الشاعر باسم فرات * في أطول حوار له باللغة العربية :

 * الأختلاط بشعوب وثقافات مختلفة يوسع مدارك الخيال ، بل هو تخصيب للمخيلة

* الشاعر كتلة متوهجة من القلق

* غالبية حملة الجوائز عندنا هم شعراء بالاشاعة

* نعم انا مقل و لا يقلقني هذا بل ولا اهتم له

 حاوره / عبدالرزاق الربيعي

 

 عندما قال الشاعر سعدي يوسف :" لقد وجد باسم فرات طريقه المتفرد في المشهد الشعري العراقي الرائع في المنفى" فهو يعني ما يقول لان تجربة الشاعر باسم فرات اختمرت في المنفى واينعت ثمارها تحت لهيب جمرته , رغم انه نشر العديد من النصوص قبل مغادرته الوطن الى الاردن ومن ثم الى نيوزلندا , وكانت له مشاركات عديدة في مهرجانات اقيمت في بغداد وكربلاء التي ولد ونشا فيها , وماان استقرت مراكبه في منفاه النائي لم يجد ملاذا له سوى القصيدة يحاورها وتحاوره يبثها هواجسه وتبثه  وهج الكتابة حتى شق مساره على هذا الدرب الطويل فأصدر ديوانا نشرته دار الواح بمدريد عنوانه (اشد الهديل ) ثم اعقبه بديوانه الثاني  ( خريف الماذن )  الصادر عن دار ازمنة الذي قوبل باهتمام المتابعين, اما ديوانه بالأنجليزية "هنا وهناك" فكتبت عنه  اكثر من عشرة عروض ودراسة بالانجليزية في نيوزلندا واستراليا وامريكا الشمالية واوربا , قال عنه القاص عبدالستار ناصر " يكتب القصائد علي ضوء الذكريات المعتقة في صندوق الرأس، ليس من شاعر أصيل إلا وأكلته الذكريات في ساعة من زمن الغربة والمنافي ــ يعيش منذ أعوام في نيوزيلندة ــ فكيف إذا كان الوطن علي بعد ثلاثين ألفاً من الأوجاع والأميال والمحيطات حيث لا أحد ينطق العربية إلا في أحلام اليقظة!

لهذا تسمعه وهو يحكي في ديوانه الحزين عن (مقامات القبانجي) وعن الملا عثمان الموصلي ، كما يقص الحكايا عن ساحة الحرمين وباب القبلة، وكذلك شارع العباس والعلقمي (وهو نهر يجري في مدينة كربلاء وغير مجراه احتجاجاً علي مقتل الحسين) بل يصل الشوق به إلي آخر المطاف بحيث يتذكر (سجن السندي) و(باب السلالمة) وهي إحدي أعرق المناطق السكنية في كربلاءوباسم فرات مزحوم إلي رأسه بأسئلة فات أوان الجواب عليها بعد أن كثرت حول منزله الحروب واحترقت أوراقه التي كتب فيها أجمل أوجاعه وأعذب سعاداته فهو عادة ما يسأل نفسه عن مصير كربلاء الثانية وكربلاء الثالثة وكربلاء الرابعة، يرسم الطرقات في قلب البلاد ويحاول طرد الأشجار عن رأسه لكن زقزقة العصافير ستبقي حتي إ ذا اختفت الشجرة ودعونا نقرأ في سؤالاته التي تصحو وتنام علي فراشه الكئيب"

دعونا نقرا اجاباته عن تساؤلاتنا حول الشعر وكربلاء وجيل الثمانينيات  وتاريخ العراق وهو المولع بالتنقيب في المسكوت عنه في هذا التاريخ الاشكالي  :

 

* اولى  الاشارات التي جعلتك مشدودا الى وهجها , كيف كانت ؟ ومن اين جاءت ؟

 

