي كنت اختزنها وكانت هي الجسر الذي أطلقت من خلاله صرختي كما في لوحة " الصرخة " لأدوارد مونش. كتبت هذه الرسائل تحت وطأة الشعور القار بالإهمال والنفي الكامل، وأظن أن الرسائل هي السيرة الذاتية للمشاعر المكبلة التي كنت أتوفر عليها، ولا ادري هل كانت هذه الصيغة أمينة في التعبير عن المرجل الرملي الذي عشناه أما عن ظهورها بالهولندية ربما أجد التفسير في عبث الأقدار الأدبي ليس إلا. 
* اقتصرت هذه الرسائل على أسماء محددة من بينها شقيقك الأكبر علي وبعض الأصدقاء المقربين جداً. هل أن آلية الكتابة داخل المعتقل هي فعل وجودي لمقارعة السأم واليأس والقنوط، أم أن هناك أسباباً أخرى؟ 
- كانت الكتابة في سياق المتاهة السعودية هي محاولة لقرع أجراس الإنذار في مفازات الرمال المتحركة التي تهددنا بالابتلاع بالمعنى الحرفي للكلمة. كانت نقطة حقيقية لتفادي الوقوع في هذه المفازات التي تفتح أشداقها طوال الوقت، فضلا عن ذلك تتصدى الكتابة للسعالي والأشباح التي نحملها ويحملها البعض منا ولهذا كانت فعل كياني ووقائي من خطر موت ماثل، وليس مواجهة السأم والقنوط الذي يليق بالحياة العادية للإنسان لقد كان دوري يتلخص عبر الكتابة تنبيه الأصدقاء من خطر الموت الماثل والذي يتجسد بهذا المنفى الرملي. 
* لماذا تأخرت كثيرا في نشر هذه الرسائل، هل كنت تخشى السلطة آنذاك، أم كنت تنتظر نضوج الفكرة على نار هادئة؟ 
- لا، لم أكن الخوف هو السبب الذي يقف وراء التأخير في نشر الرسائل . أن السبب الحقيقي يكمن في أنني نفسي لم أتصور يوماً أن الرسائل ستكون كتاباً قابلاً لمشاركة الأخر في قراءته، ولذا نشرها جاء في إطار شهادة لاجئ عاش ظرفاً استثنائياً خرج من تجربة حرب اقتلعت كل شيء ومن هنا ينبغي أن يقرأ الكتاب على خلفية الاقتلاع المباغت والحرب . والرسالة أيما رسالة حتى الرسائل الإلهية ذات طابع حميم وشخصي تنطوي على بوح هامس وأخوي يقرر المرسل أو المُرسَل إليه قي لحظة ما أن يعمم بوحه، ويجعل منه بوحاً مشاعاً لجعل ألم الناس وقلقهم يمكن التعايش معه ولا مفر. 
* يكتظ الكتاب بمفارقات عديدة، لماذا لم تشتغل على هذه المفارقات فنياً وتصنع منها نصوصا قصصية أو قصيرة جدا في الأقل. وإذا كان هاجسك في الكتابة أدبياً صرفاً، أو لنقل فعلاً وجودياً لتبديد اليأس والتحرر من بعض المخاوف الداخلية لماذا هيمن الهاجس السياسي على الكتاب لدرجة أصبحت فيها الرسائل أقرب إلى التقارير الصحفية والتحليلات السياسية منها إلى فن الكتابة الأدبية؟ هل كنت تنوي شعرنة السياسة أم تسييس الأدب أو الشعر على وجه التحدي 
- ليست لي مقاصد مسبقة أصلاً في كتابة الرسائل سوى مقصد واحد هو إيصال صرختي إلى واد تسمع فيه، وإذا حضرت السياسة بظلها العكر في تضاعيف الرسائل فلأننا كائنات سياسية تتنفس هواءً سياسياً، وأنت تتحدث عن مفارقات يحفل بها الكتاب فلربما قد تجد معالجة لها خارج الرسائل ذات يوم سيكون قريباً.

 

 

Comments 发表评论 Commentaires تعليقات

click here 按这里 cliquez ici اضغط هنا

 

ضع إعلانك هنا