|
مدفع
رمضان .. تراث وذكريات
د . لطفي زغلول - نابلس /
فلسطين
يعتبر مدفع رمضان أحد الرموز المرتبطة ارتباطا
وثيقا بالشهر الفضيل رمضان . وهو أسلوب يهدف إلى
تحديد موعد الإفطار ، وإخبار عامة الصائمين عن هذا
الوقت . وقد أصبح تقليدا متبعا في كثير من الأقطار
الإسلامية ، يتولى أمره جيوش البلدان الإسلامية
بإطلاق قذيفة صوتية عند مغيب الشمس معلنة بذلك
انتهاء صوم يوم من أيام شهر رمضان المبارك .
تشير الوقائع التاريخية إلى أن المسلمين في شهر
رمضان المبارك ، كانوا في أيام الرسول عليه السلام
يأكلون ويشربون من غروب الشمس حتى النوم . وعندما
بدأ المسلمون باستخدام الأذان الذي اشتهر بأدائه
بلال الحبشي رضي الله عنه ، أصبح أذان المغرب هو
الحد الفاصل ما بين الصوم والإفطار .
وعلى مدى التاريخ الإسلامي – ومع اتساع رقعة
العالم الإسلامي جراء انتشار الإسلام – كان
المسلمون جادين في التفكير لاستحداث وسائل إلى
جانب الأذان بغية تحديد موعد الإفطار ، إلى أن ظهر
مدفع الإفطار الذي اعتمدوه منذ ظهوره إلى الآن .
وفي هذا الصدد سوف يتناول حديثنا ثلاث حكايات عن
مدفع رمضان . وبداية هناك عدة روايات حول أصل هذا
المدفع. إلا أن الثابت منها والأكثر موثوقية في
هذا الصدد ما ترويه لنا الوقائع التاريخية أن
السلطان المملوكي " خوش قدم " حاكم مصر ، كان
مولعا بالمدافع . وفي أحد الأيام منذ حوالي خمسة
قرون ، كان يجرب مدفعا أهدي له من أحد ولاته ،
وقد صادف تجريبه أول يوم من أيام رمضان عام 865
للهجرة ، وتحديدا عند أذان المغرب ، أي ساعة
الإفطار الأمر الذي جعل الناس يظنون أن السلطان قد
تعمد إطلاق المدفع لتنبيه الصائمين في مدينة
القاهرة إلى أن موعد الإفطار قد حان . سر أهل
القاهرة سرورا عظيما ظانين أن السلطان خوش قدم قد
تعمد إطلاق هذا المدفع ليشعرهم أن موعد الإفطار قد
حان .
وبعد الإفطار خرجت جموع الأهالي إلى مقر الحكم
لشكر السلطان على هذه المبادرة الطيبة ، والبدعة
الحسنة التي ابتدعها . وعندما رأى السلطان سرور
الناس من بدعته ، قرر المضي بإطلاق المدفع كل يوم
إذانا بموعد الإفطار . ثم إنه أضاف فيما بعد إطلاق
مدفعي السحور والإمساك . وهكذا فإن القاهرة كانت
أول مدينة إسلامية ينطلق فيها مدفع رمضان . وهكذا
ومنذ ذلك الحين تناقلت هذه البدعة كثير من البلدان
الإسلامية .
وثانية هذه الحكايات تخص عاصمة إسلامية ثانية هي
بيروت . فقد خصصت الدولة العثمانية أيام كان
ابراهيم باشا واليا على بلاد الشام مدفعا في بيروت
، وعينت له " مدفعجيا " مهمته إثبات رؤية هلال
رمضان ، وإعلان وقت الإفطار والسحور والإمساك ،
وأوقات الصلوات الخمس ، وكذلك ثبوت رؤية هلال عيد
الفطر السعيد ، وعيد الأضحى المبارك . كان يتم
إطلاق المدفع مساء يوم التاسع والعشرين من شهر
شعبان إذا ثبتت رؤية هلال رضان ، وإلا كان يطلق
عصر الثلاثين منه . وكانت تطلق إحدى وعشرون طلقة
تبشيرا وإجلالا بقدوم الشهر المبارك . ويشرف على
هذا المدفع ميقاتي اشتقت منه عائلة الميقاتي في
لبنان .
وأما الحكاية الثالثة فهي من مدينة نابلس . كان
الظن أن مدفع رمضان يعود تاريخه إلى العهد الفاطمي
، وقد يكون الأمر كله إضافة عفوية إلى العادات
والتقاليد الفاطمية . وحقيقة الأمر أن مدينة نابلس
عربية إسلامية سنية المذهب ، إلا أن كثيرا من
عاداتها الرمضانية هي فاطمية شيعية . لقد حكم
الفاطميون مدينة نابلس ، ومن هنا يمكن القول إن
نابلس فاطمية التراث والعادات والتقاليد ، وتحديدا
فيما يخص المناسبات الدينية ، ومثالا لا حصرا
الإحتفالات في رأس السنة الهجرية ، والمولد النبوي
الشريف ، وليلة الخامس عشر من شعبان ، وإحياء
ليالي رمضان " السوق نازل " وغيرها . وأما مدفع
رمضان فليس للفاطميين فيه ما يخصهم ، ذلك أن
البارود لم يكن معروفا في زمنهم .
