English / 中文

 

المحرر: سيد جودة

شعر عربي | شعر إنجليزي | شعر صيني  | شعر عالمي | صوت الشعر | قصيدة النثر العربية | قصة | مقالات | قراءات نقدية | لقاءات | ملف الحداثة | أنشطة | صحافة | منتدى الندوة | عن الندوة

عبد الجواد خفاجي - مصر" لحس العتب " وسلطة العنوان

دراسة تحليلية لرواية " لحس العتب " للروائى خيرى شلبى

عبدالجواد خفاجى - مصر

إن سلطة عنوان العمل الروائى عمومًا تنبع من مركزيته ، بمعنى ارتباطه دلاليًّا بكافة جوانب الأبنية السردية ومستوياتها ، وهذا من شأنه أن يعطى للعنوان قيمته الجوهرية ، ويجعل منه عمدة فى عملية التلقى ، كما يجعل منه بوابة لازمة للولوج إلى العالم السردى ، وهو فى الغالب بوابة ضوئية مركزية ، تنبثق منها خيوط كثيرة تمتد ؛ لتضىء كافة ما يمكن أن يطأه ذهن المتلقى ، ومن ثم ليس بمستغرب أن ترتكز مثل هذه الدراسة على العنوان بصفة رئيسة ، وقد لاحظت أثناء قراءتى الأولية للرواية أن عنوانها يتمتع بحضور دائم أينما اتجهت ، سواء بقدرته على إثارة الأسئلة ، أو بتجسُّده الحى كفعل يرقى إلى مستوى الحدث الجوهرى غنى الدلالة ، أو بتخفيه كمعنى تحتى لكل ما يتراكم على السطح .

والأمر على هذا النحو جعلنى أتوقف عند سلطة هذا العنوان وإمكانية استثمار سلطته لصالح هذه الدراسة التى تسعى إلى تحصيل الدلالة بصفة كلية .

" لحس العتب " مفردتان تحيلان اجتماعيًّا فى اجتماعهما إلى طقس عجائبى مفارق ؛ فأولاهما مصدر للفعل " لَحَسَ " بمعنى لعق ، واللعق يكون بالإصبع أو اللسان ، وهى مفردة شائعة فى القاموس الشعبى المصرى بنفس دلالتها المعجمية هذه ، وإن كانت تتسع عن ذلك لتشمل دلالات أخرى كثيرة .

" والعتب " جمع عتبة ، وهى ما يوطأ عليه فى مداخل البيوت والأبنية ، غير أن التركيب النحوى على هذه الشاكلة يعطى اللحس للعتب ، ويعطى للعتب إمكانية اللحس ، وهو استخدام مثير للتساؤل : لماذا يُلحَسُ العتبُ ، وأى عتب يمكن أن يُلحَس ، وكيف يكون اللحس مقبولاً للعتب .. وما دوافعه ؟ ! .

أسئلة محيِّرة .. فالعملية يمكن أن تتم لو كان العتب مدهونًا بما هو مقبول طعمًا ، وهذا مستبعد ، ومن ثم فهى عملية مفارقة لإمكانية أن يكون ما تطأه الأقدام مدهونُا بغير القاذورات ، والأوساخ والأتربة .

ومن هنا فكل ممكنات الإجابة تبدو مجافية للعقل ، ومولدة للحيرة والدهشة ، ومن هنا يمكننى التوقع أننى بصدد معاينة طقس روائى مجافٍ للعقل ، ومثير للدهشة ، بقدر إثارته للأسئلة . أيضًا يمكننى أن أتوقف مع هذا العنوان باعتباره مثيرًا لشهية القراءة ؛ ولعل هذه هى الخصيصة الفنية الأولى لهذا العنوان المثير والمحفز ، والذى يسلمنا لبراح سرد لا يقدم أية أجوبة عن أية أسئلة ، وحتى قرب منتصف الرواية ، وقد فاجأنا السارد بذلك الحدث العجيب البعيد فى طفولته ، وقد استبد به وبأخيه الأصغر مرض عضال ، فى وقت كان يستبد فيه الفقر بأسرته ، حتى لأنها عجزت عن حملهما من قريتهما إلى البندر ( مركز دسوق ) لعرضهما على ( ألبير فهمى ) الطبيب أو ـ كما كان يسمى قديمًا " الحكيم " الذى يذهب إليه المرضى القادرون على دفع أجر كشفه عليهم ، وشراء الدواء .

