أبنائه " ، وذلك يقينه ، وتلك
بشارته التي تطل من أعماق وعي يتكامل لي ، بأن
معادلة الفكفكة أو التفكيك للنفي المتربص بقضيتنا
، بهويتنا ، بمصيرنا ، انما هي على مرمى عقل ،
فالتبديل في الظروف ، نتاج الجدل بيني وبين محيطي
، ولا بد من الاحاطة الدائمة بكل متغيرات المحيط
، في كل آن ، فهي ضرورة بحثي عن معادلتي التي
بها ، استرد هيبتي ، ومكانتي ، وفاعليتي ، فخرجت
من وقوفي بهرولة ناحية ، أعرف بالسؤال أن أجد
مكاني والصحف كلها أمامي ، وشاشة حاسوب أطل من
خلالها على كافة المواقع التي تحمل هموم القضية ،
وأيضا تلك الأخرى الموظفة في حز السكين في لحم
المصير ، فمعرفة ضدي ، بعض معرفتي ضروراتي ، في
عملية اعادة هيكلتي لذاتي ، كي أكون ما توجبه
ادارة دفة المصير ، وانتهيت الى مكان جلست فيه ،
وكنت على عجلة من أمري ، فلهفة على قراءة حركة
الحوادث تتسارع بي ، واللقاء في حضرة الغياب ،
يتقارب بي ،
أنتقل من موقع الى آخر ، لا
تستوقفني سوى أخبار جراحي وتمزقي ، فهكذا حال من
لا وقت لديه ، فجراحه يأخذ منه كل وقته ، لا وقت
لمشطور نصفين ، لغير خلاصه من انشطاره ، فأيان سعى
شطر ترك وراءه شطره الثاني ، فهو شطره ، فلا يمكنه
أن لا بدو شطرا ، فهو حبيس شطره الذي لا يوافقه و
يرافقه ، فهو الهاجس الذي برغمه يلبسه ، ولو فر
منه لا يتركه ولا يمكنه الا أن يكون معه ، فهو معه
وليس معه ، وهو الى جانبه ولا يسانده ، نصفه الذي
يعاند نصفه ، شطره الذي ينغص عليه عيشه ، وينكد
عليه سيره ، فكل شطر بشطره يتعثر ، ولا شطر يحقق
ذاته الا بما يصوغ لشطره فشله .
وما سقطت عيناي على خبر فحواه ايغال
في الدم البرىء ، حتى تدافعت في ذهني صور جراحاتي
، فكأني بالفضاء من حولي يضج بفاجعتي ، بذكري
أيام كان فيها انشطا ري ، وتراءى لي فكأنه أمامي
وهو يقول :
" صحوت من الغيبوبة على علم بلون
واحد يسحق علما بأربعة ألوان .. على أسرى بلباس
عسكري يسوقون أسرى عراة ، فيا لنا من ضحايا في زي
جلادين " .
كانت لي ذات فأصبحت نصفين ، فلس
هنا وطين هناك ، ذات بلا ذات ، فكيف أجمع ذاتي ،
كيف أكون أنا هو أنا وقد أصبحت غيري ، ممزق أنا
، وبعضي يأكل بعضي ، غزة استقلت بذبح في رقبة
الحرية ، بتمزيق في وحدة وجودي ، كيف لي أن أفهم
حرية تسفح دمي ، تشطرني نصفين ، لأصبح شتاتا ،
وبدأت أتلمس ذاتي ، فثمة تصدع أرعد في أرجائي ،
وجفاف جاب ريقي ، جابني حس فظيع، ساءلت نفسي
تساؤله ، " هل أنا + أنا = اثنين ؟ قلت : أنت
وأنت أقل من واحد !. لا أخجل من هويتي ، فهي ما
زالت قيد التأليف ، ولكني أخجل من بعض ما جاء في
مقدمة ابن خلدون ، أنت منذ الآن غيرك " .
كان القلق يموج بي ، والحيرة تفتق
ذهني ، وما بين همي و غمي ، اسمع وجيب قلبي ، جرت
كلماته على لساني ، فكأني في دهشتي من حال يرين
على أنفاسي ، أستدعي مرارة أيام الفاجعة بقوله :
" هل كان علينا أن نسقط من علو شاهق ، ونرى دمنا
على أيدينا ، لندرك أننا لسنا ملائكة ، كما كنا
نظن " .
وعي السقوط ، غير سقوط الوعي ، غير
علو السقوط ، فساقط الى أعلى ، يقف بالمقلوب في
أعلى فيرى الأسفل أعلى ، فلا بد من تبديل في علاقة
عقله بوضعه ، لكي يدله بصره على ما لم يعيه ، في
حاله المقلوب ، فانقلابه على انقلابه ، ضرورة وعي
بوعي ساقط ، ليسقط الوعي الذي يبرر السقوط ، فلا
بد من تأسيس منهج يتفكك به وعي تأهل به السقوط ،
فانشقت به وحدة الذات ، ما يعني الكشف عن ثقافة
أنتجت منهجا ، أي منطق تناول ، أفضى الى بعثرة
دامية ، فاستحال اللامعقول الى معقول ، والمدنس
الى مبرر ، والمقدس الى ممزق ، ثم فضح هذه الثقافة
، وذرايتها ، بثقافة تؤهل منطقا ، تتمنطق به
وحدة الوجود ، بعد أن تكون ، قد استردت أنفاسها
وتعافت ، وأراحتني من شقوق في ذاتي ، لم تزل تعصف
بي ، وتنذر بديمومية تهافت لاوعي ، لا يزيد في
غير استطالة في المسافة بيني وبين آمالي .. يجب أن
أسبر أغوار تمزقي لكي أعرف كيف أمزقه ، فألاشيه ،
فتمزقي ابتسامة على شفاه ضياعي ، فأو الظلام
يمزقني ، أو شروق وحدتي وعناقي نهاري .
