|
د. جميل حمداوي - المغرب تمهيــــد: عرفت مدينة مراكش المغربية حركة شعرية نسائية منتعشة دؤوبة بفضل مجموعة من الشواعر المقتدرات اللواتي تركن بصماتهن في الساحة الشعرية المغربية بصفة خاصة والعربية بصفة عامة، ومنهن: مالكة العاصمي،وثريا إقبال،وحبيبة الصوفي، ودليله حياوي، وربيعة رغيب، ورجاء بنشمسي،وسلوى بنعزوز،ومنى عبد السلام لعرج، وإلهام زويريق. وإذا أخذنا الديوان الأول لشاعرة الحمراء إلهام زويريق " رغم أنف أبي" لمدارسته دلاليا وفنيا ، وتشريحه داخليا ومرجعيا، فإننا سنصل بلا ريب إلى نتيجة أساسية تتجلى في كون ديوان المبدعة ينطلق من نواة دلالية محورية تتمثل في " شعرية الثورة والتمرد" التي تستشرف الشاعرة عبر غربالها الفني والشاعري غدها المعسول، وتتصيد ملامح ضوء الحلم الكالح، وتقتنص بريق الحب المفقود، وذلك عبر جدلية الجبر والانعتاق ، وجدلية الألم والأمل ، و جدلية الظلمة والنور.
أصدرت إلهام زويريق ديوانها الشعري الأول تحت عنوان" رغم أنف أبي" عن دار وليلي بمراكش في طبعته الأولى سنة 2005م. ويضم ديوانها الشعري 72 صفحة و18 قصيدة شعرية. وقد جاء الديوان في حجم متوسط في طباعة زاهية أنيقة ضمن سلسلة أفروديت، وهي سلسلة دورية تعنى بالإبداع وطبع الكتب يسهر عليها الشاعر المراكشي القدير أحمد بلحاج آية وارهام. ويقع الديوان الشعري في الرتبة الثالثة من قائمة منشورات هذه السلسلة المتوالية. ويحمل الغلاف الخارجي صورة إلهام زويريق وهي تعتلي المنبر لتصدح بإحدى قصائدها الشعرية، وهي توجد إلى جوار صورة أبيها الشاعر الفحل في أدبنا المغربي الحديث في ابتسامته العارمة، وهي ابتسامة تشجيع وتحية لانطلاق ابنته في قرض الشعر ونظم سموطه الزاهية. أما مصمم لوحة الغلاف الخارجي فهو أخ الشاعرة فؤاد زويريق صاحب الموقع الرائع" الفوانيس" الذي عرّف بالأقلام المغربية والعربية في معارف وآداب وفنون شتى. وإلى جانب الهوامش التوثيقية المتعلقة بحيثيات النشر، نجد العنوان الخارجي يتخذ صيغة شبه جملة من جار ومجرور؛ لأن الصحيح هو" على الرغم من أنف أبي"، ويعقب التركيب الإضافي هذه الصيغة شبه الاسمية. وقد صيغ هذا التنميط العنواني على غرار معظم العناوين الخارجية التي تتزين بها الدواوين الشعرية التي تتبنى شعر الانكسار أو القصيدة النثرية أو قصيدة التفعيلة. ومن المعلوم أن العنونة الاسمية هي بدعة رومانسية ليس إلا. ويحيل العنوان الخارجي على التحدي وإصرار الشاعرة على الإبداع والانطلاق على الرغم من سلطة الأب على مستوى الأنا الأعلى الذي يوحي بالقهر الأبيسي. ويذيل الديوان بكلمات الغلاف الخارجي التي كتبتها نجاة الزباير وهي تشرح العنوان الخارجي التي أجملت دلالاته في التمرد والثورة وإعلان الولادة الحقيقية للشاعرة. وفيما يخص الإهداء، فإن الشاعرة تهدي باكورة أعمالها إلى أبيها الشاعر إسماعيل زويريق الشاعر الإسلامي الكبير الذي ألف مجموعة من الدواوين الشعرية في أشكال وأبنية عروضية وهيكلية شتى وهي تربو على العشرين، وبذلك يكون من أكثر المنتجين للمجموعات الشعرية في المغرب إلى جانب الشاعر المقتدر حسن الأمراني. هذا، وتعلن