عندما نتكلّمُ عن (صناعةِ
الشِّعر)، ندري أنّنا نفتّشُ بينَ طيّاتِ المعنى،
كي نُبرزَ مفاتنَ القصيدةِ مِن بديعِ الكلام،
والصّورِ الشّعريّةِ، والتّناغم، والتّنافر
والتقارب. وفي قصيدةِ الشّاعرة آمال "حوريّةٌ
تقتاتُ مِن ضِرع النّجوم"، العنوانُ كدلالةٍ،
يأبى إلاّ أن يسموَ إلى لحظةِ التوهّجِ الحقيقيّةِ
في حياكةِ اللّغة، لتُعربدَ الكلمةُ وتعتلي ظهْرَ
نجمةٍ، فمِنَ الجسدِ الرّاسخِ المُتجذّرِ في
الأرضِ، تخرجُ حوريّةُ البحرِ، لتقتاتَ مِن ضِرع
النّجومِ، إنّهُ الخُروجُ مِن الجسدِ بروحٍ تصعدُ
نحوَ الرّبِّ لتغفرَ لها خطاياها:
" تهزجُ زغاريدُ الأحلام/
تزدانُ معابدُ الصّمتِ بنوافيرِ الاقترافِ"
وما بينَ نوازعِ الجسدِ
وطهارةِ الرّوحِ، تتأرجحُ ذاتُ الشّاعرةِ لتزدانَ
معابدُ الصّمتِ، والمعبدُ كرمزٍ لمكانِ الصّلاةِ
الذي يتجلّى فيهِ الإنسانُ مع نفسِهِ، في حالةٍ
مِن التأمّلِ بهذا الصّمتِ الذي يُجسّدُ صورةً
للخشوعِ في هذا المكان.
تنتقلُ إلى نوافيرِ
الاقترافِ، وهنا أراها تُحضّرُ نفسَها، لتتخطّى
لغةَ الرّوح إلى لغةِ الجسدِ، حيثُ اقتراف
الخطيئة:
"تختلسُ زيتَ قناديلي
النّاعسةِ/ تُسرِجُ فتيلَ اللّيالي بضوءِ اعتراف/
يتنسّكُ على مشارفِ الغفرانِ"
لقد دهشتُ فعلاً بالعنوانِ
وتوظيفِ المُفرداتِ مثلَ
"تقتات من ضرع النجوم"!
والضِّرعُ بكَسرِ الضّاء
جمْعُهُ ضُروع، وجاءَ على صيغةِ الفِعلِ التي
تدلُّ على الحال، أو الاستقبال، ويُزادُ فيها على
أوّلِ صيغةِ الماضي أحدُ أحرف (أنيت). قيل ذلك
لمشاكلتِهِ الأسماءَ فيما يَلحقُهُ مِن الإعرابِ
كبرٌ مِن أبحُرِ الشّعر، سُميّ بذلك، لأنّهُ ضارع
المُجتثّ، وأضرعَ أو أضرعتِ الشّاة، أي نبت
ضِرعُها أو عَظُمَ، فهي ضَرعاءُ وضَروع وضَريع
وضريعة، والمعنى، نزَلَ لبنُها قُبيلَ النّتاجِ.
ويتّضحُ المعنى الدّلاليِّ في توظيفِ الشّاعرة، إذ
إنّ الضُّروعَ هي مَدرُّ اللّبنِ للشّاة، وهنا
صورةٌ جماليّةٌ مجسِّدة لثديِ المرأة الذي التجأتْ
إليه آمال لتقتاتَ منه، وهنا، ملامسةُ ثدي
السّماء، كأنّهُ ثديُ امرأةٍ يلفُّ حنينَ الشّاعرة
واحتياجَها إلى مكانٍ آخر، يُدِرُّ عليها حليبَ
الطّفولةِ، هناكَ في السّماءِ وليسَ على الأرض
........!
الزّغاريدُ تختلسُ مِن زيتِ
أيّامِها، لتُضيءَ عتمةَ اللّيالي، إنّهُ ضوءُ
الاعترافِ الّذي يَتسلّلُ إلى روحِ الشّاعرةِ،
فيجعلُها تتنسّكُ في تماهٍ، وتَوَحُّدٍ مع نقاءٍ
وطهارةٍ، بهذهِ الصّورة الشّعريّةِ أدْلتْ
باعترافِها، ليغفرَ لها الرّبّ..
وجدتُ تنافرًا في الألفاظِ،
وتقارُبًا بينَ المعبدِ والخطيئةِ، وهذا أضافَ إلى
النّصِّ الفاصلَ الزّمنيِّ ما بينَ التّباعدِ
والتقاربِ.
وتستمرُّ بقولها،
"وأنتَ/ تَظلُّ نبْعَ معصيتي"
مِن روحِها البتولِ بجسدِها
المُشتهى ونوازعِهِ يبقى هو المعصيةُ، ولا أحدَ
سواهُ، وحينَ يُزبدُ الاشتهاءُ، فلا مجالَ مِن
إنقاذِ النّفسِ مِن خطاياها فتتساءلُ:
ألا تُنقذُنا أمواجُ براءةٍ
مِن خطايانا/ ألا تَرحمُ بقايانا، نواقيسُ مِن
ألق؟
هذا التّخبّطُ، هو الصّوتُ
في القصيدةِ، صوتٌ أقربُ إلى النّدمِ منه إلى
الحزنِ، لطلبِ الرّحمةِ!
في لحظاتِ الاعترافِ
تتوشّحُ الشّاعرةُ بوشاحِ الأماني، وشاح مِن
زقزقةِ العصافيرِ المُغرّدةِ هي أمانيها،
العصافيرُ الفاردةُ أجنحتَها فوقَ جِسرٍ مِن
لقاءٍ، لكنّهُ لقاءٌ على حواشي المدى/ على حافة
العمر، فتقول: