English / 中文

 

المحرر: سيد جودة

شعر عربي | شعر إنجليزي | شعر صيني  | شعر عالمي | صوت الشعر | قصيدة النثر العربية | قصة | مقالات | قراءات نقدية | لقاءات | ملف الحداثة | أنشطة | صحافة | منتدى الندوة | عن الندوة

 فاطمة ناعوتلفرط حضورِكَ.. لا أراك!
فاطمة ناعوت - مصر

 يسألُ أحدُ التلامذة أستاذَه: لماذا لا توجّه لي أيَّ سؤال مثل بقية طلاب علمِك ومحاوريك؟ فيجيب سقراطُ بعدما انتبه لحضوره فجأة: لم تتكّلمْ لأراك! تكلمْ حتى أراك. التلميذ حاضرٌ حضورا فيزيقيًّا وجسده مرئيٌّ، لكنّ عقله غيرُ مرئي، فغاب الجسد أيضًا. لأن العقل هو أداة الحضور الوحيدة في حلقات النقاش وجلسات الحوار. الكلامُ يمنح الإنسانَ حضورا نعم، لكن ثمة كلاما يسلب قائلَه الحضورَ فيغيب رغما عن/ أو بسبب فائض القول والثرثرة. الحضورُ الكثيف لونٌ من الغياب كثيفٌ أيضا. رُبَّ صَموت حضورُه أكثفُ من اللاغطين، إذ يعرف متى يتكلم وكيف وفيمَ يتكلم، ومتى يصمت ويحسن الإنصاتَ والتأمل. الكلامُ فنٌّ، والصمتُ فنٌّ أصعبُ وأرقى.
الغيابُ الكثيف حضورٌ كثيف. ولذلك نتذكر موتانا ونجعل منهم أيقونات بعد رحيلهم، فيكون حضورهم ربما أكثف من الأحياء. ننسى أخطاءهم ونراهم ملائكة. الموتُ يجمّل البشر ويُلبسهم غلالةً من قداسة وسمو. في رواية ‘’تلصص’’ لصنع الله إبراهيم كان الطفل يتذكر أمَّه الغائبةَ وأقوالها طوال الوقت. فكانت حاضرةً أكثر من أبيه الحي.
وتُعلمنا النظرية الماركسية أن أقصى اليسار هو أقصى اليمين. الأبيض في أسفل درجاته أسود، والأسود في أعلى درجاته أبيض. الأبيض يحوي كل الألوان ويعكسها معا، والأسود يمتصٌّ كل الألوان ولا يعكس شيئا. الحضورُ المطلق والغياب المطلق شبيهان وصنوان. وبينهما ثالثٌ مرفوع وسيط. وباهت.
‘’المغامرون الخمسة’’ مجموعة ألغاز لمحمود سالم كنا نقرأها في طفولتنا الأولى. علمتنا لعبةً جميلة. مشبكٌ صغير يخفيه أحد الصبْية وعلى بقية المشاركين أن يجدوه. من يجده يفوز ويحلُّ دورُه ليخبئه وهكذا. وكان واحدهم ذكيا بحيث شبكَ المشبكَ في صدر قميصه فلم يره أحد. الكل يبحث في الأمكنة الخبيئة ولم يدر بخلد أحد أن تكون ضالتُه شديدةَ الحضور وفي مجال رؤيته!
هذا شرخٌ في الجدار المواجه لمكتبي الآن. موجودٌ منذ سنوات لا ريب. موجود لدرجة أنني لم أعد أراه. مثلما لا نرى السلّم الذي نهبطه ونرتقيه يوميا كوسيلة التواصل الوحيدة بالحياة. هو حاضرٌ جدا إلى درجة الغياب جدا. ومثلها كل أعضاء جسدنا التي لا نشعر بها إلا حين تغيب فننتبه أنها (كانت) موجودة. مَن منّا أرسل تحية الصباح لقلبه الذي يخفق دون كلل منذ ثلاثين أو خمسين أو سبعين عاما، أو رئتيه اللتين تصفيان له الأكسجين طوال الوقت، أو بنكرياسه أو كبده اللذين يخلصانه من سموم الدنيا؟ هي أشياء تعودنا وجودها كأنها حتمٌ مقدور وحقٌّ مشروع لا حاجة لنا بتأمل جمال حضورها. لكن مريض الفشل الكلويّ له رأي آخر حتى لتكاد عيناه تخترقان أجساد البشر لتطمئنا أن ثمة كليتين في الداخل تعملان بكفاءة. ثمة كليتان حاضرتان، في مقابل كليتيه الغائبتين. معتادون على حضور أشيائنا فننساها. لأن الاعتياد يقتل الحضور. ولذا هو عدو المبدعين الأول فيحاولون دائما قتله لكي تحضر الأشياء ومن ثم تحضر الدهشة فالإبداع.
يُقال إن المرأة ترى التفاصيل فيما الرجل يرى الكليّات وتغيب عنه دقائق الأشياء. وأقول: ‘’ليس الرجلُ كالمرأة/ النساءُ يعرفن الزهرَ، والرجالُ لا يفطنون إليه/ إلا بعدما يذوبُ بين أصابعهم/ مخلّفًا طيبَه/ فيقولُ واحدُهم:/ كانت هنا زهرة!’’.
وتقول النكتة المصرية: ‘’مرة واحد من حرّاس الحدود كان بيعدي عليه كل يوم واحد راكب عجلة (دراجة) وفيها جردلين (دلوان) رمل. فكان الحارس يقعد يفضي الجرادل علشان فاكر ان الراجل بيهرب فيها مخدرات لكن مكانش بيلاقي فيها غير رمل بس...كل يوم عالحال ده..لغاية ما زهق.. وبعدين جه فى مره أجبره على الاعتراف باللي بيهربه فقال له أنا باهرب عجل!’’

Your Comment 评论 تعليقات القراء

Your Name  اسمك:
Your E.Mail  إيميلك:

The title of the work on which you comment

   اسم العمل الذي عليه التعليق :

The Author's Name

 اسم الكاتب:

Your Comments تعليقك:

Arabic Nadwah Visitors Free Hit Counter
Return to Homepage