الشاعرة في مقطعها الشعري الإهدائي ضجرها من الصمت الثقيل ورغبتها في البوح على الرغم من قيود المجتمع والسلطة الأبيسية العربية. أي تريد الشاعرة أن تنفك من أغلال المضمر والمسكوت عنه، و تتحرر من الأحزان التي كانت تدك صدرها وتلجم لسانها. لذا، تطلب الشاعرة من أبيها الصفح والعفو، في نفس الوقت تطلب منه الضوء الأخضر لتزيل عنها كوابيس الصمت والقلق والوحدة والغربة الذاتية والمكانية. وبعد ذلك، تقدم رئيسة التحرير لسلسلة أفروديت نجاة الزباير تقديمها النقدي الوصفي لعنوان الديوان وقراءة مفاصله الشعرية الدلالية في خمس صفحات من الحجم المتوسط. وتتخذ العناوين الداخلية والفهرسية صيغة الجملة الاسمية الدالة على الإثبات والتأكيد والتقرير ، كما تحضر بعض العناوين الفعلية التي تحمل في طياتها عنف التوتر ودرامية الحركة. و تحضر كذلك بعض الصور التشكيلية الأيقونية التي تتمثل في: صورة الأنثى، وصورة العين المكبرة، وصورة العجوز، وصورة الطبيعة المشتتة. ويدل شحوب الوجه على الحيرة والتيه، بينما تؤشر العين على الجمال والتحديق العميق. أما لوحة العجوز فتحمل في طياتها مشاعر الحزن والقلق والانسياق وراء التأمل والشكوى والتفلسف. بيد أن الطبيعة تعبر عن غضبها وثورتها في صراعها مع الإنسان. وكل هذا له علاقة وطيدة إما عن قرب وإما عن بعد مع أحاسيس الشاعرة وانفعالاتها الوجدانية.
أ- المستوى الدلالي: تبدأ الشاعرة إلهام زويريق ديوانها الشعري الأول بالثورة والتمرد عن الوجود الأبيسي معلنة التحرر من سراديب الحزن والضيق واليأس، داعية إلى الانعتاق من قيود الجبر والصمت اللعين. وتذكرني المبدعة بالشاعر المغربي عبد الكريم بن ثابت الذي كتب قصيدة عن القيد، والذي يتحدى فيها سلطة المستعمر، ويجابه فيها كل قيود الحس والمادة والواقع معلنا رغبته الأكيدة في البوح والانطلاق إلى عالم صوفي ميتافيزيقي بعيدا عن الناس ومواضعاتهم البشرية الدنيا. وهكذا تبوح الشاعرة بصوتها المجهور رافضة قيودها التي كبلتها أياما وسنين، و حولتها إلى إنسانة مغتربة متآكلة منطوية على ذاتها ينخرها الحزن والملل والسكون. ومن هنا، تتسلح الشاعرة بلغة الثورة والتمرد والجهر المباح كما في قصيدتها الرائعة:" رغم أنف أبي": أحطم هذا القيد الذي يشل يدي شيئا فشيئا أتسلل من ثقل الزمان أعلن هذا الصباح الرحيل طويلا بعيدا عن التربة التي أنبتتني نوارة صبار بعيدا عن كل الأسوار التي أخفتني عن دفء النهار. قريبا من فارسي الآتي مع الموعد المستحيل فلم أعد يا أبي صغيرة على ركوب الخيل سأدبر أمري أهرب من أقفاص جائعة. اقترفتها المدينة ذات مساء في حق العصافير أدفن بين زهر الأقحوان نوارة قلبي أهدم جدار الصمت الرهيب أكتب بكحل المراود "خذيني أيتها الأيام إلى مشاتل اللؤلؤ إلى مملكة الشعراء""(ص:15-16). وتتوسل الشاعرة بخطاب السواد ولغة الحزن، وتنزف قلقا ويأسا بسبب عبث الحياة وتيه المشاعر وضلال الأشواق الحائرة. تذوب الشاعرة في ذاتها وتتوحد مع السراب والأحلام الواهمة والتباريح الكئيبة. وتندب الشاعرة حظها البئيس، وتنتحر في دواخلها المنخورة بالضياع والصمت الدفين كما يتجلى ذلك