وما انتهيت من اعتصاري همومي ،
حتى أخرجني من وحدتي ، تصفيق لا تخفى حرارته ،
فانفتلت من مكاني فاذا كل من هم في المقهى ،
يلتفتون الي ، ويجأرون بصدقي ، ويسألونني : كيف ..
قل لنا كيف ؟! ، وأدركت عندها بأني كنت أكلم نفسي
بصوت عال ، على غير انتباه مني ، بأن ثمة سلوكية
أخلاقية تستوجب كل من يرتاد المكان ، بأن ينهج
نهج الحرية ، فهي له ، ولغيره ، فلا أن يسلبها من
أحد ، تحت أي سبب ، فكل اختزل لحرية الآخر مرفوض
بقانون المكان ، لكن هذا ما كان مني ، ولم أعرف
ماذا أقول ، غير أني استسحمت رواد المكان ، وطلبت
أن يسامحوني ، فنهض أحدهم وقال : هذا مقهى الحرية
.. ملتقى محمود درويش ، نلتقى هنا على حب شاعرنا ،
وغالبا ما تأخذنا قضية الحرية ، الى الحوار ، فهي
حريتنا التي نريدها .. ونتحاور ، فلا عليك ، فهات
رأيك ، فكيف يتلاشى هذا الظلام الذي يقعد لنا بين
عيوننا ، ويحفر كسكين في خاصرتنا . قلت : انه الحب
.. من يحب الوطن يحب أهله . . الوطنية حب الوطن ،
وحب أبناء الوطن ، فاذا انزرع الحب في النفوس ،
وكان حقيقيا ، تكاملنا .. الحب شرط التكامل ، فنفس
تكامل لها حب الوطن ، تملك كل مؤهلات التكامل ، مع
أبناء الحرية .. أبناء الوطن ، فقال أحدهم : فكيف
نستخلص نفوسا من أحقادها ، فحقدها حاجز يفتت ، ولا
يجمع ، فقلت من فوري : أعطني حبا أعطيك وحدة .
ونهضت من مكاني ، وأنا أقول :
أرجو أن تجدوا لي العذر ، فأنا على موعد مع دمعتي
على قبر من تحبون ، ومشيت ، وأنا أحدث نفسي ، فما
بالها لم تصلني بخبر منها ، فلعلها سبقتني اليه ،
فهل أتصل بها أم أسبقها وأنتظرها ، فهي آتية ،
وسألت ساعتي أن تنبئني بالوقت ، فاذا بقناعتي
توسوس لي ، بأنها في انتظاري ، فالوقت جرى مجراه ،
ولم أعره انتباها ، فهرولت ، وتراكضت أحيانا ، حتى
أخبرتني عيناي بأنها ، لا بد هي ، أو تشبهها ، وما
شارفت الرؤية وضوحا أراحني ، حتى تيقنت بأنها
شروق ، تنظر طويلا صوب القدس ، ثم تحني قامتها ،
على قبر محمود درويش ، وبين يديها باقة من الورود
تضعها عليه ، ثم تتناول منديلا من ورق من جيب
سترة ترتديها وتمسح دمعتها ، وما أن أصبحت
بجانبها ، حتى رفعت رأسها ، فبدا لي بأن تساؤلا
كبيرا تطفح به امارات وجهها ، ثم قالت والحسرة
تكاد تشقها ، لماذا ؟! هل هذا ما ينقصنا ، أكثيرا
علينا أن يظل بيننا ينشدنا العزيمة والأمل ، كان
صوته دوما خلاصا لنا ، من دوامة اليأس والاحباط ،
كانت كلماته تنتشلنا ، وتضعنا دوما على حافة
الواجب وننهض . وما كادت تكمل كلامها ، حتى نشج
صدرها ، وغلبتها دمعتها ، وأغرقها حزنها في بكاء ،
فلم يمكنها الا أن تكون هي ، كما هي ، بكل نقاء
الثورة في كيانها ، وما أمكني الا أن أكون نفسي ،
فأرخيت لها ، تركتها لصدقها في حبها ، تفيض بما
بها ، بلا كلمة مني ، بقيت صامتا ، بينا دمعتي
تجري على خدي ، ومن دون أن أدري ، تنزل من حافة
ذقني ، وتهبط على خدها ، فاذا هي تمتزج بدمعتها
في مسيرة حب ، تجري على خدود الحب ، لتتندى من ذقن
الحب ، بدموع الحب على الحبيب ، وانتبهت شروق
لبوح الدموع ، وحنت رأسها الى أعلى ، ناحيتي ،
بينا هي مكبة على قبره ، وتأملتني لحظة ، ثم باحت
بقولها لي : ألا ترى الى الدموع كيف تجري موحدة في
التعبير عن حبها ، أليست وحدة الدموع دليل حب راسخ
في كوامن النفوس ، فحين تجد موكبا من دموع ، فاعرف
بأن الحب يجرى مجراه ، ثم أدارت عينيها ناحية
القبر ، وأسندت رأسها براحة يدها اليمنى ، بينا
يدها اليسرى تربت على وجه القبر ، وما هي الا
دقيقة أو تزيد من غيبة الكلام ، حتى راحت تقول :
أواه .. أواه .. أيمكنك أن تشرح لي ، لماذا نحن
بالذات دون غيرنا من الشعوب ،علينا أن نحزن ..
