في ديوانه الجديد
" باب واحد ومنازل " الصادر أخيرا عن الدار
المصرية اللبنانية يوقفنا أحمد الشهاوي على واحدة
من الحالات الفريدة في العشق الإلهي ، إذ تقوم
تجربة هذا الديوان ليس على البحث عن طرائق للوصول
إلى المحبوب ولكن العودة إلى الحلول والاتحاد معه
، وذلك عبر لغة حملت من وهج التجربة ما يغفر لها
أخطاء التمرس في الكتابة الصوفية ، حتى أننا نتوحد
من أول سطر مع أحوال المحب بدءاً من موقف العابر
الذي يرفض أن يكونه ، مروراً بحال المعذب المستذل
، وصولاً إلى قوله ( بادليني التنفس / فزماني يسيل
/ عزلتي لا تهم / شتائي عار / وحضوري / في كل شيء
يموت ) .
يعتمد الشهاوي في
هذا الديوان موقف الحيرة ، فلا نعرف إن كان محباً
يتوله في محبوبته ، أم عارف يخاطب إلهه بصيغة
الأنثى كي لا يأخذه الناس بما يفيض منه ، وكأنه
ينطق بما ليس مأذوناً له أن يصرح به ، ومن ثم فإنه
يقلب ضمير المخاطب ، متجنباً السرد وما به من
افتضاح لحاله ، معتمداً تقنية الأبيجراما وما بها
من تكثيف واختزال ، واضعاً عناوين أقرب إلى
الشفرات السرية بينه وبين المحبوب ، معولاً على
قارئ متأمل يستبطن النص ولا يأخذه بظاهره ،
وناثراً في هذا الروح التي استمد منها طاقته على
الكتابة ( كلما / حفرت ثقباً / أجد حرفاً من اسمك
/ فيردني الشعر / إلىَّ ) .
لكن القصيدة
الطويلة التي جزأها إلى مقاطع لكل منها عنوان
تضعنا أمام محب يتضرع تارة ، ويلوح لمحبوبه بعقاب
سينزل الله به تارة أخرى ، وهو في كلتا الحالتين
لا يبحث عن قطع للعلاقة بقدر ما يبحث عن استعادة
لها ، مبرزاً أن الإشكالية ليست في عدم الوصول
لكنها في معاودة الاتصال ، هذه الدرجة من الحرمان
تجعلنا لأول مرة في العشق الإلهي نلقي باللوم على
المحبوب لا المحب ، فلأمر ما ، ليس للمحب دخل فيه
، تغير المحبوب عن حبيبه ، وتبدل الحال من التماهي
والتوحد إلى الثنائية والتجزؤ ، وأصبح على المحبوب
أن يطرق كل الأبواب التي توصله إلى حلول حبيبه فيه
من جديد ، ومن ثم فإشكالية التجربة في هذا الديوان
هي العودة إلى الجنة ، وليس الوصول إليها .
ولأن
المقام مقام الحيرة فالأسئلة دوماً أكبر من القدرة
على الإجابة ، ولعل أول الأسئلة يبدأ من العنوان
الذي يبدو معكوساً ، إذ من المفترض منطقياً أن
يكون " منزل واحد وأبواب " وليس باب واحد ومنازل ،
لكننا يمكننا تأويله على عدة اعتبارات منها أن هذه
المنازل وهمية ، لا تزيد حقيقتها على كونها مضللة
عن المنزل المرغوب في الوصول إليه ، تماماً
كالأبواب الوهمية التي أقامها الفراعنة لتضليل
اللصوص عن الوصول إلى غرفة دفن الفرعون بما فيها
من قداسة وكنوز ، ويمكن أيضاً رؤية قراءة المنازل
على نحو معكوس مماثل لورودها في العنوان ، فهي
الطرق التي يتخذها المحب للوصول إلى حبيبه ،
فالبشرية تؤمن بوجود الإله الواحد ، لكن طرائقها
في الوصول إليه تتعدد وتتباين ، وبقليل من التأمل
نجد تأويلاً لهذه الجماعات وطرائقها في التجربة ،
بدءاً من الرؤية الإسلامية التي تحتل ظاهر التجربة
حيث العناوين المأخوذة من مفردات وتراكيب آيات
قرآنية شهيرة ، مروراً بالثالوث المسيحي المقدس ،
حيث الأب القادر على عقاب المحبوب لهجره حبيبه بلا
سبب ، بينما المحبوب هو المعادل الشعري للروح
القدس التي منحت صاحبها حق الحياة والفعل ، أما
الابن فهو ذلك الذي لولاه ما وصلت الرسالة إلى
الأرض ، وما كتبت القصيدة على الورق ، وليس هذا
ببعيد عن الحضور الفرعوني أسطورة الخلق لدى كهنة
عين شمس ( أوزيريس وإيزيس وحوريس ) ، أو في أداء
أسطورة منفيس القديمة ، حيث بتاح الذي ظهر من مياه
المحيط الأزلي في صورة تل سرمدي ، وآتوم الذي ينبت
من جوار التل ليتسلقه ويستوى عليه ، ثم يتحدث
فتخرج العناصر إلى الوجود ، ومن التزاوج بينها
تنشأ الحياة ، ومن ثم فإذا كان المحبوب يتيه بأنه
لولا وجوده ما كان المحب ، فإن الأخير يقول له (
لو أنني نمت عنك / لاحترقت / وساقتك النجوم إلى
مخابئها / رماداً / لو أنني / ما حرثت / ما طلعت
شموس في الحشائش / وما كتبت وردة نشيدها ) .