واضحا في قصيدتها البكائية "نزيف القلق": ما لسهام الزمان تنزف كبريائي ولاتداوي جراحي ترمي بحظي القليل في سلة التباريح تعبث بي تصرخ نوائح النحس في وجهي تخنقني أضيع عن الطريق أصرخ في وجه الليل القميء أيتها النجوم أما آن لي أن أطير(ص:20-21). وتستظل الشاعرة بأقبية الهزيمة والانكسار والسقوط بسبب كثرة الأحزان والمشاعر المترعة بالخيبة والفشل الذريع، وتتلذذ بالاحتضار والانتظار القاتل، وتثور على المعتقدات الموروثة التي تكبل الإنسان، وتجعله مجبورا على الانطواء والانكماش ومفطورا على الصمت والسكون الأبدي. وتثور الشاعرة أيضا على الأحلام المنكسرة التي تشتعل زيفا وأوهاما. وتلعن زمن الغياب الذي يعيش فيه الإنسان بلا جدوى وبلا ملاذ: لاشيء هناك سوى غيمة تحتضر قسرا في الهواء تسبح الأغنيات العجاف أرباب يتجشؤون مواويل وضيعه معتقدات تطوقنا تكسر حلما يتلألأ بين ظلال الزمن المهرب أوردونا نخب لحظات تكلس فيها الصمت جرعة، جرعة خلايا منبوذة توهجت فينا أتونا شرفاء تحت ألوية لاظلال لها فانبثق الحلم تلقفته أجنحة صوتها الكسر زج قسرا بنا في أقبية الغياب فأصبحنا نعيش بلا آراب.(ص:22-23). وتتحول مبدعتنا الثائرة على أوضاعها القاتمة إلى شاعرة الليالي الحزينة التي تحمل آهات الألم والأغاني السقيمة وخيوط الصمت اللعين. وتشبه في شقائها وحزنها التعيس نازك الملائكة عندما تقتات بالأوهام المزيفة والأحلام المنكسرة والدموع المعذبة وتنتظر فارس حياتها الذي يأتي ولا يأتي: محمول إلي على بساط ملتهب تدثرت أغنية حزينة تجدد في الصمت المهان ************** أتصيد الأوهام أترمرم تأتيني الإيقاعات سقيمه. أيها الليل الجافي كفكف عذاباتك عني فماعادت صراصيرك تخيفني **************** أتأمل النجوم تحت وطأة الذبول أبصرت جسمي المصلوب يرقص رقصة العشق الأبدي ويحلم بالفارس الضبابي يترصد نجما وضيئا أمام وقع المهزلة أجانب حلمي أحتسي نخب لحظات عابرة أمام ليل ورائي ليل فوقي أقمار بكماء تتراقص مثل فقاعات الماء واحدا واحدا يتساقط الفرسان يتوارون خلف الضوء الشارد بين تجاعيد الظلام.(صص37-39). بيد أن الشاعرة ستولد بعد هذا الحزن الدامس والفشل القاتل والعبث التائه كما يولد الطائر الأعنق " مؤنثه العنقاء" بعد احتراقه. و مع انبلاج كل قصيدة تخوض الشاعرة من أجل استيلادها صراعا مريرا مع أمواج الحياة مدا وجزرا: هائمة في بحر لا حدود له أنازل أمواجا أصارع أخرى أذود عن وجودي الأبدي تتعسر الولاده أجوب شطآنك المتوهجه أتدلى نحو حقول المحارات أنتشلها محارة محاره تولد القصيده.(ص:24-25). وترحل الشاعرة في قصيدتها" أجمات الخوف" إلى أدغال الصمت الرهيب وعالم الأحلام المنكسرة هروبا من الحزن المخيف والألم الدامي والفراغ القاتل والحيرة التائهة: ذات مساء أغمضت عيني صاحبتني دمدمات الرياح فتحتها أتبين هذا الأفق السرمدي سرق الحزن نومي فتحت النوافذ في وجه اليراع سافرت عبر فيافي النفس طائعة امتطيت صهوة الحيرة. تحت جناح الأفول يشرعني الخوف أروضه شهبا نازفة يسيرني نهر الألم يدخلني مراياه ضائعة جسدي مفتوح على ضفاف الفراغ يرقب أحلاما منكسرة تبيح لي