الشاعر المصري سيد جودة للحقائق الثقافية: لا أجيد فن العلاقات العامة

 معظم من يكتبون قصيدة النثر بدءوا من  حيث كان يجب أن ينتهوا إليه!
 أنا مؤمن بأن الاختلاف ضرورة ويجب أن يتم توظيفه بشكل سليم حتى يكون صحياً وحتى تكون النتيجة شعراً عالمياً يليق بمكانة الأدب العربي على الخريطة العالمية

 

ندوة - هونج كونج

حوار: نورالدين بازين - المغرب

 

الشاعر سيد جودة شاعر مصري، ولد سنة 1968 بالقاهرة، حصل على الإجازة في اللغة الصينية بكلية الألسن بالقاهرة، ودبلوم اللغة الصينية بمعهد بكين للغات، فاز بالجائزة الأولى في الشعر في سنة 1990 وهي نفس السنة التي صدر فيها أول دواوينه الشعرية " دخان الحب"، ومنذ ذلك الحين لا تنضب ريق كلماته: حيث صدر ديوان " تساؤلات كاساندرا الحزينة" و ديوان "بين انكسار الحلم والأمل" وروايته الأولى« Once Upon a Time in Cairo »  باللغة الإنجليزية, وله قراءات نقدية ومقالات حول الشعر والأدب العربي والصيني والإنجليزي، إضافة إلى الترجمات الغنية من اللغتين الصينية والإنجليزية إلى اللغة العربية والعكس، فهو ترجم لشعراء صينيين كبار وكذلك لشعراء إنجليز إلى العربية، حيث ساهم بتقديم الشعر العربي إلى قراء اللغة الصينية والإنجليزية، كما أن له مقالات وقصائد عديدة في الجرائد والمجلات الصينية.
هو الآن يستقر في هونج كونج منذ 1992 حيث أسس موقع " الندوة العربية" المهتم بالشعر وقضاياه.
عن أحوال الشعر العربي وعلاقته بالشعر الصيني، وعن الإضافة التي زادها موقع الندوة العربية للشعر العربي وشعراء اللغة العربية، كان لنا هذا اللقاء الحواري مع الشاعر المصري (الصيني) سيد جودة.

الثقافية: أين تقع الآن داخل الهرم الشعري، في خريطة متلاطمة تتفجر بمحاذاتها أطياف شعرية تتماهى خارج سياق الفعل الإبداعي..؟
جودة : حقيقة أنا لا أحاول أن أقارن تجربتي بتجارب الآخرين, ولا أحاول أن أقلد تجربة أحد بل أطور تجربتي الشعرية بهدوء وبقدر حاجتي وقناعتي بالجديد الذي أجربه. لكل شاعر روافده الثقافية الخاصة به التي تشكل شاعريته وأسلوبه وخصائصه, وبالتأكيد هذا يختلف من شاعر لآخر. على الرغم من قناعتي بوجوب التجديد وضخ دماء جديدة في جسد الشعر العربي الواهن إلا أنني أرى أن هذا التجديد إن لم يتم بوعي ودراسة وفهم ستكون كمن تضخ دماً ملوثاً بفيروس قاتل في جسد أنهكته الجروح والعلل. إنني راضٍ عن تجربتي الشعرية والتي أخطو فيها بخطوات بطيئة ولكن ثابتة ومدروسة وواعية. بدأت كتابة الشعر وعمري خمسة عشر عاماً وبدأت بكتابة الشعر العمودي الذي أفادني كثيراً وجعلني أتشرب عصارة الشعر العربي الأصيل وتغذت عليها جذوري فأصبحت أصلب عوداً وأقوى من الانهزام أمام تيارات عديدة أخذت منها ما يفيدني فقط. تلمست هذا بجلاء بعد اطلاعي على الآداب العالمية بعدة لغات أجنبية ولا أخفي تأثري بأكثر من شاعر أجنبي. يبدو هذا واضحاً في ديوانيّ الأخيرين, أخذت منهم ما يفيد شعري دون أن أنقطع عن جذوري المتصلة بالتراث الشعري العربي. هناك فارق كبيرٌ بين أن تتأثر بشعراء كبار ويكون لديك من المخزون الثقافي ما يجعلك تقبل على هذا التأثر بروح الندّ الواثق من نفسه ومن أدواته وبين أن تتأثر بآخرين ولا يكون لديك من المخزون الثقافي والرصيد الشعري ما يمكنك من أن تضع بصمتك على ما تكتب فتذوب وتتلاشى فيمن تأثرت بهم. هذا ما يعجبني في الشعراء الصينيين المحدثين والمعاصرين, فقد تعلموا واستفادوا من الغرب بقدر ما يتوافق مع لغتهم الصينية وتراثهم العريق. أنا لا أريد أن أصنف نفسي وشعري وأين أقع داخل الهرم الشعري فهذا عمل النقاد, وللأسف حتى الآن لم يلتفت النقاد إلى تجربتي الشعرية. لكن هذا لا يقلقني فأنا عندي ثقة كاملة في أصالة موهبتي الشعرية وإن كنت لا أتقن فن العلاقات العامة ولهذا سيتأخر الوقت حتى ينتبه النقاد إلى شعري. أنا لا أعتب عليهم, ولكن إن لم يقوموا هم بأداء دورهم فسأقوم أنا بأداء دوري كشاعر وكاتب حتى وإن لم يلتفت إليّ أحد بالنقد, أنا لا أكتب لهذا بل أكتب لأني شاعر ولا أستطيع غير أن أكتب الشعر. هذا هو دوري في الحياة, أما عن دورهم في الحياة كنقاد فهم المسئولون عنه.