دوما ، وذلك من أجل أن نكتشف بالحزن دربنا الى
نجاتنا ، من هذا السيل الذي لا ينقطع من الأحزان
؟ ! ، لماذا أجبني ، أما كان يمكن أن يكون غير
الذي كان ، وكائن ؟ ، أليست "نكون" التي تتبع
"سوف" ، وتندرج على كل لسان ، انما تحتاج الى
قدرة ؟ ، قلت : الجواب لدى محمود درويش فخذيه
منه ، فماذا قال في مديح الظل العالي : "... سقط
القناع ، لا أخوة لك يا أخي لا أصدقاء ، يا صديقي
، لا قلاع ..." ، " لولا هذه الدولة اللقيطة لم
تكن بيروت ثكلى " ، ولك أنت الآن ، أن تستبدلي
كلمة دولة بدول ، وكلمة بيروت بقطاع غزة ، بالضفة
، انه بعينه غدر الزمان كما قالت أمي ، فقالت شروق
، قد كان صوابا قوله ، " .. الاك في هذا المدى
المفتوح للأعداء والنسيان .. فاجعل كل متراس بلد
.. لا أحد ، سقط القناع .. عربوا أطاعوا رومهم ..
عرب وباعوا روحهم .. عرب وضاعوا .. سقط القناع
..." ، وأردفت تتساءل ، بوعي محيط بالسؤال وجوابه
، هل ثمة أدق من توصيفه لهرولة أعراب الى ما
يفرغون به ، من كل معنى لكرامة ، فلا يعرفون
منها سوى قشرة كلامية ، لا معنى بها يعني ما هو ،
يتخايلون بها وينتفخون ، فالمدنس في داخل قشرة من
المقدس ، فكأن الذين تراهم ، ولا صلة لهم بحرية
مقدس من قبضة مدنس ، فلا حصن للحرية سواك ، ولا
حرية لقطرة ماء بلاك ، فأنت هو من عناك حين قال :
" الاك ... لا أحد " ، فهل أوفى من صدقه ، في
تعريفه ، لحقيقة حركة الحرية في الواقع ، وهل أدق
وصفا لحال نحن فيه من قوله : " أنا يوسف يا أبي ..
يا أبي ، اخوتي لا يحبونني ..لا يريدونني بينهم ،
يا ابي .. يعتدون علي ، ويرمونني بالحصى والكلام
.. يريدونني أن أموت لكي يمدحوني .. هم سمموا عنبي
يا أبي .. وهم أوقعوني في الجب ، واتهموا الذئب
.. والذئب أرحم من اخوتي .." ، كيف نفهم حرية
تخرج من دبابة أميركية ، بغير هويتها ، وبما هي
عليه ، من حرية ذبح في مصيرنا ، كيف نفهم مشنقة
لسوار وسور لأمننا القومي ، وهل ضاقت صورتنا
ببريقها ، فاستدعت ما شاهت به .. كيف غزاها تمزق
، بلون خلخلة ، وتفكك يشيع في وطننا العربي ،
التائه عن كنوزه ، المفكك بحيرته ، ولماذا في
شوارع وعينا ، انغلاق فكري ، ومراهقة فكرية ،
يتوهان بالعقل ، عن منطق تناول ، تأسس بارادة فجر
، يحمل بين طياته بشائر النهار . كيف صار الذي
ذبحوا له وطنه بين يديه ، باحثا عن حرية بذبح في
رقبة أخيه . كيف صار المقهور ، يؤثث بالقهر، فرصة
نمو وتطور ، لمن مارس ، ولم يزل يمارس عليه القهر
، ويحتجزه في قيود ، يحجب بها عنه البر والبحر
والهواء ، كيف أضاعه القهر فوظفه في قهر حرية يحلم
بها . وماذا عن هويتنا ، أما زالت هي بعينها ،
فاذا هي هي فلماذا لا تشرق الشمس ؟ .
وأخذت منها الكلام وقلت : ينقصنا
ما كان متوفرا لاخوتنا في الجزائر ، فحين اشعلوا
ثورتهم ضد الاستعمار الفرنسي ، فسرعان ما تجلت ،
كثورة عربية ، ضد الاستعمار ، على أرض الجزائر ،
فكانت مصر ملأى بمعسكرات التدريب للثوار العرب،
يأتون من كل بلد عربي ، ويتدربون ، ويلتحقون بثوار
الجزائر ، كانت مصر تموج بجمع كل دعم للثوار ،
وكانت نار الثورة ، توقد ضد الاستعمار، في كل مكان
، وكان العدوان الثلاثي على مصر ، ليس فقط بسبب
، من تأميم لقناة السويس ، وانما بسبب دعم ثورة
الجزائر .. كانت ثورة عربية تعلن عن نفسها من مصر
، وتنفجر في وجه الغزاة الأجانب في كل مكان ، مات
جمال عبد الناصر ، وهو يجمع العرب في اخماد حرب
ابادة ضدنا في الأرد ن .. كان أيلون الأسود ، ثم
تل الزعتر ، ثم ... ثم حصار بيروت ، فمجزرة صبرا
وشاتيلا ، ثم حصار الثورة الفلسطينية على كل صعيد
، واندلعت الانتفاضة .. تحدث الطفل والحجر بحق
هذا الوطن في الحرية ، ثم الانتفاضة ، ثم حصار
عرفات في المقاطعة ، ولا أحد ، ثم الحرب على
قطاع غزة .. حرب على فلسطينين في الحصار ، فمنافذ
غزة مسورة بالنار ، برا ، بحرا ، جوا.. محاطة
بالأعداء ، بينما الاخوة يتباعدون بأنفسهم ، عن
موجبات حريتنا ، وهم يتألمون ، ويتفرجون ، ويمدون
أياديهم الى السماء ويرجون ، وكل خير لنا يتمنون
..مقيد أخوك بعقله ، فلا عقل له ، فيأت به .. كانت
حرب تأديب .. حرب كسر ارادة وبعث يأس ، وخنق أمل .