- اولى اشارات التلقي  جاءت من جدتي , حيث قامت بتحفيظي لسورالقران القصار قبل دخولي للمدرسة, اضافة لمواظبتها على قراءة القران والادعية  بشكل يومي , وما للترتيل من تا ثير منغم على اذن الطفل , كما وان المواكب الحسينية والاحتفالات الدينية وطقوس البكاء حيث كربلاء عاصمة الدموع بلا منازع , ومنهل الفجيعة , وما كنت اسمعه من جميع من يكبرني بالسن من كلمات التذمر والشكوى من السلطات , ثم شاءت الصدف ان كان هناك ثمة صدفة ان أعمل مع صديق لوالدي , وكان أصحابه يجتمعون كل يوم في دكانه تقريبا , يتحدثون في الشعر والسياسة ,وكانه الصبي الذي هو انا يسترق السمع لما يقولون , فيجد لكلامهم موقعا يمس شغاف قلبه ويضرب على اوتار احاسيسه , وكانوا يرسلونني كل يوم لشراء طريق الشعب جريدة الحزب الشيوعي العراقي , فبدات اتصفحها في البداية ثم حين اكتشفت ان هذه المجموعة عندما تلتقي تنسى العالم وما فيه بالرغم من انهم يتحدثون عن مشاكل هذا العالم السياسية ,فبدات اقرا ما تيسر لي من هذه الجريدة وانا في طريق عودتي حاملا الجريدة اليهم , و التي اكاد اجزم انها كانت من الثراء المعرفي ما جعلها تحظى باحترام حتى من يختلف معها ايديولوجيا ,والهيئة التعليمية في المدرسة الابتدائية التي كنت فيها ,وما فعله معلموا اللغة العربية والتاريخ والجغرافية خاصة من دور بعدم التقيد بالمنهج والتوسع بالمعلومات وتصحيحها كما حدث لمعلم التاريخ في الخامس الابتدائي , عندما بدات اتحدث عن (أبي العباس السفاح ) وبما سطروه من مغالطات في كتاب التاريخ فما كان من هذا المعلم الانسان الا ان صحح معلوماتي التي استقيتها من المنهج وكنت بالصدفة قد فتحته ,شارحا لنا المعنى الحقيقي للسفاح , اما بالنسبة لمعلم اللغة العربية فقد قال لنا يوما وكنا في ذات الصف اعلاه : لا يمكن ان ندعكم اجتياز الابتدائية دون ان تحفظوا على الأقل 200 بيتا من روائع الشعر العربي , وكان يقصد من خارج المنهج بالتاكيد.  هذا ما دفعني لاقتناء الكتب وانا في الابتدائية.

من هنا بدا تشكل وعيي و محاولاتي الاولى بالكتابة,واول شخص تجرأت وعرضت عليه كتاباتي هو ابن عمتي الذي كان يكبرني باربعة اعوام (قتله النظام مع شقيقه وابن عم لنا),وهذا الفارق بالسن له اهميته بالنسبة لطفل لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره , ثم جاءت مرحلة الدراسة المتوسطة وفيها حدثت اشياء كثيرة لي منها اني انتقلت من العيش مع جدتي لابي الى العيش مع والدتي وفيها بدات اعرض قصائدي على مدرس اللغة العربية ثم تعرفت الى راهب الادب في كربلاء محمد زمان والى مجموعة من الادباء في المدينة غالبيتهم لم ينشر شيئا من نتاجه وبعضهم نشر القليل او الكثير, كنت اصغر الجميع سنا ,نلتقي بشكل يومي اما في محل التصوير الذي كنت اعمل فيه (ستوديو الفنون , ومن هنا جاءت كنيتي " فنون"كما اطلقها الصديق اياد الزاملي )او في بيت محمد زمان او مقهى سيد علي. كنا نلتهم كل ما يقع بايدينا من كتب ,كنا نقرا الشعر التقليدي منذ بداياته التي وصلت الينا وحتى الجواهري الكبير حقا مثلما نقرا نازك والسياب والبياتي وسعدي يوسف وادونيس وحسين مردان وبلند الحيدري وعشرات الاسماء الشعرية التي ظهرت في الخمسينات لكن  سطوة هذه الاسماء التي ذكرت وبريقها جعلت الكثير من الاصوات تتمدد في زاوية قصية من رفوف المكتبات العامة ومحلات بيع الكتب الا لمن سرى هوس الشعرفي عروقه وكنا نتبادل الكتب ونتباهى بحصولنا على مجاميع شعرية نادرة طبعت في الخمسينات او الستينات او مطلع السبعينات , واتذكر في احد الايام جاءني الصديقان الشاعران حميد حداد وكريم جواد والفرح يملا وجهيهما وعلى محياهما الفخارعلى ما حصلا عليه من غنيمة عند ذهابهما الى ام العراق