الثقافية: ثمة روافد جديدة في إعلامنا العربي يؤسس لإقطاعية شعرية متفسخة، كيف تجدون ذاتكم بموازاة هذه الظاهرة العبثية..؟
جودة : للأسف الشديد الحق ما تقول. ولأنني لا أجيد فن العلاقات العامة ولا أجيد فنون التملق والتزلف والتسلق فقد آثرت الابتعاد وتأسيس موقع الندوة العربية الذي يمكنني من خلاله أن أتواصل مع الشعراء والقراء دون الحاجة للانخراط في مناخ غير صحي ولست معتاداً عليه

الثقافية: من خلال ترجماتكم الشعرية، هل تمكنتم من القفز خارج حدودكم اللغوية، الغارقة في البوح الذاتي، خلافا لمنهجكم السابق الذي تأسست عليه تجربتكم في الكتابة الشعرية السابقة..؟
جودة : بالتأكيد. لقد ترجمت حتى الآن ما يزيد على المائة والخمسين قصيدة من اللغة الصينية والإنجليزية. وهذه القصائد تنتمي لمختلف المدارس الشعرية وتتباين ما بين المباشرة والرمزية والوضوح والغموض والموسيقى الرنانة والنثرية. ولأن هؤلاء الشعراء ينتمون لمختلف الجنسيات والخلفيات الثقافية فقد استفدت استفادة هائلة من هذه التراجم التي قمت بها. لقد أثرتْ تجربتي الشعرية ودفعتها خطوات إلى الأمام فجعلتها أكثر عمقاً وفكراً ومخاطبة ً للقارئ أياً كانت جنسيته. الآن وأنا أكتب القصيدة تقفز في ذهني ترجمتها وأتخيل كيف سيكون وقعها على القارئ الأجنبي. أشعر أنني لم أعد أكتب للقارئ العربي فقط بل لأي قارئ للشعر في أية بقعة من العالم, وأصبحت أتقبل التعددية والاختلاف بشكل لم أعتده من قبل, وأحاول دائماً عند قراءة أية قصيدة أن أتتبع أصولها وأصنفها حسب المدارس الأدبية في النقد, وأقارنها بالشعر الغربي والشرقي الذي قرأته لأحاول أن أتعرف على الملامح التي تشكل هذه القصيدة ومنابعها الأولى وبمن تاثر هذا الشاعر أو ذاك من الشعراء العالميين حيث تكون أساليب التناول في أحايين كثيرة مستنسخة. أحاول دائماً عند قراءة أية قصيدة أن أتعلم منها شيئاً, أن أبحث فيها عما يعجبني وليس العكس, أبحث عن جمالياتها أما عن عيوبها فأغض عنها الطرف ولا أقف عندها كثيراً طالما لن تفيد شعري شيئاً.