وكانت شروق تنصت لي ، وكلها آذان ،
بينما امارات وجهها ، وحركات أطرافها ، تنبيء بأن
موجات غضب تجتاحها ، وتقبض على ناصية جوارحها،
ولم تتركني أكمل ما رغبت في قوله ، باشرتني بقولها
: بدءا ببطولاته على أرض فلسطين ، وصموده في
الفالوجة ، الى آخر يوم في حياته ، كان بذاته ثورة
عربية ، ضد الاستعمار ، وكانت قضيتنا قضيته ، كان
واحدا منا ، ولو ساوم قيد أنملة ، لما حاربوه من
الداخل والخارج ، كان بذاته الكرامة العربية تتحدث
عن نفسها ، أما هؤلاء الذين أشرت اليهم ، فذاك
مقيد بكرسية ، وهذا سجين اتفاقيته ، فقضيته لم تعد
قضيته ، غادرها الى قضيته ، وترى اليه يزهو بتفرده
، كأنما ركن أعباء انتماء ، في زاوية النسيان ،
فسحة نموه وتطوره .. اغتراب غريب ، لا غرابة فيه ،
سوى أنه بعينه ، ما يريده الغريب ، فالزعتر نبات
الحياة.. أنت زارعه ، وأنت أهله ، مطوق بالنار ،
ولا حل سوى أن تفك أسره ، وتبره وتسعده ، فقضيتك
هي قضيته .
ولك أن تناجي الدنيا ، وتقل ما
تشاء ، فمثل الدمعة على شرفاء هذه الأمة ، ما سطر
تاريخ الدمع في عيون الشرفاء ، أين حنظلة شاهد
الوعي على هذا الذي يجري ، وما جرى مثله ، الا في
زمن الرذيلة والتتار ، فمن زمن زنوبيا ، والصوت
في فضاء الشرق يدوي ، ينادي أضف زماني ، فالغدر
في فلسطين ، في العراق ، انما كان تسهيل الطريق
أمام الغرباء .. حنظلة باق ، بقاء البحر في البحر
، بقاء الربيع في السنة ، بقاء الحياة تنادي على
الشرف .. فيا تلابيب الظلام تلبدي واجتمعي ما
شاء لك ، وعربدي ، فشوق الحياة الى شروق ، لا
يعدله سوى مجيء حنظلة بالشمس من عند الأفق .. شروق
الحرية ، لغة الحياة ، ابتسامة النور .. فيا ليل
تراجع ، ويا شمس اشرقي ، ويا قصيدته اصدحي ، فلا
زالت الأرض تنطق بلسانه : " أنا الأرض .. يا أيها
الذاهبون الى حبة القمح في مهدها ..احرثوا جسدي !
..أيها الذاهبون الى صخرة القدس .. مروا على جسدي
.. أيها العابرون على جسدي .. لن تمروا .. أنا
الأرض في جسد .. لن تمروا " .
كانت موجات الظلام التي تعربد في
طول البلاد وعرضها ، قد تراءت لها ، فكأنها بين
رموشها ، فعصفت بها ، فأطلت الأرض بهيبتها ،
بارادة التحدي ، فاستسقت شروق منها توهجها ،
فكأنها تتحدث باسمها ، باسم شعب هو صاحبها ، وهي
الأرض التي ما أمكني ، الا أن أترك لها كياني
وترا ، تضرب عليه بأناملها ، وتغني عذاباتها ،
تأخذ مني فكري تطوف به في فيافيها ، في ضياعها ،
في جوعها الى حبها ، الى أطيارها ، الى سنابل
القمح ، الى دغدغت الحرية تفرج عنها غمها .
وما أن تناهت فورة الأرض في
الوجدان ، الى ما أتاح للعقل أن يطل على الشفاه ،
بما تيسر له ، حتى أفضت بقولي : بل ذبحوا في
رقابنا ، ومروا على أجسادنا ، على سنابل قمحنا ،
ولكن .. لن يمروا ، قد أحالوا أحوالنا شتاتا ..
لاجئين ، نبحث بكل قطرة دم ، بكل أنفاس الوعي ، عن
عودتنا ، ولكن الأرض أرضنا ، ومنها حتما يفروا .
. كان حال الغرباء في الجزائر كما الحال هنا ،
وهذا أنا ، أمام عينيك ، انظري الي ، حدقي بي ،
فتشي في أفعالي في أقوالي ، في ملامحي ، في اللهب
المتقد دوما في عيوني ، فماذا كان نتاج العذاب
.. الزنزانة ، السجن ، القيود ، فلقد ازددت
معرفة بذاتي ، وهذه كما ترين حريتي ، طلاقتي في
جمع امكانياتي ، وصرفها في تحقيق آمالنا في شروق
نهار الحرية على بلادي .
