"مقدمة: كتبت هذا المقال من جزءين
لسرد جزء من تاريخ الصين الحديث ولتوضيح ان الامم
ذات الحضارات القديمة كثيرا ما تمر بفترات سوداء
فى تاريخها الى ان يظهر من بين ابنائها قائد قادر
على قيادتها واخراجها من محنتها ووضعها فى مكانها
المستحق فى العالم وبالرغم مما تمر به مصر الأن من
تخلف ومهانة وإذلال فسوف تخرج مصر من محنتها ومن
مستنقع العروبة إن اجلا او عاجلا وسيعود للمصرى
كرامته ومكانته التى دمرها نظام العواجيز الحاكم
فالصين التى لاقت كثيرا من المهانة والإذلال على
يد الغرب طوال القرن التاسع عشر وجزء من العشرين
عندما جاءها مهندس الكهرباء الكفء جان جيا مين
ومعه حكومة اغلبها من المهندسين وتلاه مهندس
الإتصالات خو جين تاو اصبحت القوة الاقتصادية
والصناعية ذات التكنولوجيا المتقدمة الان والمكانة
والثقل العالمى وسيأتى إن اجلا او عاجلا اليوم
الذى تصبح مصر فى المكانة التى يمناها لها كل مصرى
حقيقى يفخر بأنه مصرى من جدود مصريين ويتشرف فقط
بإنتمائه لمصر وليس لأى إنتماء اخر والى المقال."
تمر جميع الامم
ذات الحضارات الطويلة بفترات صعبة ومظلمة فى
تاريخها قصرت او طالت ولكن الامم العظيمة تتجاوز
هذة الفترات وتعود لتتبوأ موقعها المستحق فى
التاريخ ومن ضمن الامم العظيمة التى مرت فى
التاريخ القريب بفترات صعبة مذلة ومهينة الامة
الصينية وبالرغم من ذلك فحين قادها ابناؤها
المخلصون اصبحت القوة العالمية التى نعرفها واعتقد
شخصيا مما قرأته انه لم تمر امة بمهانة وإذلال
مثلما مرت الامة الصينية فى القرنين التاسع عشر
والنصف الاول من القرن العشرين (بالطبع يستثنى من
ذلك مهانة الامة المصرية منذ انضمامها الى مستنقع
العروبة فى منتصف القرن العشرين وما تعيشه اليوم
تحت حكم العواجيز الفشلة) وبالرغم من هذه الأحداث
التى كانت كافية لتفتيت ومحو كثير من الامم وقفت
الصين مرة اخرى ونبذت الخرافات واخذت بالعلم
لتنافس على قيادة العالم ولتكون واحدة من القوى
العظمى ذات التكنولوجيا المتقدمة.
والصينى طوال عمره فخور ببلدة
لدرجة انه اطلق عليها اسم المملكة المركزية (Zhong
Guo
中国)
وكان الصينيين يعتبرون غير الصينى همجى ومتخلف (barbarian)
كما كان يطلقون عليه حتى فى معاهداتهم المكتوبة مع
الغرب وان الامبراطور الصينى هو الاخ الاكبر لكافة
الملوك الاخرى ونتيجة لإنتشار الخرافات والافكار
الدينية المتخلفة تخلفت الصين كثيرا عن اوروبا
علميا وتكنولوجيا وظهر ذلك واضحا عندما بداء
الإتصال بينهما وفى البداية تعاملت اوروبا مع
الصين كقوة عظمى الى ان تبين لهم مدى الضعف
والتخلف الذى تعيشة الصين مقارنة بهم وشهد القرن
التاسع عشر سقوط الصين من لائحة الدول العظمى
ووقوعها تحت سيطرة اوروبا وامريكا واليابان وبعد
ان كانت الصين تملى شروطها عليهم، اصبحت المتلقى
لاوامرهم المذلة.
ووصل مدى الإذلال
الذى تعرض له الصينيون فى بلدهم الى انه بعد سيطرة
اوروبا على الصين كانت هناك حدائق خاصة بالاجانب
مكتوب على مدخلها "ممنوع دخول الصينيين والكلاب"
وقد احتوى احد افلام "بروس لى" على جزء يوضح ذلك.
وكانت التجارة
والثروات الغير مستغلة فى الصين من الاسباب
الرئيسية لمحاولة الدول الغربية واليابان السيطرة
عليها بشتى الطرق المشروعة وغير المشروعة او حتى
القذرة وفى البداية ونتيجة للطلب الغربى على الشاى
ووالحرير والبورسلين والدواء والاعشاب الصينية مع
عدم وجود منتجات غربية كثيرة يمكن تصديرها للصين
مال الميزان التجارى لصالح الصين وسقطت شركة شرق
الهند البريطانية فى الديون وعندها عمدت الى ترويج
الافيون خلال وكلاء لها بالصين (وبرجاء مقارنة ذلك
لما يحدث الان بمصر مع الحشيش مع ان مصر ليست قوة
مصدرة) وكان من السهل على الشركة الحصول عليه رخيص
جدا من مثلث الافيون الذى كان تحت السيطرة
البريطانية وخلال سنوات قليلة مال الميزان التجارى
لمصلحة اوروبا عاما وبريطانيا خاصة وكادت الصين ان
تفلس.
وبداء الانجليز بنشر الافيون فى
البداية عن طريق فتح قهاوى مخصصة له تقدمه مجانا
للصينيين وبحلول سنة 1820 انتشر ادمان الافيون
واصبح خطر واضح يمتص ثروة وصحة الصينيين لصالح
اوروبا مما دعى الامبراطور
Daoguang
سنة 1838 الى ارسال مندوبه
Lin Zexu
لمحافظة جوانج دونج فى الجنوب للقضاء على تجارة
الافيون وكانت الحادثة الشهيرة بإحراق الافيون
بمدينة جوانز جو والتى نتج عنها بدء حرب الافيون
الاولى بين بريطانيا والصين بحجة ان التجار
تنازلوا عن الافيون للتاج البريطانى قبل حرقة
وعليه فإن إحراق الافيون يعتبر اعتداء على ممتلكات
التاج البريطانى فقد قام الكابتن تشارلز اليوت (Charles
Elliot, Chief Superintendent of the trade of
British subjects to China)
بإجبار تجار الافيون على تسليم الافيون قبل احراقه
له كممثل للحكومة البريطانية وإلا يسقط حق حمايتهم
كمواطنين بريطانيين وكان من بين هؤلاء التجار
السيد جاردين اشهر تاجر افيون فى التاريخ ومؤسس
مجموعة شركات جاردين العملاقة بهونج كونج.
واستمرت الحرب من
سنة 1838 الى سنة 1842 وانتهت بتوقيع اتفاقية نان
جينج الغير عادلة فى 29 اغسطس 1842 حيث تنازلت
الصين عن جزيرة هونج كونج ذات الخليج العميق
المثالى كميناء الى التاج البريطانى وفرضت غرامة
قدرها واحد وعشرون مليون دولار على الصين واجبرتها
على فتح خمسة موانئ صينية للتجارة الخارجية وفرضت
امتيازات للتجار البريطانيين بالصين وتبعتها
اتفاقية بوجو المكملة سنة 1843 والتى اعطت
البريطانيين الحق فى المحاكمة امام محاكم انجليزية
(مثل المحاكم المختلطة فى مصر ايام الحماية والتى
اوقفها المرحوم الرئيس عبد الناصر على ما اتذكر
وأعادها بطريقة او باخرى الحزب الوطنى خلال محاكمة
الأميرة السعودية والتى كانت متهمة بقتل اثنين
اثناء قيادتها سكرانة ودفعت دية واخلى سبيلها
بالرغم ان الدية ليست بالقانون المرى ولكن بالقانو
السعودى وهى حق مدنى وما ارتكبتة جريمة جنائية
بالقتل الخطاء) وضمنت استمتاع البريطانيين
اتوماتيكيا بأى مميزات يحصل عليها مواطنوا اى دول
اخرى سابقا او لاحقا وبعد اعلان الاتفاقية طلبت
امريكا وفرنسا بنفس حقوق البريطانيين وحصلوا عليها
سنة 1844 واصبحت هذة الحقوق التى اطلق عليها حقوق
الدول الاولى بالرعاية من القوة لدرجة انها حدت من
سيادة حكومة الصين على ارضها.