بغداد وكانا قد وصلا توا الى كربلاء فمرا بي في ستوديو الفنون كما هي عادتهما وبداا يستعرضان غنيمتها امامي فرجوتهما ان يخبراني عن المكان وبعد تمنع ودلال اخبراني فما كان مني الا ان انتظرت الصباح الذي راح هو الاخر يماطل بدهاء كصديقي الرائعين ,فبكرت الى بغداد وتزودت ما تزودت ففي عراق نهاية النصف الاول من الثمانينات ما زالت العملة العراقية قوية , وكانت دواوين الشعر ومجلات الطليعة الادبية والاقلام من التي صدرت في السبعينات عندما كان سعر الكتاب لا يتجاوز المئة فلس .ذكرت هذه القصة وهي واحدة من مئات القصص عن مدى تعلقنا بالكتاب وشغفنا به , هذا بالاضافة الى قراءتنا لترجمات عيون الشعر والادب الاجنبي من خلال المجلات والكتب , فقرأنا لمعظم الاسماء المتداولة عالميا وترجمت الى العربية , كل هذا ونحن دون العشرين من العمر,فلا عجب انه بعد كل هذه السنين , وعندما استقبلت احدهم في العاصمة النيوزلندية قيل لي انه شاعر, وهو قد اخبر الناس بعد ذلك انه حاصل على ستة جوائز شعرية,فسالته عن اسماء لها حضورها  في الساحة الثقافية ,فكان جوابه اما انه لم يسمع بها من قبل او راح ينتقص او يتهجم عليها حتى لايضطر الى القول انه لم يقراهم كما فعل مع احد اهم النقاد العراقيين والعرب,متعللا بان هذا الناقد قد الف كتابا عن احد الشيوخ الشعراء, ونسي انه هو الذي تغنى بنيسان الذي عاد ,وكلنا يعلم ان من يتغنى بنيسان في العراق زمن النظام المنقرض يعني وبكل بساطة التغني باسوا يومين في تاريخ العراق الا وهما السابع من نيسان يوم حزب البعث وما ادراك ما حزب البعث , و28 منه يوم ميلاد طاغية وسفاح العراق,سقت هذه الحادثة لاقول ان مجموعة الادباء الشباب التي تعرفت عليها في تلك الفترة والتي كانت تضم فيما تضم حميد حداد , صلاح حيثاني , كريم جواد , عقيل ابو غريب , ماجد الوجداني وشقيقه حميد ,علاوي كاظم كشيش,خضير النزيل , فلاح الصوفي , عقيل المنقوش ,كاظم شناوة , قاسم شناوة واياد الزاملي ,لم ولن تنزلق لحضيض  التغني بميلاد الطاغية تحت ستار التغني بنيسان الذي عاد , ثم عندما يسقط نظام الطاغية بعد ذلك بسنوات تنشر ذات القصيدة (اذا كان كل كلام موزون مقفى شعرا فهي قصيدة ,وهذا ما تفهمه هذه الفئة) على اعتبار ان الطاغية سقط في نيسان . او التغني بتموز واللعب على ذات الوتر الانف الذكر, فكان موقفها حازما و واضحا من النظام ومن اتباعه ومواليه ومداحيه وطباليه منذ نعومة اظفارهم ,وان عمق جذور هذه المجموعة في ارض الثقافة الانسانية قراءة ووعيا وهضما وتمثيلا هو الذ ي جنب معظم اعضاء هذه المجموعة بعد خروج غالبيتها للمنفى من الوقوع في مطب النرجسية وتضخيم الانا بشكل مرضي مقزز كما حدث للبعض ممن وصلوا مؤخرا الى بلدان اللجوء فراحوا يدعون ادعاءات اسطورية خالية من كل حياء ومستهترة بكل القيم والاخلاق ومستخفة بالاخر المضيف في  عقر داره مستغلة صدقه مع نفسه وتصديقه للمقابل .

 

* كل مشروع شعري يرتكز على اسس ماهذه الاسس بالنسبة لك ؟

 

-انها  ثلاث اسس : الموهبة , سعة الاطلاع المعرفي و التجربة , اما الوعي فهو المظلة التي تظلل هذه الاسس , فادونيس وهو اقل موهبة من السياب وسعدي يوسف وسركون بولص , استطاع بسعة اطلاعه المعرفي الثر وتجربته الغنية مع وعي عميق بالاشياء يظلل هذين الاساسين جعلت ذائقته الشعرية على درجة عالية يحسد عليها , من تلافي الضعف في موهبته ,وليصبح مدرسة في الشعر العربي , تعلمنا منه الكثير ,واكاد اجزم ان رايا ايجابيا يقوله ادونيس بشاعر ما دون تدخل دافع اجتماعي في الراي لهو خير من عشرات الجوائز الشعرية التي تمنح بالمجان لتوهم الاقزام انهم اصبحوا عمالقة الشعر وعلى سعدي  وسركون وادونيس ان ينحنوا امامهم , ولكن هيهات فالدافع الاجتماعي يتدخل شئنا ام ابينا , ولا يضعف هذا الدافع الا بضعة امور اهمها عامل الزمن والذي كلما طال كان الحكم اقرب للصواب , والدافع الاجتماعي خصلة يشترك فيها جميع البشر.

