|
شعر عربي | شعر إنجليزي | شعر صيني | شعر عالمي | صوت الشعر | قصيدة النثر العربية | قصة | مقالات | قراءات نقدية | لقاءات | ملف الحداثة | أنشطة | صحافة | منتدى الندوة | عن الندوة |
|
شوقي يوسف بهنام - مدرس مساعد / جامعة الموصل
ما هي أوجه الشبه بين ( بروميثيوس ) وبين البياتي ؟ كلنا يعلم ملحمة أو أسطورة سرقة النار من الآلهة وإعطائها لبني البشر .. ويمثل ( بروميثيوس ) بطلا لها . وحتى لا نصادر القارئ بمعرفتنا لهذه الأسطورة ، سننقل وصفا لها كما ورد في بعض المصادر التي تيسرت لنا . يقول صاحبا معجم الأساطير عن هذا البطل ما يلي ( بروميثيوس Promtheus ابن الطيطان لابيتوس من الأوقيانوسة كليمني ، اسمه يعني " الفكر المتقدم " شقيق أطلس وابيمثيوس ومينوتيوس . عندما عهد إلى ( بروميثيوس ) و( أبيميثيوس ) بخلق البشرية والحيوانات ، صنعا البشرية من طين وماء على شاكلة الآلهة . منح ( ابيثيموس ) الحيوانات الأخرى كل ما يملكه الإنسان ، فعمد ( بروميثيوس ) إلى منح الإنسان النار حتى يتفوق على الحيوانات . تبنى ( بروميثيوس ) قضية الإنسان ضد الآلهة . ولذلك انتزع ( زيوس ) النار من الإنسان . لكن ( بروميثيوس ) قام بسرقة النار من السماء في قصبة وأعادها إلى الناس . طلب (زيوس ) اثر ذلك من ( هيفيستوس ) أن يصنع باندورا كعقاب للإنسان . وكبل ( زيوس ) (بروميثيوس ) على صخرة في جبل ، وجعل نسرا يلتهم كبده كل يوم . مر به (هرقل )وأنقذه من ربقته . و ( بروميثيوس ) هو الذي نبه ابنه ( ديوكاليون ) و ( بيرها ) إلى ضرورة بناء فلك للتغلب على الطوفان . يعتبر ( بروميثيوس ) واهب الفكر العميق والحكمة ) (1 ) . هذا هو المحور العام للأسطورة . هناك ، كما يمكن لنا ان نلاحظه ، مؤامرة ، لحساب الإنسان ضد الإله ( زيوس ) وبطل المؤامرة هو ( بروميثيوس ) . بهذا المعنى تكون الأسطورة تلبية لحاجة بشرية . وهي الحاجة إلى النار . و لا شأن لنا ، هنا ، في الدخول في حيثيات دوافع هذه الحاجة . وإذا كان ( بروميثيوس ) بطل الأسطورة قد قدم خدمة للجنس البشري ، إلا انه في نظر الإله هو الابن العاق الذي كسر وصية ذلك الإله . وعوقب ( بروميثيوس ) بعقوبة أبديه . والأسطورة عموما تمثل صراع الإنسان مع الآلهة . وبطل الأسطورة هو الذي توسط هذا الصراع . من هنا كانت محاولة شاعرنا .. البياتي لكي يضع وصفا لمأساة هذا البطل ، ذلك الوصف هو سيرة هذا البطل السارق . ان لهذا السارق انشغالات ، فهو ليس سارق بحصر المعنى .. انه سارق نبيل .. بل انه السارق الأنبل على الإطلاق . .. البياتي معجب بهذا السارق وبانشغالاته .. انشغالاته ليست ذاتية .. اعني انها لا تمت إلى النرجسية . هذا ما يوحي للدارس للوهلة الأولى . ولكن نظرة فاحصة لهذه الانشغالات تكشف لنا عن قضية خطيرة ومهمة . فعلاوة على الأساس الأوديبي بين علاقة ( زيوس ) الأب و(بروميثيوس ) الابن ، فهناك (2) إحساس لدى الابن بظلم الأب . ويتجلى هذا الظلم بالحيازة المطلقة للنار. لدى شاعرنا الإحساس ذاته .. انه يعتقد ان في الكون فوضى .. ومن ثم فلا عدالة هناك .. وبهذا المعنى يكون البياتي برموميثيوس القرن العشرين .. أليس في هذا الإحساس شيئ من النرجسية ؟؟ . بلى هو النرجسية بعينها .. وتتجلى هذه النرجسية في ان بروميثيوس يعتبر واهب الفكر العميق والحكمة . هل يرى البياتي ذاته بمثل هذا المنظور ؟؟ وهذا سوف يقودنا إلى علاقة الشاعر بعالمه والتاريخ الذي يجري بداخله .. وحتى لا نسبق الأحداث وحتى لا يتهمنا القارئ بمصادرة مخيلته . دعونا نقرأ هذه القصيدة .. أعني هذه السيرة . السيرة في مقطعين . سنبدأ بالأول منهما . يقول البياتي في المقطع الأول :- اللغة الصلعاء كانت تضع البيان والبديع فوق رأسها " باروكة " وترتدي الجناس والطباق في أروقة الملوك في عصر الفضاء ــ السفن الكونية ـ الثورات كان شعراء الكدية الخصيان في عواصم الشرق على البطون ، في الأقفاص يزحفون