ومن ضمن القصص
التى تذكر عن مدى إنتشار الخرافات والمعتقدات
الدينية الخاطئة والمتخلفة بين الصينيين انذاك حتى
على المستوى الرسمى انه اثناء الحرب وفى احد
المعارك البحرية بين الاسطول البريطانى والاسطول
الصينى الذى كان لا يقارن بالبريطانى اعتقد
الصينيون بالرغم من التفوق البريطانى الواضح وتقدم
تكنولوجيا اسلحتهم انهم يستطيعون حرق الاسطول
البريطانى بقواهم العقلية كما نرى فى افلام الكونج
فو وطبعا تفوق العلم على الخرافة والتخلف وتم
اغراق كافة المراكب الصينية.
وفى سنة 1856 طالبت بريطانيا
بإعادة مناقشة اتفاقية نان جينج لأخذ مزيد من
الحقوق وطالبوا بفتح كل الصين للتجار الانجليز
وتقنين تجارة الافيون واعفاء البضائع الانجليزية
المستوردة من رسوم النقل الداخلى (internal
transit duties)
وانهاء القرصنة وتنظيم الهجرة والمتاجرة فى العمال
الغير مهرة (Coolies)
وبالسماح للسفير البريطانى بالإقامة ببكين وان
تكون النسخة الانجليزية من المعاهدة هى ما يؤخذ به
عند حدوث اى خلافات ورفضت الصين هذة التعديلات
فانتهز الانجليز حادثة اجتياح البحرية الصينية
لسفينة تجارة الافيون الهونج كونجية ارو (Arrow)
و القبض على 12 بحارصينىا وادعوا بأن القوات
اصينية اهانت جزء من علم هونج كونج الذى يمثل
العلم البريطانى (Union
Jack)
وتعاونوا مع الفرنسيين فى شن حرب الافيون الثانية
1856 - 1860.
وانتهت الحرب بالوصول الى اطراف
العاصمة الصينية بكين ونهبها من قبل الفرنسيين
الذين وصلوا اليها 3 ايام قبل وصول البريطانيين
ومن كثرة النهب والتدمير قام البريطانيين بإبعاد
الفرنسيين عن مناطق بكين المأهولة ولإذلال
الصينيين قاموا بعمل عرض عسكرى للقوات الهندية
التى كانت جزء من القوات البريطانية وقامت القوات
البريطانية والفرنسية بنهب وحرق قصر الامبراطور
الصيفى وتدمير معبد الالف بودا التاريخى والكثير
من حديقة البحيرة الشمالية (Bei
Hai)
لتأديب الامبراطور الصينى الذى هرب الى قصره
الصيفى ثم الى منشوريا بلد اجداده وانتهت الحرب
بتوقيع معاهدة تيان جين واتفاقية بكين وحصل
البريطانيين بمقتضاهما على مزيد من الحقوق منها ضم
منطقة كاولون لهونج كونج وتقنين تجارة الافيون
والسماح للسفن الانجليزية بنقل العمال غير المهرة
الصينيين كما تنازلت الصين بعد ذلك باسبوعين على
اراضى مساحتها ما بين 300,000 الى 400,000 ميل
مربع لروسيا.
ولم تنتهِ معاناة
الصين عند ذلك بل كان هذا بداية للكثير من
المعاناة والإذلال الذى سيتم ذكره فى المقال
القادم واعد بأنه سيكون اقصر.
وحفظ الله مصر