وقد عبر والد السارد ( الحاج عبد الودود زعلوك ) عن عجزه صراحة عن دفع تكاليف علاج ولديه ، فى معرض حديثه مع نفر من أصحابه الذين يشاركونه السهر كل ليلة ، كانوا قد أشاروا عليه بضرورة أن يذهب بالولدين إلى الطبيب .. قال الوالد : " يا أسيادنا هو الحكيم ده مش هياخد فلوس ؟ ولا حيكشف عليهم لوجه الله ؟ " صـ 16 ، وعلى الرغم من أن أربعة من الصحب كان بإمكان أى منهم إغاثة صديقهم وإقراضه مبلغًا يعالج به ولديه ، إلا أن واحدًا منهم لم يفعلها ، بل نصحه أحدهم ( عبدالفتاح الزيات ) بضرورة بيع الترابيزة العتيقة (المنضدة) وهى ترابيزة قديمة من مقتنيات والد السارد التى ورثها بدوره عن أبيه ، وهى الوحيدة الباقية من ذلك الماضى البعيد الذى كانت فيه عائلة " الزعالكة " تعيش فى العز والثراء ، لذلك هو يرفض فكرة بيعها ، ومهما يكن الأمر .. فكل ما قدمه السارد منذ بداية الرواية عن هذه الترابيزة يبرر هذا الرفض ويؤكده ، فالتربيزة التى يريدونه أن يبيعها ـ ورغم كونها تكوينًا خشبيًّا باليًا مهملاً فى أحد أركان الخزنة ( الغرفة الخلفية للمندرة ) ـ بدت كما لو كانت شخصية محورية من شخوص الرواية ، ويمكن أن يثار حولها الحكى ، وبإمكانها أن تتحكم فى مصير الشخوص الآخرين ، ومن ثم تفرض أحداثًا ومواقف ، ويدور حولها النقاش ، وتتجه إليها الأنظار ، وتتفتح باتجاهها شهية التملك ، وهى رمز للعراقة والبغددة التى كانت .

لم يستجيب الأب لمقترح عبد الفتاح الزيات ببيع الترابيزة ذلك لأنه يعتقد أن عبدالفتاح الزيات وأمثاله طامعون فى تربيزتة هذه ؛ ليكملوا بها وجاهتهم ، ويسلبوه من ثم دلائل مجده التليد ، فالترابيزة تمثل للأب قيمة معنوية عظمى لا تتساوى مع قيمتها المادية مطلقًا ، فهى معلم تاريخى ، وأثر حى من آثار الجد "زعلوك"صاحب الأطيان وتاجر الغلال الذى كان يعيش كالبرنس . ومهما يقال إن هذا العز والثراء قد انمحى إلا أن الترابيزة هذه شاهدة عليه ، ولهذا يرفض والد السارد التفريط فيها بأى ثمن .

فى مثل هذه الظروف التى يمر بها السارد وأسرته مع الفقر والمرض والعجز عن الذهاب إلى حكيم البندر ، وبعد ما فشل "حلاق الصحة " الذى يطبب المرضى فى القرية ، وأمام سلبية أصحاب الوالد وجلسائة فى قعدة المساء ، الذين بدوا طامعين فى الترابيزة أكثر من كونهم معنيين بصاحبهم وولديه ، كان لابد أن يستمر الطفلان فى المرض .

وفيما بدا الأب مستسلمًا لفقره وسطوة وَهْمِه بأنه ابن عـزٍّ و مجد تليد ، كان لابد أن تتصرف الأم ، خاصة بعدما استفحل المرض ، وساءت حالة ولديها ، وانتفخت بطناهما ، وصارا جِلْدًا على عظم .

وتصرفُ الأمِّ كان بدايةً فى حدود تنفيذ النصيحة التى تلقتها من الشيخ " على بقُّوش " الشهير " كعْبِلْهَا " وهو شيخ ضرير من جلساء الأب فى قعدة المساء ، وكانت نصيحة الشيخ " كعبلها " هى لَحْسُ عتب أضرحة الأولياء ، وقد نصح الشيخ كعبلها بهذا الأمر الذى رأى فيه شفاء الصبيين بناء على ما سمعه من واحد من الأعيان فى أحد النجوع ، حيث مرض ابن له وفشل حكماء البندر فى تطبيبه ، بيد أنه شفى بتقربه للأولياء ، بعدما رأى الرجل فى منامه إلهامًا يوجه أنظاره إلى بيوت أولياء الله الصالحين . وعلى الرغم من أن رواية الشيخ " كعبلها "هذه ـ ولو صحت ـ لم تحدد الكيفية التى يتم بها استرضاء الأولياء ، وطلب وساطتهم بين الله وعباده ، إلا أن الشيخ كعبلها أفتى ـ من عندياته ـ بأن الأمر يمكن أن يتم بلحس عتب أضرحة الأولياء .