( ديوان عبد الوهاب البياتي ، مجلد 3 ، ص 371 ) ************* نحن معنيون بالجوانب النفسية ... اعني بالاتجاهات والانفعالات والمشاعر التي يحمـُلها الشاعر للمفردة . الجوانب الأخرى للمفردة لا تعنينا ، بصورة أو بأخرى .. موقف البياتي .. موقف اللائم والغاضب ولكن ليس بحاقد .. أنه يتهم اللغة بأنها صلعاء .. ماذا يريد أن يقوله الشاعر بهذا التعبير ؟ اللغة نسق إشاري وظيفتها الأساسية التعبير والتواصل بين الأنا والأنت . الخلل الذي يصيب هذا النسق يؤدي إلى عطب هذه الوظيفة .. فتعم عندها الفوضى والتشويش وتنتشر العزلة والاغتراب بين الذوات .. إذن بين البياتي ولغة عصره فجوة لم يتمكن كل منهما عبورها للوصول إلى الآخر .. هنا بوادر العلاقة بين البياتي وبروميثيوس .. بروميثيوس كما يقول ( أيسلن ) كان شابا وليس معجبا كثيرا بزيوس . ومع انه يعرف أن سيد السماء العظيم يكره الأسئلة المبسطة ، فإنه لم يتوان إرهاقه بما يريد ان يعرف (3) . بهذا المعنى يكون بروميثيوس صاحب السؤال المعذب .. وهاهو شاعرنا البياتي هو الآخر يشكو من صلعة اللغة .. وصورة هذه اللغة الصلعاء لا تحتاج إلى وقوف طويل .. فالباروكة المكونة من البيان والبديع دلالة على زيف اللغة وبهتان منطقها وضحالة تجلياتها ... فرسانها الأدعياء هم أيضا يرتدون باروكة الكدية . أنهم مأجورون .. هكذا يتابع البياتي .. أو قل بروميثيوس في وصف أحوالهم :- ينمو القملَ ـ الطحلب في أشعارهم ، وشعراء الحلم المأجور في الأبراج كانوا بالمساحيق وبالدهان يخفون شحوب ربة الشعر التي تشيخ ‘ فوق قمة " الأولمب " كانوا يسرقون غارها الذابل في المتاحف ــ المزابل ــ النصوص كانوا يجمعون ورق الخريف من مقابر المدارس الشعرية الدارسة . الخصيان كانوا يمدحون الخدم ـ الملوك في الأقفاص
( المرجع السابق ، ص 372 ) ****************** ثورة البياتي إذن هي ثورة على الشعر ولغته وصوره ورمزياته كما هي سائدة في عصره . هذا الشعر الذي شوه وأخفى أحزان وشحوب ربة الشعر فوق قمم الاولمب . ان البياتي .. هنا .. يريد شعرا من نمط جديد .. هنا نفــَس من الرفض والتمرد وقد لا يكون الشعر إلا رمزا لمجالات هذا الرفض أو ذاك من صور التمرد . ليس لدى الشاعر من سلاح غير الكلمة .. والكلمة هي أساس بناء الشعر . فالشعر ، بهذا المعنى ، هو سلاح الشاعر للمواجهة أو للدفاع . و لا أعني بالشعر ، هنا ، شكله أو بناءه . البياتي ، هنا ، يركز على الشعر ويتمرد على مدارسه الدارسة ومناهجها . ولكنه في الواقع يرفض كل لغة العصر .. كل همومه .. كل إشكاليته . البياتي ، هنا ، شاعر يعيش أزمنة نحو التاريخ . التاريخ في نظره يحتاج إلى قلب .. مثلما قلب ماركس من قبل جدل هيجل .. وأعاده ، كما يرى ، إلى مساره الصحيح . ومن ثم فهنا إعجاب بالذات لأنه يعيش إنعطافة ..أو هكذا يعتقد .. في التاريخ .. ليس فقط إنعطافة .. بل أوجاع على عتبات الولادة . ولادة لعصر جديد . لنرى كيف يسرد البياتي هذه الولادة .. ظهور بروميثيوس العصر الجديد .. أعني البياتي . يقول الشاعر :- كان سارق النار مع الفصول يأتي حاملا وصية الأزمنة ــ الأنهار ، يأتي رائيا : يهمس في سباق خيل البشر الفانيين في توهج الأرض التي حل بها ــ بالرجل الشمس ، وبالقيثارة المرأة ِ حرين من الأغلال ِ ، يستبصر أمواج التواريخ وأحزان سلالات الطيور ــ الحجر ــ الموتى ، على بردية يكتب أسماء أميرات " بخارى " حاملا ً وصية البحر إلى الطفولة ــ المساجد ــ الأسواق .