السجن مشروع حبس للارادة ، بهدف
قهرها وتحطيمها ، لكنه بازاء الارادة الحرة ،
فسرعان ما يتكلم في وعي الحر ، فيزيده اصرارا على
حريته .. في السجون ما يزيد عن عشرة آلاف فلسطيني
، فلماذا هم مطوقون بالقيد .. لأنهم ارادة حرية
، استجابت لحقها في حياة الحرية ، فسعت ببذلها الى
الفوز بحرية الحياة ، لتحيا حياة الحرية .
وكانت شروق تحدق بي وأنا أقول ما
أقول ، واذا بها تسائل الوطن : قل لي يا وطني ،
ماذا قلت له ، فقال قصيدته ، "رد فعل" ، وراحت
تنشد ، وأنا أقول معها : " وطني !، يعلمني حديد
سلاسلي .. عنف النسور ، ورقة المتفائل .. ما كنت
أعرف أن تحت جلودنا .. ميلاد عاصفة ، وعرس جداول
.. سدوا علي النور في زنزانة .. فتوهجت في القلب ،
شمس مشاعل .. كتبوا على الجدران رقم بطاقتي ..
فنما على الجدران ، مرج سنابل .. رسموا على
الجدران صورة قاتلي .. فمحت ملامحها ظلال جدائل ..
وحفرت بالأسنان رسمك داميا .. وكتبت أغنية العذاب
الراحل .. أغمدت في لحم الظلام هزيمتي .. وغرزت في
شعر الشموس أناملي ..والفاتحون على سطوح منازلي ..
لم يفتحوا الا وعود زلازلي ! .. لن يبصروا الا
توهج جبهتي .. لن يسمعوا الا صرير سلاسلي .. فاذا
احترقت على صليب عبادتي .. أصبحت قديسا ، بزي
مقاتل " .
كانت الألفاظ تجري على لساني ،
فتقصف رعدا ، وتبرق برقا في أرجائي ، فكأني بحر
زاخر بموج هادر ، وكأني بموج الظلام الذي يتراءى
لي بين رموشي ، يستنهض بي وعيا بعذابي ، وبضرورة
أن لا أصابر نفسي على عصف ، بل أن أجعل من صبري ،
عزيمة تشق الظلام ، فليس معقولا أن يوضع شعبي في
المقلاة ومن تحتها النار ، من أجل يتفيأ بظلال
بيارته غريب على تاريخ الأرض ، وانه السخط وقد
تملكني راح يسألني بسؤاله : " من أين جاؤوا ؟..
وكرم اللوز سيجه ..أهلي وأهلك ..بالأشواك والكبد
.. ! " .
واذا بها تقول : يا أبا سامح ، ..
ناموا.. صناع التاريخ والحضارات ناموا ، فتسلل الى
بساتينهم من يتلقمون على فتات موائد الحضارات ،
فمن لا تاريخ له يسرق تاريخا ، يسرق لغة ، يسرق
أسماء ، يخترع دينا ، يقيمه على جملة مقالات ، لا
يصح بحال أن توصف ، بأكثر من كونها أدبا دينيا
مشبعا بالخيال والأساطير ، لكن فضيحته لا بد
لاحقة به ، فلا مفر له من أن يشرب مرها ، فمخزون
الأرض سوف ينطق ..مكتبة الأرض سوف تفصح عن حقيقة
تاريخها .. فعلم الآثار آت بكل دليل علمي ، على أن
من لا تاريخ له ويزعمه ، فهو من ليس له ما يدعيه .
وقد كان محمود لسان الحتمية التاريخية ، حين وصف
هؤلاء ، بالعابرين بين الكلمات العابرة .
كانت شروق على قناعة تامة بأن
الطارىء هو الطارىء ، والعابر هو العابر ، وبأن
الكلمات لا يمكنها أن تكون بغير معانيها ، وبينا
هي تسرد قناعاتها ، كان على بعد مترين منها رجلا
، تبدو عليه ملامح الوقار والعلم ، ولما يمضي على
وصوله دقائق معدوات ، وبدا عليه بأنه يصيخ السمع
بأذن تتعقل ما يردها من كلام ، وما نزلت أذناه من
انصات ، لما تقوله شروق ، حتى اذا انتهت من جملتها
، أحنى هامته والتفت اليها ، فكأنه أب حنون ،
يود أن يوقر في وعي ابنته أمرا ، وقال مستأذنا
اياها : هل يمكني أن أقول لك شيئا ، قالت : تفضل ،
قال : كلماتك قرت في أذني واستقرت في نفسي ، وهي
صواب في صواب ، وتصب في صواب ، فجملتك الصواب نفسه
، قالت : أعرف هذا فالثورة صواب وأنا بنت الثورة
، ولا أقيم موقفي ، الا على صواب الفكرة وصواب
الموقف ، فغير الصواب يؤثث لانفصالية بيني وبين ما
أريد ، وبيني وبين ما تقوله لي قصيدته ، فالصواب
صوابي .. صواب قصيدته وصواب ثورتي ، قال : انتظري
فأنا ما أثني على قول لك ، بقصد الثناء ، فتظنينه
قولا بصوابية صواب ، فلا حاجة لك ولا لي بذلك ،
فالصواب هو الصواب ، وانما أردت أن أقول لك : بأني
أولا ، باحث في تاريخ الأديان ، وعلم الآثار ،
وأستطيع أن أقول لك ، بأن الأرض بالفعل ، بدأت
تفصح عن اسرار تاريخها ، فالكشوف في النصف الثاني
من القرن الماضي ، والى الآن ، تؤكد على صحة ما
قلته أنت ، فكتاب هؤلاء يكذبه كل دليل علمي ،
