الحداثة وما بعد الحداثة في الشعر العربي

سيد جودة - مصر

 

في حديثي عن الحداثة وما بعد الحداثة في الأدب العربي لن أتطرق إلى تاريخ هاتين النظريتين الأدبيتين ونشأتهما في الغرب بقدر ما سأحاول التعرض لتطورهما في الأدب العربي الحديث والمعاصر. والذي دفعني للكتابة عن هذا الموضوع الذي لا يزال غضاً بالرغم من أن كثيراً من الأقلام تناولته, هو أنني أسمع كثيراً وأقرأ لهذا الناقد أو ذاك يصف هذا الشاعر أو ذاك بأنه شاعر حداثي. وغالباً ما يكون هذا الشاعر الموصوف بالحداثي كاتباً لقصيدة النثر دون سواها مما يربط في ذهن القارئ مباشرة بأن الشاعر الحداثي وحده هو من يكتب قصيدة النثر, وبالتالي يوحون لغير الدارسين أن قصيدة النثر ما هي إلا تطور لمدرسة الشعر الحر وأن من أراد أن يواكب حركة العصر ومقتضياته فليس أمامه سوى كتابة قصيدة النثر ليكون حداثياً بين الحداثيين لا متخلفاً يكتب بالوزن الذي أصبح سمة شعراء أهل الكهف.

يجب قبل أن أوضح خطأ هذه المفاهيم من أن أتطرق بإيجاز لمعنى الحداثة وما بعد الحداثة في أدبنا العربي دون التعمق في أصولها وتطورها في المجتمع الغربي, فما يعنينا هنا هو مجتمعنا العربي. بدأت الحداثة تأخذ طريقها في الأدب العربي مع مطلع القرن العشرين بعد عودة البعثات الدراسية من أوربا وخاصة فرنسا مهد الحداثة. دعت الحداثة إلى الثورة على المعتقدات والشك في كل ما هو موروث وهنا يأتي على سبيل المثال لا الحصر طه حسين نموذجاً يماثل ديكارت في الغرب, كما دعت الحداثة إلى تقديس العقل والعلم كإله هذا العصر الحديث ومصدر معلوماته هو الحواس فقط , وهنا يبرز على سبيل المثال أيضاً زكي نجيب محمود الذي تأثر بالمنطق الوضعي والفلسفة البراجماتية وكتابات برتراند راسل على الأخص.

لهذا أقول إن الحداثة ليست بجديدة على الأدب العربي بل بدأت مع مطلع القرن الماضي ولن أحدد تاريخاً لنهايتها لأنها ما زالت مستمرة, بل فقط يمكن تأريخ النظرية التالية عليها ألا وهي "ما بعد الحداثة" التي ظهرت في الأدب العربي في الستينيات على استحياء ولم تلقَ قبولاً ولا انتشاراً, ولم تصبح ظاهرة لا يمكن تجاهلها إلا في العقدين الأخيرين. فالشيئ الذي يسترعي انتباهي وأعده خلطاً في المفاهيم هو قصر صفة "الحداثة" على كل من يكتب قصيدة النثر. ورؤيتي هنا هو أن شعراء مدرسة الديوان ومدرسة أبوللو وشعراء المهجر كانوا جميعاً شعراء حداثيين لأنهم أحدثوا ثورة في الشعر العربي وجددوا دماءه ولغته وموضوعاته وموسيقاه. كما أن شعراء مدرسة الشعر الحر شعراء حداثيون لنفس الأسباب السابقة ولأن كل هؤلاء الشعراء أخذوا عن الغرب فهمهم للحداثة وطبقوها بما يتناسب مع لغتنا وشعرنا وثقافتنا.

أما عن شعراء قصيدة النثر فأنا لا أعدهم حداثيين بقدر ما أعدهم ما بعد حداثيين لأن كتاباتهم تتفق مع نظرية ما بعد الحداثة أكثر من اتفاقها مع نظرية الحداثة في الأدب. ولأضرب بعض الأمثلة لبيان ما أقول. دعت الحداثة الشعرية إلى النظام في العمل الأدبي فظهر في شعرنا العربي ما يعرف بوحدة القصيدة ووحدة موضوعها, فبعد أن كانت القصيدة العربية تشمل أغراض الغزل والهجاء والمدح والرثاء والفخر وقد تجتمع كل هذه الأغراض في قصيدة واحدة, أصبح للقصيدة موضوع واحد ووحدة عضوية واحدة لا يجوز تجزئتها أو إحلال بيت محل بيت. دعت الحداثة إلى الثورة على الموروث وهذا ما حدث في الشعر العربي فتعددت قوافي القصيدة بل ولجأ بعض الشعراء أحياناً إلى أكثر من بحر في القصيدة الواحدة أو أكثر من تفعيلة.