وبناء على ذلك قررت الأم أن تفعلها ؛ فركبت الطفلين على حمار ، وأردفتهما بأحد صبيان العائلة ، وأردفت هى نفسها خلف صبيين آخرين على ظهر حمار آخر ؛ ومضت ميممة وجهها صوب الأضرحة ، ضريحًا ضريحًا ، وعتبة عتبة فى مركز دسوق ، والمراكز الأخرى المجاورة .. يفتح لها خادم الضريح الباب ؛ تدلف إلى صندوق النذور ، تفك عقدة فى نهاية ضفيرة شعرها .. تُخرج منها مليمين أو أكثر .. تضعهما فى صندوق النذور ، ثم تطلب من الخادم حَلَّة ماء .. تغسل عتبة الضريح جيدًا بالماء ، ثم تأمر الصبيين بلحسها .. هى عملية شاقة ومرهقة ، ورغم تنفيذها بدقة وحرص ، إلا أنها لم تؤتِ ثمرة مرجوَّة ، ولم يُشفَ الصبيان ، وظلا على مرضهما إلى أن راجعت الأم الشيخ " كعبلها " فى الأمر ؛ فطلب منها أن تقص عليه تفاصيل ما كانت تفعله .. وبينما هى تحكى تفاصيل ما حدث اكتشف الشيخ كعبلها سر فشل المحاولة ، وبادرها بالقول : " بس .. هى دى الغلطة .. إزاى تغسلى عتبة مطهَّرة ؟! .. لازم تتلحس على وضعها ! .. علشان الولى ما ينجرحش شعوره !! " صـ 41 .

وهكذا كان على الأم أن تعيد الكرَّة مرة أخرى ، وكان على الصبيين هذه المرة أن يلحسوا أعتاب الأضرحة بقاذوراتها ، وترابها ؛ حتى لا تنجرح مشاعر الأولياء ! .. وهكذا وبعد أن أضحت أعتاب الأولياء نظيفة كالفل ، يموت أحد الولدين ، ويظل ( السارد ) الولد الآخر أكبرهما .. يظل حيًّا وإن لم يشف بعد .

وهكذا كان علينا فى معرض بحثنا عن الإجابات المرجأة للأسئلة التى تولدت حول غرابة العنوان ، وغرابة الحدث الذى ينطوى عليه .. أقول كان علينا أن نتابع القراءة ، وكان علينا أن نخوض غمار النص دونما كلل أو ملل ، مشمولين برغبة الوصول إلى لذة الكشف ، التى تقف دافعًا وراء كل فعل قرائى حرٍّ .

( 2 ) 

لا شك أن النص السردى ـ وقد خضنا غماره ـ يثير أسئلة أخرى حول فعل اللحس الذى بدأ به العنوان ، وقد تكشفت دوافع اللحس ، كما تكشفت مسبباته أمام عجز الأسرة عن أى اختيار آخر .

والأسئلة المثارة هذه المرة عن الاختيار الطوعى لفعل اللحس ، رغم غرابته ومشقته ، وعن المحفزات الميثولوجية التى توجه أفكار الشخوص ، وتتحكم فى اختياراتهم ، وعن المستوى الثقافى الذى مهد الأرضية لهذا الاختيار لعجيب .

والملاحظ أن الأمر كان يمكن ألا يتم لو توفرت بدائل طبية أخرى فى قرية السارد ـ كالمستشفيات مثلاً ـ وكان يمكن ألا يتم لو تنازل الأب عن وهمه الزائف ، وكف عن التمسك بأهداب ماضيه وباع " الترابيزة " وعالج بثمنها ولديه عند طبيب البندر ، وكان يمكن ألا يحدث لو خَلُصَت العقيدة الدينية من سطوة الدجل والخرافة عليها ، وكان يمكن ألا يحدث لو كان للأم مستوى ثقافى يؤهلها لإعمال عقلها فى كلام الشيخ " كعبلها " ونصائحه ، وكان يمكن ألا يحدث لو تطوع أحد الأصدقاء أو جلساء الأب فى قعدة المساء ـ ومعظمهم من أثرياء الحرب القادرين ـ بإقراض صديقهم ما يعالج به ولديه ، ولكن لأن شيئًا من ذلك لم يحدث كان لابد أن يحدث اللحس .

