قصيدة النثر .. ما لها و ما عليها..

سيد جودة - مصر

 

أذكر مقولة لدنج شياو بينج الرئيس الصيني الراحل يقول فيها دفاعاً عن سياسته الانفتاحية بأنك إن فتحت النافذة لتجديد هواء الغرفة فأنت معرض لدخول الذباب والبعوض, ولكن هذا لا يجب أن يمنعك من فتح النافذة! فقط ضع شبكة من السلك على النافذة! إن طبقنا هذه المقولة على الأدب فيجب أن نرحب بكل محاولات التجديد لأن التكرار يجلب الملل والخمود والموت في النهاية. هذا يذكرني بشاعر الصين الكبير "شوجي مو" الذي كتب قصيدة نثرية بعنوان "الليل" في عام 1922 وكانت قصيدة النثر حينئذ غير منتشرة وكانت هذه إحدى محاولاته لتجديد الشعر الصيني, وعند نشرها في يوليو من نفس العام كتب محرر الجريدة منبهاً القراء إلى أن الشاعر يجرب لوناً جديداً في الكتابة حتى لا يقلده من القراء من لم تكتمل أدواته بعد. فالتجديد إن مارسته بدون وعي وبدون دراسة جيدة لما تفعل كنت كمن يفتح نافذته لا لشيء إلا لدخول الذباب والروائح الكريهة!

قناعتي بأنه لا يوجد شيء مطلق في النظريات الأدبية تجعلني أنظر لقصيدة النثر نظرة موضوعية عن قرب محاولاً التعرف على ما أضافته للشعر العربي والاعتراف بما لها من إيجابيات قبل أن أبحث عن سلبياتها. فمما لا شك فيه أن قصيدة النثر سواء كنت معها أو ضدها لا يمكن أن تكون خيراً كله أو شراً كله. فقط النظر إليها دون تحامل مسبق سيمكننا من رؤية ما لها وما عليها.

ولنبدأ بالحديث عن إيجابيات قصيدة النثر. إن من أهم إيجابياتها هو أنها خلصت الشعر العربي من سلطان الموسيقى الذي -على جماله- يفرض على الشاعر في أحايين كثيرة استخدام كلمات لم يكن يريدها, مثل ذلك الحاكم الذي دعا قاضياً في مدينة "قم" بإيران بغرض تكريمه وتشريفه. أراد الحاكم زيادة في تكريمه أن يقرض فيه شعراً فارتجل شعراً قال فيه:

أيها القاضي بـ "قمْ"          قد عزلناكَ فقمْ!

وكانت النتيجة أن اضطر الملك لعزله فعلاً بدلاً من تكريمه! وهكذا حكم سلطان الموسيقى على الحاكم ودفع القاضي الثمن. أقول بأن قصيدة النثر قد خلصت الشعر العربي من سلطان الموسيقى الذي يكون جائراً أحياناً وجعلت القصيدة العربية تقرأ بعد أن ظلت لقرون قصيدة تسمع ويضيع جمالها عند ترجمتها للغة أجنبية وذلك لاعتمادها بشكل أساسي على الجرس الموسيقي أكثر من المعنى والصورة. هذا قارب ما بين القصيدة العربية المعاصرة والقصيدة الأجنبية بعد أن كان كثير من غير العرب يقرؤون شعرنا العربي مترجماً فلا يتأثرون به ويكون تعليلنا الوحيد هو أن الشعر لا يترجم, ولكن الشعر الجيد يجب أن يظل محتفظاً بجماله بعد الترجمة كما قال ت.س.إليوت. وأنا هنا حين أتحدث عن سلطان الموسيقى لا أقصد الوزن الشعري بل أقصد خضوع الشاعر للموسيقى وانجرافه وراء سحرها على حساب عمق المعاني والصور.

من إيجابيات قصيدة النثر أنها أعطت الحرية للشاعر في استخدام ما شاء من كلمات وأسماء قد يصعب عليه استخدامها في ظل تفعيلة واحدة للقصيدة. هذا أعطى لقصيدة النثر حرية لم تعهدها القصيدة العربية من قبل ومكن الشاعر من الدخول في مناطق كانت محظورة أو شبه محظورة من قبل.

من إيجابيات قصيدة النثر أيضاً أنها جاءت بشيء جديد فأحدثت حركة في الشعر العربي وهذه الحركة أفضل بكثير من السكون والخمود الذي بدأ الشعر العربي يعانيه في السنوات الماضية. فالحركة حتى لو في الاتجاه الخطأ أفضل من السكون لأنها دليل حياة لا موت. وإن كانت الخطوات الأولى في الاتجاه الخطأ فالأمل في تصحيح الخطأ وتسديد الخطى نحو الاتجاه الصواب. كل هذا في رأيي يعدّ من إيجابيات قصيدة النثر.