الثقافية كثيراما نقرأ عن الإيقاع الداخلي كأحد الشفرات البارزة ضمن حلقة التأسيس القاعدي للقصيدة الحديثة. ولكننا لا نجد أي ممارسة حقيقية لوجود هذا الإيقاع داخل الخريطة الشعرية العربية..؟
جودة : نعم. لأن معظم من يكتبون قصيدة النثر بدءوا من حيث كان يجب أن ينتهوا إليه! أنا لا أتخيل نفسي كاتباً لقصيدة النثر دون أن أكون قد كتبت عشرات القصائد العمودية وقصائد التفعيلة ولو على سبيل التدريب. لقد كتبت في بداياتي ما يكفي لنشر ديوان كامل من هذين الشكلين ولم أنشره وليس لدي النية لنشر هذه القصائد فأنا أعدها تدريباً على كتابة الشعر ليس إلا. ولكن معظم من يكتبون قصيدة النثر قفزوا إليها دون أن يمروا بأي تدريب مسبق على كتابة القصيدة العمودية أو قصيدة التفعيلة فكانوا كمن يريد أن يتولى وظيفة دون أن يكون قد تخرج لا في جامعة ولا حتى في مدرسة تؤهله لهذا المنصب. لهذا أرى أن سؤالك في محله لأن فاقد الشيء لا يعطيه, كيف يخلق الشاعر إيقاعاً داخلياً في قصيدته وهو غير مؤهل لخلق هذا الإيقاع؟ الموسيقى يجب أن تتكون في أذن الشاعر بحيث يستطيع من الناحية التكنيكية أن يتحدث كلاماً يومياً ولكن موزوناًً, فتلك هي أدوات الشاعر التي تمكنه من الابتكار والتجديد وتعطيه الحق في التجاوز. أما أن يتجاوز الشاعر شيئاً لم يتقنه بعد فهذا هروب من الميدان ولن تكون النتيجة شعراً حداثياً بقدر ما ستكون شعراً مكرراً معاداً مستنسخاً من قصائد أخرى حداثية وغير حداثية وستكون النتيجة عكسية على الشعر وعلى اللغة بشكل عام. على الرغم من قناعتي بأهمية الموسيقى للشعر إلا أنني أعدها سلاحاً ذا حدين ويجب توظيفها بمهارة وحرص بحيث لا تبدو صاخبة مجلجلة بقوافيها الكثيرة التي تبعث على السأم ولا تكون سطحية وخالية من أي موسيقى داخلية تعطي للشعر جمالياته الخاصة به.

الثقافية: أبدى موقع الندوة العربية– الذي أسستموه - بجرأته اللغوية، رغبة مترددة في تحويل النصية الشعرية العربية على وجه الخصوص إلى إفرازات محايدة نثرية، ترتكز أساسا على توحيد اللغة وإشباع المقامات..؟
جودة : أنا مؤمن بأن الاختلاف ضرورة ويجب أن يتم توظيفه بشكل سليم حتى يكون صحياً وحتى تكون النتيجة شعراً عالمياً يليق بمكانة الأدب العربي على الخريطة العالمية. حين أقرأ أية قصيدة لا أحاول أن أقرأها مسلحاً بلاءات ضد هذا أو ذاك, إنما أقرأها بذهن مجرد يبحث عن الجميل والجديد ودهشة الإبداع, أبحث عن الكلمة أو الصورة أو الاستخدام اللغوي الجديد الذي يصدمني كما الصدمة الكهربائية, هذه الصدمات الكهربائية هي التي تجعل قلب الشعر ينبض دون أن تميته بالسكتة القلبية. لهذا يجب أن تتم –على الرغم من جرأتها- بحرص ودقة وإلا جاءت بنتائج مغايرة لما نتطلع إليه. لم أعد أكتب القصيدة العمودية منذ سنوات لشعوري أن شكل القصيدة الحرة وتفعيلتها الموسيقية هي الأنسب لشعري الآن ولم أكتب بعد قصيدة النثر على الرغم من قراءتي لها بشكل دائم سواء باللغة العربية أو باللغات الأجنبية الأخرى التي أتقنها. سأكتب قصيدة النثر إن ما شعرت أن قصيدة التفعيلة لم تعد تلبي احتياجاتي اللغوية ولم تعد قادرة على الإجابة على ضروراتي الشعرية وإشباع شهوة الإبداع داخلي ولم تعد القالب المناسب الذي يستوعب مفهومي للشعر. كما قلت سابقاً أنا أسير في تجربتي الشعرية ببطء ولكن بثبات وثقة فيما أفعل. وأنا سعيد أن موقع الندوة العربية أصبح ساحة لمختلف الأساليب الشعرية, أصبح منبراً حراً للرأي ونقيضه, وإن كانت معظم القصائد المنشورة قصائد نثرية فهذا يعكس الساحة الشعرية الآن ويجب أن يكون الموقع مرآة لهذا المشهد الشعري ويتناوله بالبحث والدراسة من أجل خلق رؤية شعرية مستقبلية يكون قوامها الانسجام لا التنافر بين مختلف الأساليب الشعرية.

