نـحـتـيـنـي
.
أحـاولُ أن لا يـنـقـطـعَ الـكـلام بـيـنـنـا ،
لـذلـكَ ،
أشـده ُبـحـبـل الـكـلام الـذي يـلـيـه .
هـكـذا أشـكـلُ حـبـري ، ولـداً
يـصـيـرُ عـكـازتـي بـعـد غـيـابٍ طـويـلْ .
أقـولُ لـلـرسـام :
بـهـدوءٍ ، إنـزلِ الـطـيـرَ مـن الـلـوحـةِ ، ألا
تـرى
جـنـاحـه ُ يـقـطـرُ دمـاً ؟ .
مـرةً ، أجـلـسـتُ الـبـرقَ عـلـى ركـبـتـي وخـلـعـتُ
خـفـيـهِ ،
قـلـتُ لـه ُ :
هـذا كـتـابـي أهـبـه ُ إلـيـكَ ، فـأمـلأه
بـالشيفـرات الـغـامـضـةِ ،
سـمـي الـصـحـراءَ ، وألـقـنـي ومـضـة فـوق سـريـرهـا
.
حـجـرٌ بـلـسـانٍ مـقـطـوعٍ ، فـي فـمـهِ كـلام ٌ
كـثـيـر .
يـريـدُ أن يـنـطـقَ ، غـيـر أن الـحـبـرَ يـتـفـتـتُ
بـيـن شـفـتـيـه .
لـيـسَ كـلـمـا يـقـال يـمـكـنُ تـصـديـقـهُ ،
هـنـاكَ أشـيـاءٌ تـشـبـه ُ وجـودَ خـل ٍّ وفـي ّْ .
يُـطـفـأُ الـشـمـسَ وأوقـدهـا ،
مـن أدخـلَ الـشـمـسَ فـي قـفـص الـمـصـبـاحْ ؟
، أيـهـا الـقـمـر انـتـبـه ، رمـاة الـحـجـارة
كـثـيـرون ، أخـافُ عَـلـيـكَ
أن تـنـكـسـرْ .
، الـيـدُ حـقـيـقـة أخـرى ، لـزهـرة تـخـفـي
مـفـاتـنـهـا فـي أفـواه
الـفـراشـات .
،
حـشـرجـة فـي حـنـجـرة الـكـمـان ، اسحب القوس قلـيـلاً ،
لـتـخـرج الـغـصـة مـن فـمـه .
تـعـبـتْ يـدي مـن الـطـرق .
أيـتـهـا الـريـح ، افـتـحـي الـبـابَ ،
أريـدُ أن أتـبـادلَ مـعـكِ الـحـديـثْ .
أمـي تـرْجـُمـان كـلام الـمـاء ،
وأبـي رأيـتُ الـلـغـة تـتـقـطـر مـن أصـابـعـه ،
كـان غـنـيـاً ، بـمـا يـكـفـي لـدرء الـشـبـهـات عـن
الـشـعـراء .
قـالَ :
امـحـو الأسـودَ ،
إلا الـحـبـر الأزرقَ إيـاكَ أن تـمـحـوهُ ، خـذهُ ،
نـضـجـهُ ، وربـيـهِ ، ابـنٌ بـارٌ يـصـلـي عـلـى
قـبـرك
بـعـد فـوات الأوانْ .
مـطـرُ الـقـصـيـدة
لا يـنـقـطـع ،
هـكـذا ردد الـشـاعـر وهـو يـزيـل عـن أصـابـعـه
بـقـايـا الـغـيـوم ْ .
حـتـى بـعـد الـمـوت ،
تـتـنـضـدُ الـقـصـائـدَ فـي جـمـجـمـة الـشـاعـرِ
ولا يـجـد مـن يـوصـلـهـا .
الـمـتـنـبـي .
تـمـثـيـلاً ولـيـس حـصـراً.
حـيـن تـضـعُ أذنـكَ عـلـى قـبـرهِ ، تـسـمـعُ حـفـيـف شـجـر ، وصـوت
يـرتـجـلُ الـمـطـرْ .
لـهـذا ،
رأيـتُ فـي حـلـمـي جـرة مـلـيـئـة بـالـنـجـوم ،
تـحـمـلـهـا فـتـاة فـي الـعـشـريـنَ ،
يـحـرسـهـا وعـلٌ بـريٌّ ،
كـلـمـا تـخـطـو تـتـسـاقـط الـنـجـوم مـن الـجـرة
عـلـى قـمـيـصـهـا .
قـلـتُ :
دعـيـنـي أحـمـلُ عـنـكِ الـجـرة .
قـالـتْ :
ألا تـخـافَ عـلـى قـمـيـصـك مـن الاحـتـراق ؟ .
قـلـتُ :
لـيـحـتـرقَ . أبـي قـبـلـي أخـذ الـشـمـسَ مـن
يـدهـا ، وعـادَ الـى الـبـيـتِ ويـديـهِ مـلـيـئـتـيـن بـالـحـروق .
شـجـرةٌ هـذه أم ْ رأسٌ ؟
الـجـذورُ تـتـشـبـثُ بـأسـنـانـهِ ، وفـي الـقـحـفـة
يـنـبـتُ غـصـنـاً
بـوردةٍ حـمـراء .
ذلـك َ ،
مـا رآه ( عـبـد الـخـالـق الـركـابـي ) * ذات مـرةٍ
، فـأنـتـابـهُ
الـعـجـبَ مـمـا رأى .
ورأيـتُ الـبـيـتَ يـمـتـلأُ بـالـدخـان ،
خـلـعـتُ قـمـيـصـي لأطـفـأ بـهِ سـكـارة الـحـرب ،
إحـتـرقَ الـبـيـتُ ، ومـازالـت الـنـار تـبـلـل
قـمـيـصـي وأعـصـره .
قـلـتُ :
الـشـاعـر لا يـمـوت ، لـمـاذا لا تـريـديـنَ أن
تـصـدقـي أيـتـهـا الـطـبـيـعـة
أتـكـئ عـلـى مـا رآه ُ إبـن عـربـي :
( الـروحُ فـي الـنـور جـوهـرٌ لا يـتـجـزأ ) .
( الـواحـدُ مـفـتـتـحُ الـعـددِ ) .
أيـهـا الـفـراغُ ، ألا تـسـمـع وقـع خـطـاي
تـتـبـعـكَ ؟ .
إنـتـظـرْ ، أريـدُ أن أقـدمَ لـكَ الأريـكـة هـديـة
،
كـذكـرى ، لـتـعـارفـنـا أولَ مـرةٍ فـي مـقـهـى
حـسـن عـجـمـي * .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أحـد الـروائـييـن الـعـراقـيـيـن الـمـهـمـيـن .
* مـقـهـى فـي بـغـداد يـلـتـقـي فـيـهـا
الـكـتـاب والـشـعـراء الـعـراقـيـيـن . ( سـابـقـا ً ) .
2
الـقـبـةُ واطـئـةٌ ،
الـشـيـخُ يـضـعُ دكـة الـصـوت تـحـت قـدمـيـهِ ،
ويـصـعـدُ ،
لـيـضـعـهـا عـمـامـة فـوق رأسـه .
فـي الـمـرآة . قـالـتْ الـزوجـةُ:
نـسـيـتُ الـمـشـط َ ، وأغـلـقـتُ الـبـابَ عـلـيـه .
قـال ولـدهُ :
غـداً أشـتـري صـمـغـاً . لأ لـصـق الـلـون الأزرقَ
بـالـقـبـة .
خـبـئـوا الـعـشـبـةَ ، الأفـعـى أبـديـة .
كـأن طـائـراً يـحـمـلُ الـبـرقَ بـمـنـقـارهِ ،
كـأن الـبـرقَ لـغـةٌ تـمـلأُ جـرة الـسـمـاء ،
هـذا مـصـبـاحٌ ،
يـخـلـعُ الـغـيـبَ حـلـتـهُ عـلـيـه .
مـطـرٌ ، يـضـعُ يـده عـلـى رأسـي ، اعـتـرافـاً
باطـمـئـنـان الـسـمـاء لـغلتهـا هـذا الـعـام
من الحبـر الأزرقْ .
، عـبـثـاً ،
يـحـاولُ الـحـلـمَ أن يـقـرأ ظـنـون الـشـعـر
بـتـكـرار الأسـئـلـة .
، يـدٌ ، نـذرت نـفـسـهـا لـتـنـظـيـف واجـهـات
الـهـواء مـن الـدخـان .