أما ما بعد الحداثة فقد دعت إلى الفوضى في العمل الأدبي ودعت إلى موت المؤلف في نظريات النقد فلم يعد هناك نظام أو وحدة عضوية في القصيدة بل لم يعد لها معنى على الإطلاق في بعض الأحيان وهذا يظهر أوضح في قصائد النثر منه في القصائد العمودية أو الحرة. اتسمت قصيدة النثر بالغموض فلم يعد المعنى يهم فهو في بطن الشاعر وللقارئ أن يفسره كما يريد. دعت ما بعد الحداثة إلى الشك في المعرفة الموروثة والمعرفة المكتسبة على حدٍّ سواء. وعلى الرغم من أن الحداثة نفسها قد دعت إلى هذا ولكن الحداثة جعلت من العقل إلهاً يستطيع أن يصل الإنسان به إلى الحقيقة المطلقة بدءاً من الشك في كل أنواع المعرفة, إلا أن ما بعد الحداثة سلبت العقل هذه الإلوهية وأعلنت موت المطلق نفسه فليس هناك حقيقة مطلقة يمكن الوصول إليها لا عن طريق العقل أو الحواس أو الحدس. وسبب إعلان ما بعد الحداثة لموت الحقيقة المطلقة هو إيمانها بأن الإنسان هو نتاج بيئته وثقافته ولغته وطالما أن العالم يعج بمختلف الثقافات واللغات والأديان فكذلك الحقيقة, متعددة تعدد الثقافات ذاتها. هذا ما نجده في قصيدة النثر, فمع غياب الحق والمطلق والصحيح انهارت الأسس والقواعد وصار كل شيء مباحاً فلم يعد هناك قيمة حتى لقواعد اللغة التي يكتب بها الشاعر ناهيك عن مدلولاتها ورموزها فتجد من يستخدم الصفة استخدام الاسم والعكس, ونجد من يستخدم العامية أو الإنجليزية في القصيدة العربية. هذا كله من سمات ما بعد الحداثة والكتابة بنهجها.

ليس معنى هذا أن ما بعد الحداثة أكثر تقدمية من الحداثة لأنها تليها زمنياً فهذه الأفضلية تكون فقط في مجال العلوم لا في مجال الآداب والفنون. أخلص من حديثي هذا إلى أن قصيدة النثر والتي أصنفها نظرياً نموذجاً لأدب ما بعد الحداثة, لا تعد نموذجاً أكثر تطوراً وحداثة ً من أشكال القصيدة الأخرى, فهي شكل من أشكال الكتابة الإبداعية لا تكون أفضل من غيرها بمجرد نفضها عن كاهلها كل أنواع القواعد, بل يجب النظر إلى محتواها من معنىً ودلالات لا لقشورها التي تبدو حديثة فتوصف بالحداثة وهي عتيقة في أفكارها وصورها و مهلهلة في حداثتها التي تدعيها. يظن شعراء قصيدة النثر أنهم حداثيون لمجرد أنهم يكتبون بشكل مخالف لما سبقهم, ولكن هاهم الآن وقد أصبحوا أكثر من كل شعراء التفعيلة والشعر العمودي مجتمعين وأصبحوا نسخة متكررة من بعضهم البعض, يحق لنا أن نسأل وقد صار ما يكتبونه قديماً ومكرراً ومستهلكاً ومعاداً: أين الحداثة في شعركم؟

لا يكتفي بعض كتاب قصيدة النثر بالتعبير عن عصرنا الحديث بموضوعاته المختلفة بطرائق مختلفة وهو أمر يستطيعونه في ظل موسيقى الشعر والتجديد فيها لا هدمها, بل يريدون تفجير كل ما هو قديم ناسين أنهم بهذا إنما يفجرون أنفسهم لا سواهم فماذا يتبقى للمرء إن فجَّر لغته وهي ذاته. أفهم أن أطورها وأجدد دماءها بعد أن أكون قد علمت وخبرت دروبها وطرقها. أما أن يفجرها من لا يعلمها جيداً فهذا دليل عجز لا إبداع. وفي عصر تهدف فيه العولمة إلى محو وطمس معالمنا الثقافية وتغيير مناهجنا التعليمية وتشكيل الذائقة العامة بكثرة ترديد الشيء وتسويقه جيداً لتسود ثقافتهم ولنردد ما يريدوننا ترديده, في عصر كهذا يكون الحفاظ فيه على أصولنا أحوج ما نكون إليه, ويجب أن يكون التجديد فيه بحرص وحذر ووعي وعلم لا مجرد تفجيره والتخلص منه! العجيب أن بعض رواد قصيدة النثر يؤكدون أنه لا وسيلة لنا لنكون حداثيين إلا بأن نعتنق أفكار الغرب كلية ً وبهدم الإيمان في داخلنا فلا مطلق ولا رب, ولهذا نجد أن نسبة الإلحاد متزايدة بين كتاب قصيدة النثر الذين تغربوا في كل شيئ وهذا منتهى الشعور بالدونية والنقص في مواجهة الغرب, والأحرى أن نكون أكثر اعتزازاً وفخراً بتاريخنا وهويتنا وخصائصنا وأن نبني عليها ونطورها ونجددها كما قال طه حسين: "اللغة العربية يسرٌ لا عسر, ونحن نملكها كما كان القدماء يملكونها." فنحن نملك حق تطويرها وتجديدها وكذلك تجديد الشعر العربي, ولكن من منا يملك حق هدم وتفجير اللغة العربية أو الشعر العربي؟ من منا يستطيع؟! وللحديث بقية.

 

Comments 发表评论 Commentaires تعليقات

click here 按这里 cliquez ici اضغط هنا