أما عن سلبيات قصيدة النثر فإن من سلبياتها أنها بإهمالها التام للوزن الشعري قد فتحت الباب على مصراعيه لكل من لم تكتمل أدواته الفنية بالدخول من بابها وإعلان نفسه شاعراً على الملأ. لهذا نجد في السنوات العشر الماضية ازداد عدد الشعراء عن أي عقدٍ سابقٍ, وذلك لسهولة كتابة أي نص والإدعاء أنه شعر. وقصيدة النثر بإلغائها للقواعد قد ألغت بالتالي أية مرجعية نقدية بحيث لم يعد من حق أي ناقد أن يجزم بأن هذا النص شعر وأن هذا ليس بشعر. قبل انتشار قصيدة النثر كان هناك شعر جيد وشعر رديء ولكن كان هناك شروط يجب أن تتوافر في القصيدة أولاً لكي تدخل من عالم النثر الرحب إلى دائرة الشعر التي تقتصر فقط على النصوص التي استوفت شروط الشعر وأولها وأهمها هو الوزن. وهذا الإهمال للوزن تبعه إهمال لقواعد النحو والصرف التي هي أساس اللغة العربية والتي بدونها تفقد اللغة العربية خاصيتها التي تجعل منها لغة متكاملة حية. فنجد كثيراً من شعراء قصيدة النثر يكتبون كلاماً مليئاً بالأخطاء النحوية والكتابية, وإن واجهتهم برفق وأدب بهذه الأخطاء أخذتهم العزة بالإثم وكأنك قد أخطأت خطأ جماً بتصحيح أخطائهم وتجدهم يصرون على أخطائهم رافضين حتى إصلاحها وكأن كل ما يكتبونه شيء مقدس لا يصح مسه ناهيك عن تصحيحه!

هذه السلبية الخطيرة كان من تداعياتها أن أصبح معظم ما يكتب من قصائد نثر أبعد ما يكون عن الشعر بصرف النظر عن كونه غير موزون. فحتى بعد أن نقبل بعدم ضرورة الوزن للشعر طبقاً لما تدعو له قصيدة النثر ونقرأها بحثاً عن معنىً جميل ٍ, عن صورةٍ فذة, عن تشبيه بديع, عن كلمة مؤثرة, لا نجد شيئاً سوى كلمات ركيكة تنقصها صنعة الخبير بأدواته, العالم ببواطن لغته التي يكتب بها, فتبدو القصيدة وكأنها مترجمة عن لغة أجنبية أو كأنها لغة أجنبية لكاتب القصيدة!

يظن البعض أن علم العروض هو من أسهل العلوم وأن تعلمه من أيسر الأشياء. أتفق معهم في ذلك ولكن أختلف معهم في أن هناك فرقاً كبيراً بين تعلم القواعد وبين تطبيقها. فلقد درسنا جميعاً القواعد النحوية ولكن ها نحن نجد كثيراً من الشعراء والكتاب يكتبون فيخطئون في النحو أخطاءً بسيطة ً ساذجة هم ولا شك درسوها منذ سنوات, فمعرفة القواعد لا يعني القدرة على الإبداع في ظلها, ودراسة النظريات الأدبية مثلاً لا يعني قدرتك على تطبيقها عند قراءتك لنص أدبي ولا يجعل منك ناقداً أدبياً, والشاعر الفذ فقط هو الذي يستطيع تطويع التفعيلة لمعانيه دون أن ينجرف وراء سحر الموسيقى ويخضع لسلطانها.

عند الموازنة بين إيجابيات وسلبيات قصيدة النثر أجد أن المشكلة ليست في قصيدة النثر ذاتها بل في معظم شعرائها أنفسهم! فالرسام له الحق في أن يرسم طبقاً لأية مدرسة فنية ولكن يجب عليه أولاً أن يتقن استخدام أدواته فيعرف كيف يشدّ قطعة القماش على إطار وكيف يستخدم الفرشاة والسكين وكيف يخلط ألوانه وماذا سيكون نتيجة خلط هذا اللون بذاك. يحق له بعد ذلك أن يرسم ما يشاء ويعبر عن نفسه في أية صورة تروق له. هل نجد هذا مع شعراء قصيدة النثر؟ نعم مع قليلٍ منهم ولا مع الغالبية العظمى. التجريب والتجديد حق مشروع للجميع ولكن لابد أولاً من إعطاء التجربة حقها. أدونيس ونزار قباني وسعاد الصباح وغيرهم كتبوا قصائد نثرية ولكن بعد أن كتبوا دواوين من الشعر الموزون وأتقنوا الوزن والقدرة على الإبداع في ظله. هذا الإتقان للوزن والقواعد بمثابة شبكة السلك التي تضعها على نافذتك منعاً لدخول الذباب والبعوض وجلباً للهواء النقي فقط! وللحديث بقية!

 

(نشرت في جريدة الشعب الجزائرية والعديد من المواقع الإلكترونية)

 

Comments 发表评论 Commentaires تعليقات

click here 按这里 cliquez ici اضغط هنا