، سـكـيـرٌ ، يـحـارُ آخـرَ الـلـيـلِ ،
( أخـمـرٌ هـذا فـي قـدحٍ ، أم قـدحٍ ولا
خـمـرُ ) ؟
كـم يـبـدو الـوقـت ضـيـقـاً عـلـى جـسـد الإنـسـان ؟
شـهـقـة جـرس يـعـلـوه غـبـار .
يـتـطـايـر الـفـراغ مـن حـولـه كـمـثـل فـراشـات
قـابـلـة لـلـكـسـر .
فـي الـمـوقـد ،
ألـقـي الأشـجـار جـمـيـعـهـا ،
لـن تـضـيءَ جـبـلا ً يـكـلـلـهُ الـظـلامَ ، الـحـبُ
وحـدهُ ، الـكـاشـف الأعـظـم لـطـريـق الـحـريـة .
شـتـاء ، فـي أسـفـل الـوادي سَـفـحـتَ دمـي ،
فـي أعـلـى الـجـبـل سـَفـحـتُ دَمـكَ ،
عـنـدمـا ذاب الـثـلـج أول الـصـيـف ، جـرف دمـيـنـا
. اخـتـلـطـا .
ظـل يـدفـع بـهـمـا ، حـتـى
مـصـب الـفـراتْ.
أنـتَ . تـتـذوق الآن طـعـم دمـي فـي الـمـاء الـذي
تـشـربـهُ ،
أنـا . أتـذوق الآن طـعـم دمـك فـي الـمـاء الـذي
أشـربـهُ ،
فـي الـخـبـزِ ،
كـذلـك نـتـذوق الـطـعـم ذاتـه ،
ألـيـسَ الـمـاء مـن نـضـجَ الـسـنـابـل ؟ .
عـلـى كـتـفـك تـسـقـط يـدي ،
عـلـى كـتـفـيَّ تـسـقـط يـدك ،
اذهـب وافـتـح الـبـاب ،
أنـا ذاهـبٌ لأفـتـحـهـا ،
يـا إلـهـي ، هـل نـحـن فـتـحـنـا الـبـاب ذاتـهـا ؟
أقـول لـشـجـرة الـجـوز :
تـفـضـلـي الأريـكـة جـاهـزة ،
تـقـول لـلـنـخـلـة :
تـعـالـي نـجـلـس فـي الـظـل ونـدخـن الـكـلامْ.
عـلـى رؤوس أصـابـعـي ،
بـحـذرٍ ،
أدخـلُ رواق الـفـكـرة ،
أفتحُ الصندوق وأطلق طيـور الهواء مـن أسـرهـا .
سـقـطـتْ وردة مـن جـسـدهـا ،
ــ أيـن سـقـطـتْ ؟ .
ــ لا أدري !!
أيـهـا الـبـيـاض ، نـاولـنـي يـدي ، أريـدُ أن
أبـحـثَ تـحـت قـمـيـصـهـا
سـقـط َ الـصـوت مـن فـمـي ،
ــ أيـن سـقـط ؟ .
ــ لاأدري !!
أيـهـا الـكـلام ، نـاولـنـي الـمـحـبـرة ، أريـدُ أن
أسـوي الأزرقَ دراجـة أطـوفُ بـهـا الـبـلادْ.
فـقـدت الـغـيـمـة خـرافـهـا ،
ــ أيـن فـقـدتـهـا ؟ .
ــ لا أدري !!
أيـتـهـا الـسـمـاء ، نـاولـيـنـي الـعـصـا ، أريـدُ
أن أهـشَ الـضـبـاب
لأمـسـكَ الـمـطـرْ .
الأرضُ أضـاعـتْ نـخـلـتـهـا ،
ــ أيـن أضـاعـتـهـا ؟ .
ــ لا أدري !!
أيـهـا الـبـسـتـان ، نـاولـنـي سـعـفـة ، أريـدُ أن
أكـنـسَ الـسـمـاء مـن الـظـلام لأسـتـدلَ عـلـيـهـا .
الـبـلـبـلُ يـغـنـي ،
ــ مـن يـسـمـعـهُ ؟ .
ــ لا أحـدَ ؟ .
أيـهـا الـصـفـيـر ، نـاولـنـي الـشـجـرة ، أريـدُ أن
أسـوي الـقـفـص فـضـاءً.