ولعل الأسباب التى كان من الممكن أن تَحُولَ دون حدوث اللحس امتنعت امتناعًا يتعلق فى الغالب بالشخوص وظروفهم النفسية وتركيبتهم الاجتماعية والثقافية ، وإن كان يتعلق أيضًا بأسباب مجتمعية وسياسية .

ولعل الوقوف على تلك الأسباب مجتمعة يستوجب الوقوف أولا عند السلطات التى تحكمت فى الشخوص ، ومارست سطوتها عليهم ، وفرضت فعل اللحس عليهم وسوغته .. ولعل أهمها :

1 ـ سلطة المرض :

وقد وضح أنه مرض معدٍ ، انتقل من أحد الطفلين إلى الآخر ، وأنه مرض عضال ، استمر طويلا ، وقد عجزت أمامه الحيل الطبية ، والإمكانيات البدائية المتاحة ، مثل حبوب " الكينين " الصغيرة الصفراء التى سلمها لهم حلاق الصحة ، تلك الحبوب التى صبغت ـ كما يقول السارد ـ لون عينيه بالاصفرار ، وهدلت كل أطرافه .. من الواضح أن بيئة الشخوص عمومًا بخلوها من الأطباء ، ومن العلاج هى بيئة مناسبة لتفشى الأمراض التى يواجهها حلاق القرية وحده بوسائله البدائية وحبوب الكينين التى فيما بدا لا يملك غيرها .

2 ـ سلطة الفقر :

وقد وضح مدى العوز الشديد والفقر المدقع فى حياة الأسرة التى بدأت حياتها مع أب تنقصه ـ كما أوضح السارد ـ البراعة والحصافة ، أو النصاحة ، كما تنقصه الهمة والنشاط ؛ فهو نموذج للأب الخمول العاطل ، السلبى ، بدأ يبيع أملاكه قطعة قطعة ؛ لتدبير نفقات معيشته حتى أنه لم يجد ما يبيعه ، وظل هكذا بلا عمل أو دخل ، اللهم إلا ما ذكره السارد : " فنحن لم نره إلا وهو يأكل القديد والمش ؛ فيحمد الله ويقبل يديه ظهرًا لبطن ، ثم يبرم سيجارة كعود الكبريت ، يعفرها فى استمتاع ، ويقضى النهار والليل بالفانلة والسروال والصديرى ، وفى آخر الليل يتمدد على الكنبة فى المندرة متوسدًا حشية من القش متغطيًا بحرام متهرئ ، لا يشتغل سوى يومٍ واحد فى الأسبوع هو يوم سوق البلد ، حيث يخطف رجله إلى السوق من صبيحة ربنا ، ليحشر نفسه بين باعة الحبوب والبذور والمحاصيل ، مختلقًا لنفسه سمسرة من البائع والمشترىعلى السواء بصنعة لطافة ، ومعجزة لا يقدر عليها سواه " صـ7 .

وغير ذلك كانت الأم ـ مثل بقية نساء الريف ـ تتكسب بعض قروش من بيع بيض دجاجاتها ، وكثيرًا ما كانت تواجه رذالة زوجها الذى يلجأ إليها كلما ضاقت به السبل لاقتراض ثمن الدخان .. يقول السارد : " كثيرًا ما كان أبى يفاتحها فى اقتراض ثمن ورقة دخان لف ... " صـ11 .

هذه الأم المسكينة كان عليها أن تتصرف ـ أمام عجز الأب ماديًّا وأمام سلبيته وكسبه اللذين لا يسلمانه إلا إلى مزيد من العوز ـ فى مشكلة مرض ابنيها خاصة بعدما مات أصغرهما ، وفشلت عملية لحس العتب فى جلب الشفاء ، فباعت طست النحاس الذى يخصها ، وحملت الصبى الذى لم يمت بعد إلى حكيم البندر ( ألبير فهمى ) فى مركز دسوق ، ولكن ـ للأسف ـ لم يكن ثمن الطست يفى إلا لدفع أجر الطبيب ، دون أن يتبقى شىء من ثمنه لشراء الدواء ، وفشلت بالتالى غزوة الأم للبندر ، وعادت ـ كما جاءت ـ خائبة الرجاء .