( المرجع السابق ، ص 372ـ 373 ) ******************** تلك إذن هي كيفية مجيئ هذا السارق .. السارق جاء .. ووقف هذا السرد الوصفي ، بهالة المخلص المنتظر الذي تنتظره الأرض المكبلة بالأغلال . الصورة تقترب كثيرا من الأسطورة التي تصف كيف ان بروميثيوس أنقذ البشرية من ظلامها الدامس . أن هذا السارق ، والذي تمثل به البياتي عبر خطابه الذي تبناه ، يرسم صورة إجمالية لحركة التاريخ قبل المجئ .. أعني مجيئه هو .. ومن المؤكد ، أن هذه الصورة هي صورة مأساوية لعالم ، كما يرى البياتي ، يعاني الاحتضار .. والبياتي اختصر كل عذابات العالم ، عندما قال هذا السارق : استبصر أمواج التواريخ وأحزان سلالات ***************** إذن لم نتجنى على الشاعر عندما قلنا عن عالمه أنه عالم مأساوي . ويغلف البياتي صورة هذا السارق بغلاف أسطوري بحيث يجعلنا ان نربط قصيدته بسيرة " بروميثيوس " في بعدها الأسطوري عندما يؤكد ان السارق جاء من وراء البحار حاملا وصيته إلى الطفولة وكل عوالمها .. ترى ماذا قال السارق للشاعر عن تلك الوصية ؟؟ وبتعبير ادق ماذا يريد البياتي نفسه أن يقوله في وصيته هذه ؟ يقول الشاعر :- قال ، وهو في معطفه الطويل ِ كالمسلة المصرية ــ النخلة في " الكونكورد " هل دخلت من نافذة الفجر إلى قلبي ؟ ومن أعطاك حق النوم والترحال والبحث عن الأسوار في مدينة العشق ِ ؟ ( المرجع السابق ، ص 373 ) ***************** السارق .. هذا الذي جاء من وراء البحار حاملا معه سره الكبير .. اعني الوصية ، لكي يغسل وجه التاريخ .. مثلما فعل نوح .. وكل الذين لا يقتنعون بحركة التاريخ كما هي .. اعني كما هي معاشة .. هذا السارق جاء بمعطفه الطويل .. أليست مفارقة هذه التي يقدمها لنا البياتي .. هنا ؟؟ هل من المعقول ان يكون هذا السارق قد جاء بهذه الصورة ؟؟ نعتقد ان صاحب المعطف الطويل هذا هو البياتي نفسه .. وهو شاعر محكوم عليه .. بل مقدر عليه أن يكون غريبا وكثير الترحال ويبحث عن الأسوار في مدينة العشق . مدينة العشق لا أسوار لها .. لا نهاية لها .. هل التاريخ الذي جاء لكي يغسل وجهه هو تاريخ هذه المدينة .. اعني تاريخ مدينة العشق ؟؟؟ . سوف نرى ، في مقطع لاحق ، كيف ان البياتي لا يبحث في هذه المدينة عن الأسوار .. بل عن الله . هذا الموجود الذي شغل ويشغل كل الذين وقفوا امام الوجود .. حيارى وقد أتعبهم السؤال . وها هو البياتي .. هنا يحمل راية هؤلاء .. هذا السارق ذو المعطف الطويل وربما ذو اللون الأسود ، كان موجودا في باريس .. هنا مفارقة أخرى يقع فيها البياتي . هذا الذي جاء يحمل وصية البحر ، رآه البياتي شاحب الوجه في مطار باريس .. نعتقد ان هذه الصورة هي من رسم الشاعر لنفسه أو عنها . لنقرأ المزيد من هذه الصورة . يقول الشاعر :- رأيت‘ وجهه الشاحب في مطار " باريس " بكيت‘ عندما ودعني للمرة الأخيرة الخصيان كانوا يمدحون الخدم ــ الملوك في الأقفاص كان سارق النار على البار ِ ، يغني للعصافير التي أنهكها التجوال في حدائق الثلج ِ ، وكنت‘ متعبا ، أقاوم‘ النوم َ الذي يهبط من سلالم الليل مع الدخان والأمطار . قال : نشرب ، الليلة نخب هذه الأميرة الشاعرة المنفية ِ . ( المرجع السابق ، ص 273 ـ 274 ) ***************** اللقاء الأول بين الاثنين إذن كان في مطار باريس . كل منهما قد جاء من بلاد بعيدة . كل منهما أنهكه التعب .. تعب الترحال والتجوال .. لا استقرار في حياتهما .. نعتقد ان هناك مفارقة في هذا المقطع . البياتي بكى عندما ودعه سارق النار في المطار . وفي الوقت نفسه رآه في البار جالسا يشرب . موقف الوداع والبكاء للمرة الأخيرة لا يتفق مع رؤية الشاعر لسارق النار في البار. هذا يدفعنا ، وبقوة ، إلى الاعتقاد ان الاثنين هما شخص واحد . احدهما ظل للآخر . وبتعبير أدق شخص واحد بدورين أو صوتين . إحزان البياتي وطموحاته في المنفى .. كلها تتجلى هنا . من المؤكد ان البياتي كان قي البار يغني للعصافير .. والعصافير ، كما يبدو لنا ، ترمز لكل المتعبين في العالم . هذا ما يدعونا إلى التصريح بأن البياتي يعتبر نفسه العصفور الأول (1) في سرب هذه العصافير التي أنهكها التجول في حدائق الثلج .. أي في حدائق البؤس والشقاء والعذاب . ينتقل البياتي من رصد الملامح النفسية لسارق النار إلى رصد حالاته النفسية هو من الداخل . وكأني به يريد ان يقول أن معاناة سارق النار .. ما هي إلا معاناته هو .. وحتى يتخلص كل منهما مما لديه من معاناة .. دعاه سارق إلى شرب نخب هذه الأميرة الشاعرة المنفية . لم يحدثنا البياتي كثيرا عن هوية هذه المرأة . ربما تكون واحدة من فارسات أحلام الشاعر التي لم يحض َ بها بعد . نعم دعاه إلى الشرب .. بعد تقلب وعدم استقرار في النوم في ذلك اليوم . هما في البار الآن . لنرى كيف كان الجو خارج البار والأجواء داخل البار . . يستمر البياتي في سرد الأحداث .. ليقول :- الأمطار كانت تغسل الأشجار والجراح والسطوح موسيقى كمان العازف الروسي في زاوية البار ، رأيت‘ : مدن الطفولة البيضاء في ألحانها وأنهر الجليد في الأورال ( المرجع السابق 374 ) ********************* كل القرائن والإشارات تدل على ان البار روسي والمكان مدينة في روسيا .. روسيا هذا الحلم الجميل الذي تمناه شعراء كثيرون . الشعراء الذين يؤمنون بأفكار روسيا . روسيا كانت الجنة إذن . وقد عبر البياتي عن هذه الجنة بمدن الطفولة البيضاء للدلالة إلى تلك الجنة الوليدة ( المجتمع اللاطبقي المنشود ) وهي تنتعش بإيقاع ذلك العازف الذي يعزف للمستقبل . أنها لحظة استرخاء لكل من سارق النار والبياتي . كل يجتر أحزانه .. كل يستحضر تاريخه . لقد اخذ النبيذ الروسي ( الفوتكا ) مأخذه منهما . فكانت القهقهات والضحكات والآهات والدموع معا .. وأخيرا وضع كل منهما يده بيد الآخر وأقسما . القسَم swear دلالة من دلالات وحدة الخطاب وإشارة إلى الانتماء إلى ذلك الخطاب . لنرى ما هو ذلك القسم المقدس بين الأثنين :- أقسمنا معا : بالرجل الشمس ، وبالقيثارة المرأة ِ ( المرجع السابق ، ص 374 ) ******************* ذلك إذن هو القسم الذي أقسمه كل من بروميثيوس والبياتي . وهو يرمز ، في ما نرى ، إلى فرادة الحياة المعاشة .. حيث لا وجود للغيبيات في سمائها و لا شقاء في أرضها . ما أن انتهى الرجلان من ترديد القسم !! انطلقت الأميرة الحسناء بالضحك والقهقهة . نميل إلى الظن أن هذا الضحك إنما هو إشارة إلى السخرية والازدراء من قسم الرجلين . والدليل على هذه السخرية هو ذلك السؤال الذي تتمحور عليه كل عذابات الرجلين . لقد اقسما معا بذلك القسم المقدس وشربا نخبه وكان قرارهما : هو البحث عن معنى الحياة وبناء حياة جديدة . تلك الحياة التي رأى البياتي بواكيرها في مدن الطفولة البيضاء !! . في روسيا أمل كل عمال العالم !! فجاء سؤال الأميرة : من أعطاك حق البحث في مدينة العشق عن الله؟ وعن نافورة تبكي ؟ ( المرجع السابق ، ص 374 ) ******************** كان سارق النار ومعه البياتي قد واجها في ما مضى سؤالا اعترض طريقهما أو يتعبير أدق تجوالهما إلا وهو :- من أعطاك حق النوم والترحال والبحث عن الأسوار في مدينة العشق ؟ **************** وها هو السؤال الثاني يباغت كل منهما . مدينة العشق لا حدود لها .. حيث لا أسرار لها .. إذن بحثك عن الأسوار محال .. بل وهم كبير .. مدينة العشق هي مدينة رجل الشمس والقيثارة المرأة .. فإذا كان بحثك عن أسوار مدينة العشق هو محال ووهم فما بالك لو كنتَ تبحث عن إله المدينة وعن نافورتها الباكية ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ .انه لكذلك أيضا . لا أريد الدخول في قضية البحث عن الله عند البياتي .. هذه القضية ، تبدو لي ، أنها بلا معنى وذلك لأن الشاعر يؤمن بخطاب لا مكان لله فيه . تبقى مسألة النافورة الباكية ، فهي في تقديرنا إشارة إلى الألم والحزن المستديم في التاريخ ، لأن النافورة تستخدم لأغراض جمالية معروفة .. لا شأن لنا بتفاصيلها . وعند هذه الصورة يعود البياتي إلى الملامح التي رسمها عن السارق . هذه الملامح لا تعبر فقط عن الحزن .. بل وعن فقدان الأمل أيضا . :- رأيت‘ وجهه الشاحب في قرارة الكأس ، وكانت يده تمر فوق شعرها في دوامة الرقص وفوق الليل والجليد والدخان .. ( المرجع السابق ، ص 375 ) ********************** إذن تلك هي نهاية سارق النار في رحلته .. في نهايتها أو على الأقل في ذلك البار الروسي على وجه التحديد . هل شعر البياتي أنه هو الآخر سوف تكون له نفس النهاية ويقيم خيمته في ذلك البار أيضا وعلى هذا النحو . سوف نرى في القسم الثاني من هذه الرحلة أبعاد هذا السؤال . ملاحظة عامة أسوقها عن هذا الجزء هي تكرار الأفكار والصور والمفردات .. بل العبارات ذاتها . لنكمل إذن مسار سارق النار :- بحثت‘ من حان ٍ إلى حان ٍ ومن منفى إلى منفى عن الوجه الذي يحمله سارق نار الشعر من معابد الآلهة – الإنسان ، عن أميرة المنفى التي كنا وراء شعرها الأحمر في مدينة الطفولة – المعابد – الأسواق نجري لاهثين ، نشرب‘ الأنخاب َ ، والخصيان كانوا يمدحون الخدم – الملوك في الأقفاص وينمو القمل‘ – الطحلب في أشعارهم . كنا وراء شعرها الأحمر نروض الخيول في سهوب هذا الشرق من أعطاك هذا القمر الأخضر ؟ هل دخلت من نافذة الحزن إلى قلبي ؟ ( المرجع السابق ، ص 376-377 ) ********************** باستثناء البحث في الحانات ومن منفى إلى آخر ، عن وجه سارق نار الشعر . وهنا نقلة في تصور البياتي عن هوية هذا السارق . السارق في المقاطع كان سارقا للنار فحسب . ولكنه هنا أصبح سارقا لنار الشعر على وجه التحديد . إذن ليس هو بروميثيوس الأسطورة . ويبدو ان البياتي قد أدرك أخيرا أن هذا السارق .. يرتدي أقنعة كثيرة .. قناع لكل زمان .. قناع لكل مكان .. قناع لكل وضع . باستثناء هذا البحث ، فإن البياتي يقع في دائر التكرار تكرار للألفاظ والمفردات . وعلى وجه أدق تكرار الخطاب وتكرار المعنى . سمة العبث واللامعنى واضحة الدلالة هنا . وهذا يتجلى في عبارته : لاهثين ، نشرب الأنخاب ... |