|
الاعتقال نبيل عودة - فلسطين الباب يقرع بشدة. افتحوا ابواب الداهرية ليدخل الأباليس. أو هي غادة حسناء جاءتني لأتغطى بها بدل اللحاف. أين اللحاف؟ عادة سيئة أن أقذف به كل ليلة على الأرض! لا أريد ان أتحرك لأجذبه بالرغم من أن نسمة هواء باردة تجعلني اتكور على نفسي كالقنفد. من يقرع الباب .. وباصرار وقح؟! ما أروع النوم عندما تحتويك فكرة، بأن ما تتغطى به ليس لحافًا، وإنما حسناء. ليقرع الباب وليصحو غيري، انا لن أقوم! قلت لها قبل أن تغادر بي الطائرة موسكو، بأني أشعر بأن قدمي تسوقانني للسجن. قالت ببراءة ودهشة، وهي تضم ذراعي الى صدرها الدافىء، وسط نهديها:
النهدان ينقلان لي، عبر ذراعي.. خفقات قلبها الواجفة المذهولة، لا تفهم ولن تفهم. والقرع اصبح في دماغي، رأسها يغطس وسط صدري، اضغط وجهها بيدي واتنشق عبيرها الأخاذ، قالت بتسليم:
اخذت رأسها بين ذراعي، وذاب الفضاء الفاصل بين شفاهنا، مددت ساقي بقوة، واردت أن اتغطى جيدًا. قرع متواصل شديد. لن أقوم.. افتح؟ الجنة مغلقة!! أحلامي هي الجنة، والقرع هو جهنم، فكيف استجيب؟
تلاقى القطبان، فحدثت ارتجاجات صدرية، النعومة تتحدى القرع، لن أقوم.
وغرقت في مد من قبلاتها، وعندما جاء الجزر.. كان القرع يتواصل بشدة. هل أنا نائم؟ نحن غارقان في مقعد مظلل بالأشجار والليل والنسيم، ونهو موسكو يعكس النجوم بوضوح ، وبجانبي التعاسة المنتظرة.
ومدت يدها، وانفرجت اصابعها في حركة تشنجية ثم ضمت قبضتها وأضافت:
وقلدت حركتها، واضفت
ورطبت دموعها المالحة شفتي.. افتح. قرع شديد ينرفزني، منذ شهرين لم يذوبنا العناق. لم تذوبنا القبل. لم نغب عن الوعي في انشودة الخلق.. منذ شهرين وآلاف الأميال تفصل بيننا، وأعصابي تتوتر من الطرق، ولكني جائع للنوم، للدفء والأحلام، لا شيء حولي، لملمت نفسي شاعرًا ببعض البرد حتى كادت ساقاي تلامسان رأسي. القرع شديد، من يقرع؟! ها هي تطل بشفافيتها ورقتها ، وجهها المشرق يحمل مسحة حزن. أمس بكت عندما خسرت عذريتها، واليوم تعطيها مسحة الحزن التي تظلل جمالها، رونقًا، ذا فاعلية شديدة. وصلت الي وتأبطت ذراعي، ولم تقل أي حرف. سرنا في اتجاه غير معروف. لا أعرف ماذا اقول لها. اشعر بارتباك شديد. ضميري يعذبني. هل أخطأت؟؟ طلبت مني ألا أهتك عذريتها، واللذة لا تعرف حدودًا. استسلمت، وها هي اليوم حزينة، مستسلمة لعشقها وعاشقها. وصلنا الى حديقة غوركي . جلسنا. لففت ذراعي حول كتفيها. استسلمت والقت رأسها فوق كتفي.. لحظات وسالت دموعها بغزارة. ازداد ارتباكي. يجب ان اقول شيئًا، قلت:
قالت من خلال دموعها، وهي تحيط خصري بذراعيها:
القرع شديد، أحاول أن أستوعب مصدره، فأرى وجهها، فاهتف:
بحلقت بي عيناها الدامعتان بدهشة، ويداها تضغطان ذراعي.
دموعها تثيرني، وشفتاها؟ لم أكن أستطيع ان أقاوم.
قلت بقوة وضممتها الى صدري، وأخذت شفتيها بين أسناني، استسلمت لحظة، ثم ابعدتني عنها بقوة.
كانت ابتسامة حزينة تعتلي شفتيها:
أخذت تجفف دموعها. كنت أشعر بحزن شديد. كثيرًا ما حاولت أن تجرني لأقول لها أحبك، ولم أرد ان أعترف بالحب. فأنا لا أستطيع ان أكون لها. ولكن يجب أن تكوني سعيدة يا حسنائي، انتزعت منك الشيء الذي لا ثمن له، فلأعطيك بدلاً منه كلمات، صادقة أم كاذبة؟ وما الفرق؟! الست سعيدة بها..؟ أحبك.. أحبك.. أحبك. أخذت اردد هذه الكلمة.. واخرجتني ابتسامتها التي أشرقت كشمس الفجر من حزني واضطرابي وتوبيخ ضميري.. وواصلت الترديد بنشوة، رغم الضجة التي لا أعرف كيف تتسرب لنشوتي:
وضعت اصابعها فوق شفتي، وقال بمرح حزين:
لماذا هذه الضجة؟ ولماذا في هذا الوقت بالذات؟
القرع على الباب ينرفزني، يجذبني من أجمل أيامي، سراب يشملني. اين أنا، ولما الضجيج؟ وحبيبتي تتوهج قربي، رائعة كما أعهدها. دفنت رأسي في صدرها هربًا من الضجيج. احطتها بذراعي، قبلتها في اعلى عنقها، احتمت من شفتي بصدري، ورغم الضجيج وصلني صوتها الحزين.
هزتني قرعة في قمة الشدة، فعدت الى نفسي، الآن أميز قرعًا حقيقيًا على الباب، ترى من يقرع الأبواب في منتصف الليل؟ هل أقوم؟ امس، عندما قمنا بالمظاهرة تنبأت بالاعتقال. طريقة بوليسية كلاسيكية دمقراطية. هل يكون البوليس؟! لا أحد غيره يستعمل الدمقراطية لاقلاق راحة الناس في الليل. قرع متواصل مرفق بكلمات عصبية، يروق لي ان أتحدى. لن أقوم . حنين جارف لاستعادة الذكريات العاطفية، قرع وقرع ثم قرع. النوم يشدني بقوة مغناطيسية تفوق شدة القرع. يسرني أن أجرب الاعتقال. لا شك أني متوهم. هل يعقل ان اعتقل على عمل لم أفعله بعد؟ هنا دمقراطية، هنا..
(كلمتان بالعبرية : افتح شرطة) قرعت أذني تلك الكلمتان العبريتان. يبدو اني غارق في حلم اسرائيلي. هل يجوز ان تصل السخافة الى حد اعتقالي؟ أشعر بحركة خارج غرفتي. جزء من الحلم أم أحد افراد العائلة سحبه القرع من نومه؟ لأنام بعمق ولأزيد مقلقي راحتي نرفزة. الضوء يملأ غرفتي فجأة. والدي يهزني... شيء من التثلج يسري في أطرافي، أريد أن أنام، ان أستعيد ذكريات الانفتاح العاطفي، ذكريات الدخول للرجولة بمعانيها وأبعادها المختلفة. لا أروع ولا أجمل من ذكريات عهد جديد انفتح في الأفق، وجهها المشرق يلوح لي... أحاول ابقائه في ذهني .. هزة عنيفة تجعلني استعيد الواقع.نرفزة وقهر يعترياني . لن أقوم قبل الهزة العاشرة.. التثلج يذوب ويتحول الى تحد. التحدي يطرد النوم. الشرطة تنتظر، وأنا لن أقوم قبل ان يطول بهم الانتظار، قرعوا طويلا ما شاء لهم القرع، فلينتظروا ما شاء لي، وما راق لي أن أماطل. أحاول ان أعود لفتاتي، ابحث عنها في وعيي وفي لا وعيي. أناديها بصمت واصرار.. انتظر طيفها.. ابتسامتها.. عطرها.. يعتريني القلق... هزة جديدة.. هل هي العاشرة؟.. أو ربما العشرون؟ اذن لافتح عيني بمشيئة الآب والابن والروح القدس والدمقراطية والشرطة.. * (كتبت عام 1970 ، اعتقلت لمدة اسبوعين بسبب مشاركتي في تنظيم مظاهرة – جنازة لوداع جمال عبد الناصر ، ) __________________ تعليقات القراء |