يمكننا القول أننا
أمام قصيدة واحدة ، ذات مقاطع عدة ، وليس بينها
فواصل ، أو مسافات في الزمن ، لكنها أقرب إلى
الفيوضات التي تغلب على صاحبها فلا يملك إلا
كتابتها أو الحديث بها ، ولأنها لا تخضع إلى
المنطق بقدر ما تخضع إلى قوة الروح التي هيمنت على
صاحبها ، فإننا أنفسنا أمام نوع جديد من الطواسين
، حيث اللغة المحملة بالإشارة ، والكتابة المشحونة
بالوهج ، والرغبة المخلصة في مخاطبة المحب وإعادة
التواصل معه ، ومن ثم فتوظيف الموروث ليس إدراكاً
من المحب بممتلكاته ، لكنه تجرد من العلائق
الواضحة والوصول إلى اللغة الحقة ، تلك التي
تبلبلت ألسن الناس بها ، وتفرقوا شيعاً وجماعات ،
لكن الخلوص في الرغبة للتوحد مع الكلي الغائب خلف
آلاف من الحجب والستور تنفي عن اللغة منطقيتها ،
وتخلق لها وظيفة أعلى وهي الحضور المماثل لفكرة
الحلول التي يريدها المحب .
المنازل هي
المسالك ، والمحبوب هو الباب الواحد ، هكذا يطرح
الشهاوي في تجربته ، بينما العناوين التي توزعت
على ضفاف التجربة ليست سوى المدارج التي يرتقيها
المحب في الوصول إلى محبوبه ، وهي في مجملها كبقية
عناصر النص لا تقدم إجابة بقدر ما تطرح حيرة أو
سؤالا بحجم تجربة ، إذ لا تفسر المقاطع ولا تجيب
عن الشكوك ، أو حتى تمثل اكتمالاً لدائرية النص ،
لكنها تصنع توازياً مع التجربة ككل ، وكأننا أمام
نصين أحدهما قابل للقراءة والتأويل ، والآخر ليس
إلا علامات لا يهتدي بها القارئ ، ولكنها تحيل
المحبوب ما هو مدون في اللوح المسطور ( ألم تقل لك
الكتب / أن شمساً مسروقة في قلب امرأة / ستفسد /
إذا لم تقل لشاعرها / : صباح الخير يا أحمد )

ولعل السؤال
الوحيد " ما الجحيم " الذي تضمنته هذه العناوين أو
المدارج جاء في مستهل التجربة ، وهو سؤال يمكن
القول أن دلالته هي الأقرب إلى الذهن ، على نقيض
عشرات الأسئلة التي تحملها العناوين دون تصريح أو
إجابة تفسر مجيئها على هذا النحو ، فالجحيم هو
الحيرة والفقد هو حسبما يجيب أحمد نفسه (أن تحب /
ولا صدى / أن تسأل ولا جواب / أن تكتب ولا قارئ /
أن تنام ولا أحد في الحلم / أن تبتهل / ولا إله /
أن تحمل مفتاحاً / ولا بيت / أن تفتح كفك / فلا
تجد امرأة تقرأ ) .
ليس جديداً على
الشهاوي الكتابة انطلاقاً من التجربة الصوفية ،
مما يجعلنا موقنين بأنه يدرك تراكيب لعبته الشعرية
، لكن الإشكالية أن التمرس عادة ما يخلق أخطاء
أوضح من أخطاء الفطريين ، وكثيراً ما يعيق التواصل
مع القارئ الباحث عن السرد لا الرصاصات الصائبة ،
وعن اكتمال دائرية الفكرة لا اختزالها ، ولأن
الحالة في هذه التجربة كانت أقوى من سابقاتها فقد
أحدثت الحقيقي بين النص وقارئه ، إذ وضعته في
التجربة ، فأصبح القارئ محباً ، والنصوص محبوبة ،
والأخطاء مغفور لها ..