المحظور. أتوغل أبحر حيث الصمت يفتح لي شفتيه يهدهد مهد البوح يبقى على شفتي ركام(ص:26-27). ولكن الشاعرة لاتستسلم للأحزان القاتلة ، ولا تبدو مشلولة عاجزة، بل تثور على واقعها الداخلي والموضوعي، تنتفض كما ينتفض "النسر" في قصيدة الشاعر السوري عمر أبو ريشة المعنونة بنفس الاسم. وبهذه الانتفاضة الشجاعة، تتجاوز الشاعرة واقعها المأساوي ووساوسها القاتمة كما في قصيدتها" سراديب المحال": لحظة قبيل بزوغ القصيده حملتني خفافيش هذا الزمان وطارت هربتني طارت بي نحو سراديب المحال لكنني انتفضت وثرت على سيدها وقعت على الأرض وا... قفة(ص:29-30). وترثي الشاعرة في قصيدتها" سادس عشر ماي" ضحايا الإرهاب، فتندب الجثث المتكدسة والدماء المنسابة من الأجساد المطروحة في شوارع مدينة المأساة. وتتحول هذه الدماء الحمراء إلى كوابيس الجنازة وأشباح ليالي العقم ومواويل الحزن التي تتمنى الشاعرة ألا تعود أبدا برناتها المفجعة وأنغامها الناعية: تتسع الأرصفة لرواد الليل البسطاء تحتضن أجسادا طريه تداعب ثغورا تموج بألف سؤال كوابيس حبلى تصرخ تملؤني هوسا تقتحمني جنازة بغير جسد أشلاء. دماء. أشلاء. دماء. دماء. .......................... كانت كوابيس حقا وستمضي تمضي مضت ولن تعود ربما... لن تعود(صص:31-33). وتنتقل الشاعرة في مسارها الشعري مما هو ذاتي وجداني إلى ماهو وطني، لتعود مرة أخرى إلى الذات لتعكس جدلية الظلمة والنور على غرار شعرية گاستون باشلار. فتربط الشاعرة الظلمة بالموت والأحزان، و تقرن الإضاءة والنور بالحياة وشموع الحب والفجر والأمل المعسول والتجدد الأنطلوجي والانبعاث الحضاري والولادة العنقائية مع كل ولادة شعرية ومولد قصيدة إبداعية: أنتقل بين شطآن القصيده استجمع نوار الكلمات أصوغه إكليل محبه لهذا المساء الجميل أنفض عن نفسي الأطياف أتوارى خلف شعاب الكلام من تخومها أرسل الهمهمات احتفاء بشموع أوابد ************ يا شموع... أغيثي بضوئك هذا المكان أجهزي على الغسق السرمدي هدهدي نجوم الزمن الآتي أضيئي زمنا لايدمن إلا الظلام(ص:34-36). ولا تقف الشاعرة عند حدود الذات والوطن فحسب، بل تسافر بريشتها الإبداعية إلى معانقة جروح الأمة العربية التي لم تندمل بعد. وتنقل لنا الشاعرة صورة سجن أبو غريب الذي يعد رمزا للعار والمهانة ، ومكانا ينتهك فيه العرض العربي بصفة عامة والعراقي بصفة خاصة. ويجسد هذا السجن العراقي في منظور الشاعرة زمن الرداءة والانحطاط والإحباط العربي وانكسار الأمة الإسلامية من المغرب إلى المشرق: تطاردني ذئاب الآلام في أعماق الرافدين يترعرع قطر الجراح تسبح ملمومة في الهواء لاتلبث أن تتشجر في جسدي أشرعوا عرضك في المزاد نهشوا وجهك المكلوم دفعوا بك في سراديب نتنة برياح مرثيه نخيلك يزحف ثاكلا قوانينك تبدت جراحا متعفنه عقبان تساقطت على جسمك المصلوب فاشهدي يا بابل هذه مآسيك(ص:40-41). وتناجي الشاعرة في قصيدتها( غياهب الصمت) معشوقها المكاني أو الذاتي في لحظات موتها واندثارها والتحافها بالصمت الساكن والحزن المترع بنخب الصراع والانحدار والسقوط المتدرج نحو الانهيار، و الموشح بأسرار العرفان ونشوة