ويسقطه من كونه كتاب تاريخ ، فحقائق التاريخ
متناقضة بالتمام مع ما جاء فيه ، واني أنصحك أن
تقرائي كتب عالم عربي كبير في هذا المجال ، فكتبه
علمية بحتة ، واسمه " فراس السواح " ، يكفي أن
تكتبي اسمه على شبكة المعلومات لتجدي كتبه ، وخاصة
منها " آرام دمشق واسرائيل في التاريخ والتاريخ
التوراتي " ، وفي كتاب له " مغامرة العقل
الأولي " تجدي في باب " التكوين الكنعاني " منه
، ما يبهرك ، تجدي في الثقافة الكنعانية ،
الكتابة الأوغاريتية ( وهي شديدة القرب من العربية
) ، وعلى رأس قائمة الآلهة الأوغاريتية ، يقف
الاله " ايل " كبير الآله ، ومن الآلهة المؤنثة
الالهة " ايلات " نسبة الى " ايل" ، وهي زوجة "
ايل "، ومن ألقابها سيدة البحر ، و تجدي الاله "
يم " ، أي البحر الأول ، وأيضا الاله " يهوه " ،
وما الى ذلك الكثير .. وكذلك اسم " أورشليم " ،
وقد ورد لأول مرة في القرن التاسع عشر قبل
الميلاد ، وذلك في نصوص فرعونية ، منقوشة على جرار
فخارية ، وتدعى " بنصوص اللعنات " ، وبها تفصيل
لأسماء البلاد وحكامها من المصنفين كأعداء الفرعون
، ومنها مثلا يقرب - آمو ، حاكم أورشليم
وبطانته ، وغيره ، وغيره ، فلا علاقة للمارين بين
الكلمات العابرة ، بالتسمية .. " أورشليم " ،
بتاتا .
وأدركت شروق بأنه انما يلفت
انتباهها ، ولا يرنو الى الدخول في التفاصيل ،
فباشرته بالسؤال ، فماذا يكون شأن جماعات ، اذا ما
أخذنا منها أسماءنا ، وأرضنا .. تبقى بلا أسماء
وبلا أرض ، فأي مخلوقات هذه التي لم تعرف سوى
السطو على ما ليس لها ، أمعقول هذا ، أن يكون
تكوين بشري ، لم يفلح في ابداع أسماء له ، فشاعت
في وجه الباحث ابتسامة ، فصافحنا ، ومضى لشأنه ،
وانثنت شروق نحوي ، فوجهها في وجهي ، وهي تقول لي
.. حتى أسمائهم ليست لهم .. أليس هذا يبعث على
الشفقة ، هل رأيت أحدا يشفق على عدوه ، اني أكاد
أحس بهذه الشفقة ، مع أن زعلا كبيرا يموج بي على
أنفسنا ، اذ كيف صنعنا ضعفنا بأيدينا ، ليكون
بعينه فرصتهم الى ما يريدون ، لماذا فعلنا هذا ،
أمن أجل أن نحقق نصرا مبينا في المستقبل ؟! . .
وراحت شروق تحدث نفسها بصوت مسموع
، هل كان متسامحا محمود حين قال لهم : " احملوا
أسماءكم وانصرفوا " ، هل أصابه ما أصابني الآن من
شفقة ، أم تراه عنى أسماءهم ، فهناك الروسي ،
والبولوني ، وجينات لا صلة لها بشرقنا ، ويزعمون
بأنهم بني فلان ، وفلان لا صلة له بهم ، فأي
تركيبة بشرية هذه ، لكن محمود أحاط بالزمان ،
وامتلأ وعيا بما لنا ، وما ليس لهم ، وقال لهم :
" ولنا الماضي هنا .. ولنا صوت الحياة الأول
..ولنا الحاضر ، والحاضر ، والمستقبل .. ولنا
الدنيا هنا ... والآخرة ، فاخرجوا من أرضنا .. من
برنا .. من بحرنا .. من قمحنا .. من ملحنا .. من
جرحنا .. من كل شيء ، واخرجوا .. من مفردات
الذاكرة .. ايها المارون بين الكلمات العابرة " ،
فكأنه بسط بصيرته بين زمان غائر في القدم وزمان
آت ، و تكلم باسم تاريخ ، لا مفر آت .
لقد استغرقني حديث الزمان وما كان
، وما هو آيل ليكون ، وكأني بتاريخ الأرض يمر
موجات تلو موجات في ذاكرتي ، وما هي الا لحظة
حتى أتبعت قولها قولي : اني أرى شرقنا يفيق من
سباته ، يلملم جراحاته ، وحاله كمن به ارتباك ،
وحيرة ، فليس هذا الذي يسود الشرق ، من ظروف ، هو
وجه حقيقة انسان هذا الشرق ، ثمة تململ ، وخط فكر
، يطل من أعماق كل فرد ، بأن الذي لا مفر منه ،
فلا مفر منه ، فلا بد من اعادة ترتيب الأوضاع من
جديد ، على ما يجعل شروق الشرق ، شروق حضارة جديدة
، يتجدد بها هذا الشرق ، ويطل من جديد ، كمدرسة
تتعلم بين يديها البشرية جمعاء ..اني أرى ذلك
تماما كما كان يراه محمود ، فكم من تيارات من رياح
عاتية هبت على شرقنا وعصفت باشجاره ، لكنه في كل
مرة قام من سباته واغتسل من تخلفه ، وكتب على صفحة
التاريخ ، حتما يكون ما قاله محمود ، فكأني بالوطن
كان يحدثه ، وكأنه امتاز بحس مرهف أتاح له أن يصيخ
السمع ، فيسمع ايقاع الوطن ويفهم عنه مقولاته .