الثقافية: كيف تقيمون وضع الثقافة بالوطن العربي، خصوصا بعد هذا السقوط والاندحار الذي تعرفه اللغة العربية..؟
جودة : للأسف وضع الثقافة في الوطن العربي متردٍّ, فهناك أزمة نشر وأزمة قراءة وأزمة توزيع. لقد أصبح الشعراء يكتبون لأنفسهم بعد أن كان لهم جمهور عريض يتابع أعمالهم بشغف, وبعد أن كانوا نجوماً يضاهون نجوم الغناء في شهرتهم أصبحوا مغمورين لا يعرفهم حتى بقية الشعراء أنفسهم, وبعد أن كان النقاد يتناولون أعمالهم بالبحث والدراسة والنقد أصبحوا ينقدون أعمال بعضهم البعض. كل هذه المعطيات تؤدي لنتيجة واحدة ألا وهي أن هناك أزمة ثقافية حادة يعاني منها الوطن العربي بأسره. سأقص عليك خبراً وهذه أول مرة أبوح به: إن من أهدافي وأحلامي الثقافية أن أحول موقع الندوة العربية إلى دار نشر أدبية أنشر من خلالها أدبنا العربي مترجماً إلى الصينية إلى جانب نشر الأدب الصيني نفسه. ولأن الصين دولة شيوعية فلا يمكنني كأجنبي تأسيس دار نشر دون أن تكون شراكة ً مع دار نشر صينية. حين سألني صاحب دار نشر صيني عن الكمية التي أنوي طباعتها لأي كتاب على أن يكمل هو طباعة الكمية الباقية, أجبته بتلقائية: ألف نسخة! لأن هذه هي الكمية المتعارف عليها في الوطن العربي والتي إن نفذت –كتوزيع مجاني لا كمبيعات!!- يكون الديوان قد نجح نجاحاً كبيراً! فابتسم وقال إنه لا يستطيع التعاون معي إن كنت سأطبع ألف نسخة فقط لأنه لا يطبع أقل من خمسين ألف نسخة في الطبعة الأولى لأي كتاب! هذا المثال يوضح مدى انتعاش الحركة الثقافية في الصين والتي تنعكس على صناعة النشر ذاتها. للأسف أصبح الشاعر العربي يطبع ديوانه على نفقته الخاصة لأنه لو تقدم لأية هيئة حكومية لطباعة ديوانه فسوف ينتظر سنوات حتى يحين دوره, إلا إذا كان طبعاً من المحظوظين وعلى صلة بشخصية من سلطاتها تسهيل الأمور له والتعجيل بطبع ديوانه, وتكون النتيجة طبعة سيئة رديئة لا تقارن بالطبعات التي نراها في الغرب أو الشرق الأقصى. كل هذا وضع يدعو للأسف والأسى على الثقافة العربية. لهذا فإن المواقع الأدبية على الانترنت تقوم بدور كبير وهام في معالجة هذه المشكلة الخطيرة وتساعد على بقاء الحركة الإبداعية للشعر العربي مستمرة.

قصيدة للشاعر سيد جودة:
 

ضباب
 

عادت لتوَّها من المدرسة ْ
فأمسكت مكنسة ْ
تزيح أكوام الضبابْ
من غير طائلٍ ولا حيلة ْ
غزا البيوتَ من نوافذ الشتاء المغلقة ْ
عشش في الحوائط المشققة ْ
وانساب في قدر الحساءِ
نام فوق الملعقة ْْ
وجال في ضفائر البنت الجميلة ْ
وتحت ياقة القميص المدرسيِّ
فوق أرفف الدواليب
وطيَّ الثيابْ
وحطَّ كالغربانِ
فوق أسطح البيوتِ
كالببغاء
مصلوباً على الأبوابْ
لافتة ً معلـَّقة ْ
والسندريلا تكنس الضبابَ
يعلو فوقها
ويتدلَّى ..
مشنقة ْ!

أنـَّى لضوء شمعةٍ شحيحْ
في قبضة الريحْ
أن يمسح الظلماءَ
عن وجه الحِزان الساهرينَ
حول ضوئها البريءْ
ينتظرون ما يجيءْ
يلوح من بين ثنايا الليلِ
طيفٌ مستضيءْ
فراشة ٌ حائرة ْ
ظمأى لنور شمعةٍ ساهرة ْ
تلفها عباءة ٌ من ضبابْ
تتوه في خطوط كفِّ السحابْ
وتختفي
تلهث من إعيائها
تسقط من عليائها
على لهيب الشمعة المرتعد ْ
يشتدُّ وقداً لحظة ً وينطفي
للأبدْ!

(المصـدر : مكتب المغرب / خاص للحقائق الثقافية / نور الدين بازين تاريخ النشر: 3/20/2006)

http://cultural.alhaqaeq.net/design-7.asp?action=showarticle&secid=7&articleid=42200

 

Comments 发表评论 Commentaires تعليقات

click here 按这里 cliquez ici اضغط هنا