الانتصار عبر تدفق الأمواج المولولة الصارخة في وجه الزمن العاتي: تربعت على عرش البحر تناجي الموت الرهيب تتوق للحظة غيث ترقب ذبولها في نزعة الاحتضار الأليمه تنتصب الأمواج ********** تثور النوارس تتوالى الأمواج مولولة تنشر أجنحتها فوق السطح تحتوي آلامك صراعك الكتوم تعانق فيك شطحات احتضارك تحيلها أغرودة للآتي(ص:44-45). وتنتظر الشاعرة من سينزع عنها ثوب الأحزان ويمزق عنها سرداب الصمت الساكن، ويخرجها إلى وسط الحياة ويحولها إلى وردة حمراء تنبض بالحيوية والحركة الصاخبة. فترى في أبيها ، والشاعرة مازالت تحمل في لاشعورها عقدة إلكترا، المنقذ الحنون الذي سيعطيها الضوء الأخضر لتنطلق حرة في عنان السماء لتلتحف برداء الأمان و شعلة الأحلام الوهاجة: دعني ألتحف بك ألوذ بك من رياح الزمن أرقي *************** تحت سمائك أنثر بقايا أفكاري مزق عني الأحزان لأحكيها لعبة للأقدار ************** كيف لي أن ادخل حلمك المسدود؟ كيف لي أن أهجر سراديبي المفزعة؟ لأنير لك يا أبتي السبل المقبره. وأكبح عنك جموح مراثي شعرك وأحيي فيك أحلامك(صص:47-49). وتقع الشاعرة صريعة العشق لمدينتها الحمراء كشأن شاعرها الكبير محمد بن إبراهيم، مراكش عروس الجنوب التي صارت سيدة المدائن ، وملاذ الشعراء العاشقين الباحثين عن لغة الأشواق الدافئة، والأفراح الوردية، واستقطار الأسرار اللدنية: عشقتك لحد الرثاء تحت جناحيك أيتها الحمراء غنيت وصلة عشقي الجميل تحت نخيلك أزهرت فصول أشواقي شهبا تتلاشى فرحا تتلاشى حنينا(ص:50). وتقع الشاعرة أيضا أسيرة جمال مدينة الصويرة الذي يطلق في المبدعة خيال الحنين والشوق، ويذكرها هذا المكان الشاطئي بنوارسه وأمواجه العارمة بزمن الحرية والانعتاق من جبرية الذات والتقاليد الموبوءة. وتستلقي الشاعرة بين أطياف البحر وأحلام المكان، وتنام بين نبضات صدره راغبة في الإبحار إلى الجزر السندبادية حيث الأشعار المثالية والألحان العذبة وأشجار تانگارو الباسقة بعيدا عن الناس وذبول البر ويبس الحس: طلقت قيظ الحمراء أسري تحملني إليك هسهسات الأشواق على صهوة الحنين أرمي ورائي المسافات حتى انتهيت إلى " أزلف" رياحك تسيج المكان فتحيلك نجمة تتهفهف بين غابات الطاگ بذراعيها تطوقك الأسوار تهدهدك في كبرياء يشتد عواء الريح يحمل إلي همس نوارسك يا صويرة يا فيلجة الريح كل شيء بين أحضانك(ص"61-62). وتتحول الأحلام الوردية عند شاعرتنا إلى سراب زائف وآمال خادعة حينما تحاول أن ترسم لنفسها في المرآة الخلفية حبا معسولا يكنفه البياض وتحفه البراءة ويشتم منه العطر الفواح والعبير الراقص، بيد أن هذا العشق سرعان ماتعضه الأشواك ، ويصيبه الذبول المتساقط في الخيبة والفشل الذريع: ساميا يطل من القلب المفتوح على البياض جئت تمنحني الخلاص نرتاد الفراغ نرشف المستحيل نذيب الأحلام أهازيج تتوقد نارا نشتعل كوكبة من الآمال ********* بين الأوردة تتبرعم القصائد ثم ما تلبث أن تتناثر متدثرة بالذبول نعم كم كنت بعيدة!