وعلى ما أذكر كان مدفع رمضان القديم عثمانيا .
وفيما بعد وفي أثناء الإنتداب البريطاني على
فلسطين حل محله مدفع آخر من مخلفات الحرب العالمية
الثانية كان يستخدمه الجيش البريطاني ، وقد عدل
ليستخدم البارود والشرائط بدل القذائف .
يشغل مدفع رمضان مساحة كبيرة من الذاكرة النابلسية
، وصورة رمضان والعيدين لا تكتمل إلا به . كان
مدفع رمضان النابلسي تابعا لبلدية نابلس . وقد
عينت البلدية قيمين عليه لإعداده ولحشوه ودكه
وإطلاقه . وهو في العادة يستخدم الشرائط والبارود
. إلا أنه وفي أثناء الحكم العسكري الإسرائيلي ،
وقبل مجيء السلطة الفلسطينية ، دأبت سلطات
الإحتلال على تسليم المسؤول عن إطلاق المدفع ما
يلزمه من مادة بارود على شكل أقساط يومية ، وقبل
الإفطار بفترة وجيزة على اعتبار أن البارود مادة
أمنية . وعند اندلاع الإنتفاضة الأولى في العام
1987 منعت السلطات العسكرية الإسرائيلة استخدام
مادة البارود التي بدونها لا يعمل مدفع رمضان ،
فقبع في مخزنه صامتا حزينا .
لقد حزن النابلسيون كبارا وصغارا ، شيوخا ونساء
كثيرا على غياب مدفع رمضان من الساحة ، وقد وصف
الكثيرون رمضان بلا مدفعه بأنه كئيب حزين . واليوم
فإن مدفع رمضان موجود ولكن في مستودعات البلدية
صامت وحزين ، وكيف لا وهو تاريخ وتراث تناقلته
الأجيال من الأبناء عن الآباء عن الأجداد .
وهو أيضا ما زال في الذاكرة الشعبية التي لا تغيب
ولا تنطفىء . ولو أن له لسانا لحكى وحكى الكثير من
ذكرياته ، ولتباهى أنه كان عنصر بهجة وسرور وفرح
للناس كبيرهم قبل صغيرهم . لقد جعل لرمضان
والأعياد مذاقا آخر خاصا يتحسر على فقدانه أولئك
الذين عايشوه وعاصروه ، وحرما منه جراء ممارسات
الإحتلال الإسرائيلي المعادية والقمعية القهرية .
ولو أن له يدا لفتح آلاف ألبومات صور أولئك
المعجبين به والذين وقفوا إلى جانبه وتصوروا معه
من أهالي نابلس وقراها ومخيماتها ، ومن المدن
الفلسطينية الأخرى ، ومن السواح الأجانب .
كانت عملية إطلاق مدفع رمضان لها طقوسها . فقبل
حوالي نصف ساعة من إطلاقه يحضر الموظف المسؤول
إلى الساحة المتواجد فيها . وقد اعتاد الكثير من
الأطفال وحتى الكبار والأهالي أن يتجمعوا في ساحته
، وهناك الذين يقفون خلف شبابيك بيوتهم ليشهدوا
عملية الإطلاق التي كانوا يقابلونها بالهتاف
والتصفيق والتصفير . وهكذا الحال طوال الشهر
الفضيل . وأما عيد الفطر السيعد وفي حال ثبوت رؤية
هلاله في مساء التاسع والعشرين من رمضان ، فقد كان
المدفع يطلق سبع طلقات ، وإذا لم يثبت يطلق هذه
الطلقات عصر يوم الثلاثين منه . وفي صبيحة اليوم
الأول من عيد الفطر السعيد كان يطلق سبع طلقات
ابتهاجا وترحيبا مبشرا بقدوم العيد السعيد . وكان
يطلق طلقة واحدة عند أذان كل موعد صلاة في أيامه
الثلاثة . وتتكرر هذه العملية في أيام عيد الأضحى
المبارك بدءا بوقفة العيد وفي أربعة أيامه .
لمدفع رمضان ذكريات حميمة لدى أجيال وأجيال عاصرت
أيامه ، لا تمحي من الذاكرة . وفي أيامنا الحالية
، ونظرا لترسخ مدفع رمضان في الذاكرة ، أخذت محطات
التلفزة في استخدام مدافع إلكترونية ، تطلق
طلقاتها عند أذان المغرب . ويظل مدفع رمضان
الحقيقي له وقع آخر في نفوس الصائمين .
|