وكانت شروق تفتش في ديوانه له ،
بينا عيناي لا تفارقها ، وأنا أقول لها ما أقول ،
واذا بها تشير بيدها ، الى أنها وجدت ما تبحث عنه
، ثم ترنو الي وتقول : ها هو في ديوانه " لا
تعتذر عما فعلت " يقول : " يختارني الايقاع ،
يشرق بي .. أنا رجع الكمان ، ولست عازفه .. أنا في
حضرة الذكرى .. صدى الأشياء تنطق بي .. فأنطق ...
كلما أصغيت للحجر استمعت الى .. هديل يمامة بيضاء
.. تشهق بي : أخي ! ، أنا أختك الصغرى ، فاذرف
باسمها دمع الكلام ... فيكمل الايقاع دورته ..
ويشرق بي " .
وما أكملت كلامها ، حتى التفتت
حواليها ، فانتبهت الى أن حقيبتها ، في الجانب
الآخر من قبره ، فقامت اليها ، وهي تسألني عن
رغبة في شرب فنجان قهوة ، وأجبتها من فوري ، كان
محمود قال في " ذاكرة النسيان " ، القهوة مكان ...
، قالت : لقد أفضت القهوة له بسرها ، حدثته
بحقيقتها ، بجوهرها ، ككينونة في وعي ثائر . وعادت
واقتعدت الأرض قبالة قبرة ، وصبت لي القهوة في
فنجان ، ولها مثله ، وناولتني فنجاني وقالت : هات
ما تذكره ، من قوله في القهوة ، وقلت لها : انما
أتذكر الآن قوله : " رائحة القهوة عودة واعادة الى
الشىء الأول ، لأنها تتحدر من سلالة المكان الأول
، هي رحلة بدأت من آلاف السنين ومازالت تعود .
القهوة مكان . القهوة مسام تسرب الداخل الى الخارج
، وانفصال يوحد ما لا يتوحد ، الا فيها هي رائحة
القهوة . هي ضد الفطام . ثدي يرضع الرجال بعيدا .
صباح مولود من مذاق مر ، حليب الرجولة . والقهوة
جغرافيا .. " ، ثم قلت وارتشافي قهوتي يتخلل
كلماتي : آه لو تدرين ، كم أنا مشتاق ، الى
رائحة القهوة ، تعبق في أنفاس مقهى عربي ، أو سوق
عربي في " البروة " ، وبدت لي آهاتي ، على أكف
رائحة قهوتي ، تتساءل أمامي ، فكيف كبرياء القهوة
، تقوم بي قيامة ، أتخلص بها ، من عجز في قدرتي ،
أرساه لي زمان مضى في زماني ، لماذا رائحة القهوة
لم تقل لأجدادي ما تقوله لي الآن ؟ . أتراها
كبرياء القهوة التي تقول لي ، أم هي قهوة الكبرياء
، فما الكبرياء سوى رائحة القهوة ، تعبق في
الأنفاس ، في كل مكان من الأرض ، من البحر حتى
النهر ، وتلك قهوة الكبرياء ، فالقهوة مكان ، عودة
مفتاح قديم الى مكان غادره من زمان .
ومددت بصري ناحية شروق ، فما كان
منها ، الا أن تساءلت بعنوان قصيدة له ، يحاور
فيها لاجىء ابنه ، أيام النكبة ، قالت : " كم مرة
ينتهي أمرنا " ، واستدركت ، هذا شرق ممتد في
اللانهاية ، وسجل الغرباء فيه له نهاية ، في كل
مرة يحسبون موتنا يطوينا ، كطي السجل للكتب ، فلا
قراءة بعد ذلك في الكتاب . لكنا دوما نتجدد بموتنا
، فكل حز في رقبة فرع ، يزيد الفروع الأخرى اصرارا
، على ميلاد آخر ، و ريعانا أشد تسارعا في النماء
.. فالأرض تنادي ، وليس للنماء ، الا أن يكون
محكوما بدعوتها ، ويا ما أخلص الاستجابة ، ويا ما
أعظم النداء .
ووجدتني استكمل معنى ذهبت اليه
شروق ، بقولي : لا أزال أتذكر ذلك التحقيق الذي
أجروه معي ، وكنت فيه لسان القضية ، سألت المحقق :
هل كان يمكنكم ، أن تقوموا بما قمتم به ، لو كنا
نحن بحالنا الذي نحن عليه الآن ، وكانت اجابته
صريحة ، اذ قال : لا ، فقلت له : كان خالي أحمد (
ابوأكرم ) ، مع جماعة ابو درة ، لا يملك سوى
بندقيته ، لا سيارة ولا طائرة ، كان فلاحا ، فوجىء
بما حل بوطنه ، أميا ، ولم يتخرج من مدرسة عسكرية
، ولا من حرب عالمية أولى وثانية ، وكان أبي حدثني
، بأنه من أجل أن يشتري بندقية ، وصل الى أطراف
غزة ، وقلت : بأن سعد الدين الشاذلي ، قائد أركان
حرب القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر ، قال
دخلنا حرب عام 48 ، ولم نكن تدربنا ، على استعمال
القنبلة اليدوية ، فكل ما عرفناه عنها رسما لها
بالطبشورة على اللوح .