جـسـدٌ يـتـحـولُ إلـى كـلام ، بـأي لـغـةٍ يـخـاطـبُ
الـنـاس ، ولـيـس
هـنـاكَ مـشـتـركـاتٌ بـيـنـهـمـا ؟ .
ــ وهـذا الـدخـانُ ؟
ــ تـكـادُ تـنـفـدُ عـلـبـة سـكـائـرهِ ، ومـا مـن
أحـدٍ يـجـيء .
واطـىءٌ سـقـف الـفـراشـاتِ ، الـوردة تـكـادُ
تـخـتـنـقُ ،
قـل لـلـحـديـقـةِ:
إرفـعـي الـسـقـفَ قـلـيـلاً .
حـلـمٌ ، يـسـحـبُ بـأذيـال ثـوبـهِ مـوجـة سـقـطـت
مـن فـم نـورس
عـلـى ضـفـة الـنـهـر ،
الـمـوجـة تـحـمـلُ كـرسـيـاً ،
الـكـرسـيُ يـرى الـشـجـرة مـن بـعـيـدٍ ،
يـركـضُ نـحـوهـا ،
إمـاهُ ، الـشـجـرة تـفـتـحُ ذراعـيـهـا ، وتـعـيـدُ
الـكـرسـي غـصـنـاً أخـضـر فـي حـقـلـهـا الـشـاسـعْ .
دمٌ عـلـى قـمـيـص الـفـراغ يـسـيـل ،
يـالـهـا مـن طـعـنـة نـجـلاءْ!! .
أيـتـهـا الـمـقـهـى تـمـسـكـي بـكـرسـيِّ الـجـالـسَ
عـلـيـهِ ،
قـبـل أن تـنـقـلـب الـعـربـة الـمـلـيـئـة
بـالـيـقـيـنْ .
فـرسٌ مـن خـشـبٍ يـثـيـرُ الـغـبـارَ ،
أقـولُ لـهُ :
لا تـدسَ الـسـنـبـلـة بـيـدي ،
أخـافُ عـلـيـهـا أن تـسـرقَ . بـيـن خـطـوط يـدي
سـنـيـنٌ عـجـافْ .
لا تـدسَ الـحـمـامـة تـحـت قـمـيـصـي ،
أخـافُ عـلـيـهـا أن تـؤكـلَ . تـحـت قـمـيـصـي
ثـعـلـبٌ مـاكـرْ .
لا تـدسَ الـحُـلـمَ تـحـت وسـادتـي ،
أخـافُ عـلـيـه أن يـتـشـظـى . تـحـت وسـادتـي وشـاةٌ
كـثـيـرونْ .
قـلـتُ لـلـفـراشـة :
خـذي بـيـدي ، الـقـصـيـدة مـديـنـة مـعـلـقـة فـي
الـغـيـم ، وأنـا أجـهـل دروب الـفـضـاء .
أيـتهـا الأنـثـى ،
لـمـاذا أنـتِ قـلـقـة ؟
دعِ
جـسـدك يـجـمـعُ الـنـسـاء الـمـتـسـاقـطـات مـن
قـمـيـصـي .
الـيـدُ تـتـأوهُ ،
وفـوق سـرتـك يـكـتـب فـمـي سـيـرة الـمـاء ،
يـتـسـاقـط الـفـراغ مـن أصـابـعـي ،
أقـول لـكِ :
اجـمـعـيـهِ ،
الـشـتـاءُ قـادمٌ ، ولـيـس لـديـنـا حَـطـبٌ يـدفـيء
الأريـكـة .
دعِ
هـمـزة الـوصـل الـمـتـدلـيـة مـن فـتـحـة الـقـمـيـص
،
تـوصـلـنـي إلـى آخـر الـمـشـتـهـى ،
دعِ
نـخـلـة الـشَـعـرِ تـلـم طـيـور يـدي الـشـائـهـة .
مـسـتـعـجـلاً ،
أفـتـح ُبـابَ الـوردةِ ،
وأعـلـقُ الـمـفـتـاحَ فـي الـمـسـمـار ،
أريـدُ أن أثـيـر الـشـغـب فـي الـشـوارع
الـخـلـفـيـة ،
أريـدُ . آهٍ ،
تـمـسـكـي بـمـقـبـض الـضـوءِ ،
الأريـكـة تـكـادُ تـطـيـرْ .