ومن الواضح أن سلطة الفقر لم تكن فقط دافعًا للحس العتب ، بل هى قبل ذلك كانت سببًا فى سقوط الولدين فى براثن المرض ، وماذا ينتظر أن يكون عليه حال أبناء أسرة تأكل القديد والمش ، وتعيش فى مكان رطب ظليل سىء التهوية ، وماذا ينتظر أن يكون عليه حال أبناء أسرة كثيرة العدد مع هذا الشح غير أن يصابوا بالأمراض ؟ خاصة أن المكان الذى تعيش فيه الأسرة ـ ورغم أنه بيت الجد ـ أضحى ردىء التهوية ، وقد تقاسمه الورثة ، وأقاموا حواجز ومداخل ، ومع كثرة العيال أضحى السارد وإخوته ينامون على الأرض فى المندرة ( المضيفة ) .. يقول السارد : " هذه الظلال التى باتت تسكن المندرة منذ سنوات طويلة . منذ أن كفت مندرتنا عن استقبال الضيوف المهمين من الأغراب والتجار الكبار ، فبقيت الشبابيك مغلقة على الدوام ، إلا ضلفة من الشباك البحرى لكى يدخل الهواء الطيب لأبى .." صـ9 .

وفى موضع آخر يقول : " وحينما زاد عدد أفراد عائلتنا واقتسموا الدار ضاقت بنا القاعات ، وتزايد عدد إخوتى فصرنا ننام فى هذه الخزنة ، نفترش حصيرًا تآكلت أطرافه وبقع كثيرة فى وسطه ، فبرزت خيوط الدوبارة من كل ناحية ، وصارت تشتبك فى أصابع أقدامنا ، وتلف عليهما كلما تقلبنا أو تمددنا ، وكانت نومتى تجىء دائمًا فى الطرف بجوار الترابيزة ، فأظل طوال الليل منكمشًا خشية أن يزحف علىَّ مجهول قادم من تحت الترابيزة يقرصنى ، أو يلحسنى ، أو يأكلنى ... " صـ 14 .

هى ولا شك مشاهد تؤكد سلطتى الفقر والمرض معًا .

3 ـ سلطتى الجهل والثقافة السلفية :

سلطتان متعاضدتان متحكمتان فى واقع الشخوص ، فعلى الرغم من أن مجلس الأب يضم أشخاصًا من أمثال الشيخ زيدان وهو من علماء الأزهر ، ويقوم بمهمة القاضى فى البلد ، وكان بمثابة القاموس السياسى والتاريخى والدينى فى مجلس الأب ، وغير ذلك هو يحفظ ويستظهر كثيرًا من كتب التراث والسلف ، وكثيرًا من المعلومات الشرعية والفقهية والتاريخية حتى لأنه بدا موسوعى الثقافة ، بيد أنها ثقافة سلفية لا ترى الحاضر ولا تستبصره إلا بعين الماضى ، حتى لأننا لاحظنا أن شخصية هذا الشيخ الضرير هى وعاء الثقافة فى تلك الحقبة ، ولم تكن معبأة بغير هذه السلفية ، حتى لأنه فيما يختص بعلاج الولدين كان يفتى فى مرضهما مقترحًا ألوانًا من العلاج ، وهو يقرأ من ـ دماغه ـ نصوصُا من كتب الطب والحكمة من مأثورات أبى قرط وأبى بكر الرازى وابن سينا ، بَيْدَ أن الأم ـ التى كانت غالبًا ما تسترق السمع وهى الجالسة خلف باب يفصل الخزنة عن باقى المندرة ـ لم تكن رغم إصغائها وفرط انتباهها تفهم شيئًا من أقوال الشيخ زيدان ؛ فهى أمية فى الأساس .. هذه الأمية انجذبت لكلام شيخ ضرير آخر فى الجلسة هو الشيخ " كعبلها " الذى يختلف فى مستوى ثقافه السلفية عن الشيخ زيان .. وكان أن نصحها بلحس عتب الأولياء ؛ وكان أن استجابت .

والذى نصح به الشيخ " كعبلها " لم يكن علمًا ، ولا خاضعًا فيه لرأى فقهى ؛ فهو لم يكن عالمًا ، وإن كان ممن حفظوا القرآن فى الصغر .. يردده شفاهة دون علم حقيقى به ، وغير ذلك ـ كما أخبر السارد ـ لم يكن حسن الصوت ، لذلك كانت معظم قراءاته للقرآن تتم فى المقابر ، حيث لا أحد يسمعه .. كان رأيه خضوعًا لسلطة أخرى روحية تعتمد على الخضوع للغيبيات ، وسلطة الأولياء التى تجد مسوغات لها فى عالم الدراويش وفى المستويات الدنيا من الثقافة الشعبية ، وإن كانت فى النهاية تمتاح من الاعتقاد الخاطئ ، والفهم غير الحقيقى للدين ولمفهوم الولاية نفسه . . والشيخ " كعبلها " نفسه لم يقل أن ما قاله علم ، بل قال إنه سمع هذا الذى نصح به من أحد الأعيان الذى رأى بدوره فى المنام أنه هكذا يفعل .. ولعل مفردة " الأعيان " وما تدل عليه من ثراء تؤكد مفهوم السلطة الروحية ونجاعتها فى استجلاب الشفاء ، باعتبار أن الثرى يملك المال الكافى الذى يؤهله للكشف الطبى عند أكبر أطباء زمانه ، وقد أكد الشيخ كعبلها ذلك عندما قال إن الثرى لم يجد طبًا ولا دواءً لعلاج ابنه المريض رغم بحثه الدءوب ، وترددهى على أكبر الأطباء ، إلى أن رأى فى المنام أن يتجه صوب الأولياء ، فنفذ الرؤيا ، وبرأ ولده من مرضه .

من الواضح أن ثمة سلطة للرؤيا أيضًا بغيبياتها ، وغموضها ، وإبهامها وخيالاتها . . لنقل إنها سلطة للا وعى على الوعى المعطل ، أو ثمة سلطة لثقافة غيبية على عقل معطل . أو لنقل سلطة للمنام على اليقظة ، هى نفسها سلطة الأولياء الموتى على البشر الأحياء .. هذه السلطة تعتبر مسوغًا من مسوغات الدجل والخرافة اللتين لا تزالان تزاحمان العقيدة الدينية ، وتفسدان معنى التدين خاصة فى المجتمعات البدائية والمعزولة والمتخلفة على السواء .

4 ـ سلطة الثقافة القبَلَّية :

هذه السلطة تحكمت الأب ، وصارت ديدنه وهاجسه الذى لا يفارقه ؛ فهى التى جعلته يتمسك بعدم بيع الترابيزة ، ومن ثم استمر المرض ، وطالت المعاناة ، وحدث ما هو مؤسف ، فقد مات أحد ولديه بعد مذلة لحس العتب .

لا شك أن الترابيزة ، واسم " زعلوك " الذى يردف اسم الأب " الحاج عبد الودود زعلوك " هما معًا وراء مأساة السارد وبقية الأسرة ولولاهما لعاشت الأسرة حياة اعتيادية .

هذه السلطة أيضًا تحكمت فى نظرة الأب إلى الحياة والآخرين من حولهم ، فهو ينظر إلى أصحابه على أنهم حقراء استغلوا ظروف الحرب وباغتوا الناس بثرائهم المفاجئ .. ليس لديهم ماضٍ عائلىٌّ أو قبلى ، ولذلك هم يحاولون سلبه ترابيزته / دليل مجده العائلى .

ولماذا نذهب بعيدًا والسارد منذ اللحظة الأولى فى السرد يؤكد أنه من عائلة تتمتع بدماء زكية تحرص على صونهم من الاختلاط بالآخرين ومن ثم فالبلدة أو الناحية التى يقطنون فيها تسمى باسم " الزعالكة " .. لا يسكنها أحد لا ينتهى اسمه " بزعلوك " ، وكل شبان النواحى المجاورة يتمنون أن يتزوجوا من بنات الزعالكة ، والبنات أيضًا يحلمن بالزواج من شباب الزعالكة ، ولكن هيهات .

الأمر المؤكد لقبلية النظرة عند الأب أنه وعندما كان يمزح معه أصدقاؤه خلعوا عليه لقب رئيس وزراء مصر ، وسألوه : " ماذا أنت فاعل بنا ؟ " فأجابهم : " كنت ألمُّ الشعب كله فى ميدان عابدين ( ميدان القصر الملكى بالقاهرة ) ، وأهتف : تحيا الوزارة الزعلوكية .. " صـ 33 ، وطالب أصحابه أن يرددوا وراءه : " تحيا الوزارة الزعلوكية " والغريب أنه طردهم من بيته وخاصمهم شهورًا عدة لمجرد أنهم امتنعوا عن الهتاف وراءه !! .

5 ـ السلطة الروحية :

وقد وضح أمامنا من خلال ما ذكره السارد أن أول شىء كانت الأم تفعله بعدما يفتح لها خادم الضريح الباب هو اتجاهها فورًا إلى صندوق النذور ؛ لتضع فيه ـ وهى المعدمة ـ نذرًا ( فلوسًا ) للولى ، وهى من المؤكد أنها لخادم الضريح الذى يتلصص بعينيه على الأم ، وهى تفك عقدة فى عَصْبة رأسها ؛ لتنتزع منها الفلوس .

لا شك أن ثمة سلطة روحية تُمارَس باسم الدين ،هى امتداد للسلطة الكهنوتية من عصور الفراعنة ، وعصور ما قبل الإسلام ، تمارس لأغراض فى أعلاها سياسية ،وفى أدناها بهدف التكسب الرخيص السهل ، وهذه السلطة يُسَلِّم بها أشخاص من عينة الشيخ " كعبلها " ومن عينة الأم ، حيث يجتمع فى شخصيتيهما السذاجة والجهل معًا ، يعززهما وعدم الوعى بجوهر الدين الذى يرفض الخضوع والمذلة لغير الله ، كما يرفض الوساطة بين الله والناس .

***********

لا شك أن استعراضنا للسلطات التى تحكمت فى شخوص الرواية يقودنا إلى فهم هذه الشريحة من مجتمع هى تمثله طبقيًّا وثقافيًّا ، وهى تضم الجاهل والمتعلم والمثقف ، ومن هو ضحل الثقافة ، وما بين بين ، فيها التاجر والمعدم والعاطل ، وفيها من له اهتمامات سياسية ، ومن لا يعبأ بالسياسة ، وهم جميعًا على اختلاف مستوياتهم خاضعون لهذه السلطات ، ومن ثم فهم جميعًا من لُحَّاس العتب وإن اختلف الأولياء، واختلف العتب .

ولنا أن نتوقف عند هؤلاء الشخوص لنرَ إلى أى مدى تقترب هذه الشريحة من المعنى الحقيقى للوطنية ، وهل هى راغبة فعلاً فى التغيير والثورة ، أم لا ؟.

1 ــ عبد الفتاح الزيات :

كان بقالاً صغيرًا من عائلة كثيرة العدد كلها من الفلاحين ذوى القراريط والفدان ونصف الفدان ، ومنهم عدد كبير من الأجرية والأنفار ، باع فدانه وافتتح بثمنه دكانا صـــ 18 يقرأ الجر نال بطلاقة لكنه يعجز عن الكتابة ، والغريب أيضا أنه رغم انشغاله بالتجارة خطيب سياسى مفوَّه ، وكان نواب الدائرة يسعون لكسبه وكان رئيسًا لجمعية تعاونية يجتمع أعضاؤها فى مندرته يستقبلون أفندية وعمالاً من كفر الدوار والمحلة ودسوق يخطبون ويتكلمون كلاما كبيرًا فى الوعى العمالى ، وجهل الفلاح ، وساعات العمل والاستعمار والصهيونية ًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًًً ًًًًًًًًًًًًًًًًًصـــ20 .

عبد الفتاح بدأ حياته التجارية بجمع محصولات كثيرة استطاع تخزينها كى يبيعها للتجار جملة ، فأدركته الحرب فارتفعت الأسعار خمسة أضعاف ، فصار يبيع هذه المحاصيل بالقطاعى للآكلين بسعر السوق السوداء ، ليصبح فى وقت وجيز من أغنياء الحرب صــ19 .. ومن الواضح على هذا النحو أن اهتمامات عبد الفتاح الزيات بالسياسة لم تكن تتعدى الهواية المرتبطة بمصلحته كتاجر ارتباطا مباشرًا ، وعلاقته بالنواب علاقة مصلحة متبادلة .. علاقة تحافظ على وضعيته كرئيس جمعية تعاونية ، وتحفظ له وجاهته الاجتماعية ، ومن الواضح أنه بصفته خطيبًا سياسيًا مفوَّها كان بالنسبة للنواب وغيرهم ـ من محترفى السياسة ـ مجرد بوق دعائى ، ومندرته هى منبر يجتمعون فيه . ومن الواضح من خلال تركيز الحديث فى الاجتماعات على الوعى العمالى والفلاح أنه وطنى ، بيد أنها وطنية مزيَّفة لا تتورع عن استغلال العمال والفلاحين ، وهو لا يقل وطأة على هؤلاء من كافة المستغلين ، ومن الواضح أن وطنيته المزيفة هذه إفراز لطبقته الاجتماعية كثرى حرب ومحدث نعمة وجد نفسه صاحب أموال و واجهة اجتماعية لامعة نسبيًّا .

ومثل هذه الطبقة غير راغبة حقيقية فى التغيير ، بل أن بقاء الحالة على ما هى عليه فيه استمرار ومحافظة على وضعية هؤلاء وامتيازا تهم .

2ــ الحاج عبد الودود زعلوك ( والد السارد ) :

من عائلة عريقة ، أجهزت عليها الظروف ، يعيش فى فقر مدقع ، وهو من حاملى الشهادات الأزهرية العليا ( العالمية ) بدا ناقمًا على الأوضاع السياسية ، وعلى الواقع الذى قلب الميزان الاجتماعى لغير صالحه ، وهو ميَّال إلى الثورة والتغير على أمل أن تنصلح الحال ، أو تنعدل لصالحه ، بل هو من الحالمين بهذا ، وكثيرًا ما كان يقول عندما يعرض عليه أصحابه بيع الترابيزة : " يا إخوانا هو معقول الحالة حتفضل كده ؟ أكيد ربتا حيكرمنا ونفسنا تنفتح للأبَّهة ونبقى نعرضها فى المندرة " صــ 32 غير أنه كثيرًا ما كان يزاحم الشيخ زيدان فى الحديث السياسى ويجبره على الإنصات إذا ما كان الحديث حول أحمد عرابى وثورة 19 ، وسعد زغلول ورفاقه فهذه الأرضية من الحديث يخبرها جيدًا .

من الواضح أن شخصية الحاج عبد الودود زعلوك شخصية ناقمة أساساً على الأوضاع السياسية والاجتماعية لأنها أضيرت اجتماعيًّا بعد الحرب ، وكما يقول السارد عن أبيه " كان إذا جاءت سيرة الحرب راح يصب جام غضبه على الحرب وسنينها السوداء ، وكيف أنها قلبت الموازين ، فجعلت عليها واطيها وجعلت النذل يتحكم فى ابن الأصول .." صــ 32 ومن ثم فهو يؤيد الثورة على الحكم والإنجليز ويطمح إلى تغيير وجه الحياة السياسية والاجتماعية وقد وضح ذلك من خلال تركيزه الحديث على أحمد عرابى وسعد زغلول وبصفتهما زعيمين وطنيين ، بيد أن وطنية الحاج عبدالودود زعلوك أيضاً ليست وطنية حقيقية ، بل إن ثورته وليدة حقد وغل اجتماعى ، ويهمه التغيير الذى يرد له امتيازاته ، ويخسف بالآخرين الأرض .

3 ـ محمد مصباح :

كان من المستغلين أيضًا لأبناء بلده ، لا يعبأ بالسياسة ، وإن كان محبًا للنكتة السياسية الهمجية ، وهو من أثرياء الحرب ، لديه رأس مال يحركه فى المجتمع بنظام الربا ، غير أنه شهوانى محب للطعام واقتناء الأشياء ، ومن الواضح أنه ضحل الثقافة ، وإن كان يستطيع القراءة ؛ فعندما كان يجلس بجوار الحاج زيدان الذى يقرأ الجرنال ، ووقعت عينه على خبر اختفاء هتلر علق بالقول : " يعنى يا خويا الحاج محمد هتلر مش باين له حس ولا خبر ، يكونش بيدبر فرتينة جديدة .. " صـ17 .

من الواضح أن هذا الأسلوب لا يتأتى إلا من شخص ضحل ال