وما انتهيت من كلامي ، وانما هي ،
وبيدها ديوان " لماذا تركت الحصان وحيدا " ، آثرت
أن تنبهني الى قول له جليل المعنى ، في السياق
الذي نمضي فيه ، قالت : دعني أقرأ لك كلمات له ،
فتعرف كيف الشاعر البديع ، يختصر بكلمات بسيطة
مرحلة بحالها ، فالأب والابن وجدا نفسيهما لاجئين
، وكان هذا هو موقف شعب يتحدثان به : " ... هل
تكلمني يا أبي ؟ .. عقدوا هدنة في جزيرة رودوس ،
يا ابني ! .. وما شأننا نحن ، ما شأننا يا أبي ؟
.. وانتهى الأمر ...كم مرة ينتهي أمرنا ؟ ..انتهى
الأمر . قاموا بواجبهم ! .. حاربوا ببنادق مكسورة
طائرات العدو ... وبعنا خواتم زوجاتنا ليصيدوا
العصافير يا ولدي ! .. هل سنبقى اذا ، هنا يا أبي
... هل كنت تحلم في يقظتي يا أبي ؟ .. قم سنرجع يا
ولدي ! " .
ووجدتني اردد " حاربوا ببنادق
مكسورة طائرات العدو " ، " قم سنرجع يا ولدي " ،
هذا ما قاله لي ابي يا شروق ، فلا نحن هزمنا ولا
هم انتصروا ، وقال : لاشوا العلم يا بني ، فكانت
النكبة ، بالعلم يعود التاريخ سيرته الأولى ،
وتغدو النكبة ذكرى ، ودليلا على ضرورة التزام
العلم ، وتحقيق السبق الحضاري على كل البشرية ..
بالعلم نتفوق .. وبالعلم نعيد أرضنا ، وبالعلم
نحرس أمننا ، فلا غير الأرض والعلم يا ولدي .
وحنت شروق رأسها نحوي وهي تقول :
وهذا الأب العقل الذي لم يجد ، في محيطه كله مدرسة
، ليتعلم القراءة والكتابة فيها .. أشاعوا الأمية
ليسيطروا ، ويقال كانت خلافة عثمانية ويتبعونها
ظلما للاسلام ، بكلمة اسلامية ، أليست ظروف ضياع
أرضنا ، وذبحنا ، نتاج سياساتهم ، لو اهتموا
بالعلم والعدل ، ما نزلت كل هذه الكوارث في أرضنا
، ولا جرؤ الغرباء على الاقتراب من برنا وبحرنا
.
وما كان مني ، الا أن أقررت لها ،
بعمق صدقها ، بقولي لها : ايه يا شروق ، فلا أبلغ
من صيحته ، " لماذا تركت الحصان وحيدا " ، واني
أود أن أقول لك ، بأني لما كنت أطوف بغلياني ،
بين همس المكان في وعيه، وصراخ الجراحات في
وجدانه ، انما كنت اتحول بين قصيدة والتي تليها ،
الى الحريق الذي يرى بعينيه من كانوا سببا في
مأساته ، وأحسست بالفعل ، بأني استحيل الى
المستحيل .. الى بركان ، وأنا أقرأ في قصيدته ، "
أبد الصبار " : " يا بني تذكر ! هنا صلب
الانجليز .. أباك على شوك صبارة ليلتين .. ولم
يعترف أبدا ، سوف تكبر يا .. ابني ، وتروي لمن
يرثون بنادقهم .. سيرة الدم الذي فوق الحديد .. "
، كانت تلك كلمات أبي لي ، فلقد أطبق الجنود
الانجليز على أم الفحم ، وجمعوا رجالها عند مدخل
القرية ، عند حي الكينا ، وكان أبي الوحيد الذي لم
يعترف بوجود سلاح معه ، فانتزعوا ملابسه عنه ،
أبقوه عاريا ، وراحوا يضربونه بأعقاب البنادق ،
أمام الناس كلهم ، ولم يقر بوجود سلاحه ، وظل
الضرب مستمرا حتى أغمي عليه ، ثم أمر القائد
الانجليزي واسمه مورتون ( قائد منطقة جنين آنذاك )
، بحمل أبي وهو عار ومغمى عليه ، والقائه في
الصبار ، وبقي أبي يومين في داخل الصبار الذي كان
كثيرا في ذلك المكان ، وقد شاع في القرية أن أبي
مات ، وسارع الناس ، بعد مغادرة الانجليز الى
انتشال ابي ، من بين أنياب الصبار ، وما من أحد ظن
، بأنه سوف يبقى حيا ، ويطول به العمر ، وتمر
عشرات السنين ، وتأتي باحثة من بريطانيا ، تبحث في
حقائق سيرة الانجليز في منطقة أم الفحم ، ويحدثها
أبي تفصيلا بما جرى ، وما حل به من عصف ، ويريها
ظهره ويديه ، فأشواك الصبار أبقت آثارها على جلده
وفي لحمه ، وعادت الباحثة الى بلادها ، على وعد
منها أن تعود ، وعادت بعد شهور ، وأسمعت أبي صوتا
يذكر اسمه بالانجليزية ، وضحك ، قال انه هو ،
قالت نعم ولم يزل يذكر اسمك .