(ص:54). وترتحل الشاعرة مع صديقاتها العزيزات مع عائشة أحسين في قصيدتها" لعيدك الفضي" التي تهديها باقة حب وعشق بسعفات مراكشية حمراء: لعيدك الفضي أراقص السعفات المراكشية أنشر الحب دفءا وعطرا يكلل شذى وأسراب حمام أفتح الباب لأهازيج تتفتق زهورا جوزية تنفض أسوار الحمراء شماعد تسيج المكان خجلا تكأكأت الدرارىء لتشمع أيامك زهوا.(ص:55-56). وتهدي الشاعرة لأختها هند بلبركة ياقة ياسمين وحقائب عشق ومواويل شوق ووجد: أنت كوكبة من الألحان توقظين في نفسي بقربك كل الأشياء الجميلة(ص:60). وتردد الشاعرة في قصيدتها الرائعة" جئتك عاشقة" موال الحب والعشق ثائرة على الصمت والحقد الساكن لتعلن حبها الصريح ، لتبحث عن عشيقها الغائب وفارسها العذري فاتحة قلبها لنبضات الدفء الأسمى والحب الوردي المفعم بالألفة والمودة والغد المعسول والآمال المنشرحة بالفرح الدائم والرومانسية الوجدانية الحالمة: جئتك عاشقة أنا المخمورة بحبك أحيي فؤادي المتشظي اسقني كلماتك عشقا يستيقظ قلبي القتيل على حد البعاد. ********* جئتك عاشقة استنفر فيك قبلات دافئه تحجرت بين شفتيك أقطفها قبلة، فقبله... اقتحم حيائي المنكسر فمازالت أوتار قلبي تعزف أهازيج وجودك *********** جئتك عاشقة فافتح لي صدرك أشمه بكؤوس عشقي أجدد فيك شوقا خبا تحت أهداب الرحيل أغازل فيك رغباتك المتمنعة عل هذا يزهرني من جديد.(صص:67-69). يتضح لنا من خلال هذه المضامين الشعرية أن المبدعة إلهام زويريق تتناول مواضيع ذاتية ووطنية وقومية. ويعني هذا أن الشاعرة تعزف على مجموعة من الأوتار الدلالية والتيمات المحورية الكبرى كتيمة الذات وتيمة المكان وتيمة الأمة وتيمة الوطن وتيمة الصداقة. ولكن يبدو أن الشاعرة في هذا الديوان شاعرة رومانسية تتغنى بالذات والحرية والوجدان والألم والحب، وتثور في المقابل على واقعها المحبط ، وعلى العالم العربي الإسلامي الذي تنخره الجروح الدامية والمآسي المتعاقبة، والذي توجعه النكبات المريرة وتدميه النكسات المتتالية. وليس هناك أدنى تناقض بين الموضوع والذات، فالشاعرة تنقل لنا كل المواجع المرجعية والمصائب الواقعية والقومية عبر منظار الذات تصغيرا وتكبيرا، فيتحول قلبها إلى عدسة زوم Zoom المكبرة لهموم الذات ومشاكل قلبها . ويلاحظ على الشاعرة أنها تعزف أنغام الثورة والتمرد على العادات والتقاليد البالية، وترفض سلطة الأنا الأعلى وكوابيسها الأبيسية، ولكن الشاعرة مازالت مقيدة بمشاعر عقدة إلكترا ، وتذكرنا بالمثل العربي المشهور:" كل فتاة بأبيها معجبة". بيد أن أباها كما نلمح ذلك من خلال سطور قصائد الديوان وعنوانه الخارجي يحول بينها وبين إبداع الشعر والارتواء من معين الحب ، ويمنعها أن تكون إنسانة طبيعية وعفوية في أحاسيسها ومشاعرها الدفينة. وكأني بالشاعرة تتبرم كثيرا من قيود المكان والمجتمع وطابو الأنا الأعلى الذي لايصدر سوى الأوامر والنواهي. كما أنها تعاني من مرارة الجبر والاختيار، وتقف مشلولة أمام المتاريس الاجتماعية المكبلة. لذلك، تنتفض الشاعرة كانتفاضة العنقاء معلنة تمردها وثورتها الجامحة عن القيود الموروثة وواقعها المر التعيس صارخة في وجه الظلم والصمت والقمع المكبوت هاربة إلى أماكن الخيال والحب والعشق وجزر الدفء والفروسية العذرية والحياة المثالية الهادئة.
|