اما بالنسبة الى مشروعي الشعري (اذا حق لي ان ادعوه مشروعا )   فهو كاي مشروع شعري اخر يرتكز على الاسس الثلاث  الانفة الذكر, والركيزة الاولى لا حق لي بتقييمها فهي متروكة للقارئ , اما الركيزة الثانية (سعة الاطلاع المعرفي) وكما اسلفت فقد كانت همومنا كمراهقين تختلف جذريا عن هموم مجايلينا , كنا لا نهتم بجمع المال وتكديس الملابس والتباهي امام الفتيات  حيث ان الشعر اخذ ماخذه  منا ,فانعكس اخلاصنا للشعر على جميع مناحي الحياة , حتى اننا كثيرا ما تخاصمنا وحدثت بيننا مشادات , احيانا تستمر اياما او ساعات ومعظم الاحيان دقائق, وهو ما وثق علاقتنا بوثاق مقدس مفجوع بالحنين واللوعة, وبعد خمسة عشر عاما على تشتتنا القسري استطيع ان اوكد لك ان جميع مشاكساتنا و خصوماتنا وسلوكياتنا وغرامياتنا كانت من اجل وفي سبيل الشعر , وطننا وملاذنا وانتصارنا الوحيد في هذه الحياة التي اكاد اجزم اننا معشر الشعراء اكثر من يتجرع الخيبات فيها. ان هذا الاخلاص للشعر والترهب في محرابه , جعل القراءة همنا الاكبر واهتمامنا الاول ,  وهذا ما سبب لنا مشاكل اجتماعية كثيرة مع الاهل والاصدقاء والحبيبات, حيث كنا وما زلنا نقصر في الكثير من واجباتنا الاجتماعية والاعراف والتقاليد بسبب هوسنا بالشعر والقراءة . اما بالنسبة للتجربة , فاعتقد ان ما مر من احداث بالعراق في الربع قرن الاخير جعلت الجميع يمتلكون  تجارب غنية في حياتهم تمكنهم من التعبير بطريقة ذات مستوى فني وابداعي راق لو تكاملت ادواتهم الاخرى كالموهبة والاطلاع الواسع (ولا اقول الثقافة) مع وعي عميق بالاشياء , والشاعرمعنيّ بالأشياء أكثر من غيره مثلما هو معنيّ بطرح الأسئلة ولكن ليس بالضرورة الأجابة عنها. ان الشاعر الحديث (الحداثوي) يجب ان يمتلك معرفة عميقة وواسعة تؤهله لتكوين رؤيته الخاصة لهذا العالم بغض النظر عن تقاطعها مع المحيط  ,الشاعر كتلة متوهجة من القلق , أعجب من الذين يعيشون حياتهم على نمط واحد , وأعني روحياً , كيف لشاعر ما بالذات يستطيع أن يقضي حياته مؤمناً أو ملحداً ( وهنا ارجوعدم فهم المسألة بسذاجة وضيق أفق) لو قرأنا سير جميع الشعراء المخلصين حقاً للشعر والناظرين له كغاية عليا , سنجدهم قلقاً يشاركنا حياتنا , ما أعانيه حقاً هو هذا الشعور الفادح بالخسارة , القلق الذي لا أبالغ بالقول اذا قلت قد أصبح مرضا ,ومرة كتبت عن شاعر: انه شاعر القلق , هل كنت أقصد نفسي , لا أدري ,وكم أرتكبت من حماقات بسبب قلقي هذا ,خاصة عندما يعلن الضجر عن حضوره التام ,المنقذ الوحيد هو الشعر, ساعتها أستنجد بقراءته , وحين أكتبه أشعر بأنتصار يوازي شعوري الفادح بالخسارة .   

 

* نشات وترعرعت خلال فترة الثمانينيات , لكنك لا  تحسب نفسك على شعراء الثمانينيات , لماذا ؟وكيف تنظر الى قضية الاجيال الشعرية ؟

 

- لقد نشرت قصائدي الاولى في تلك الفترة ,ولكن انا لا احسب نفسي على اي جيل , فمن الصعب ان يحدد الجيل بعشرة اعوام , اذ من الصعب ان نجد فرقا واضحا في الكتابة بين من بدا الكتابة والنشر في عقد ما ومن بداها في العقد الذي يليه , وكلنا يعرف ان افضل نماذج ما يطلق عليه الجيل السبعيني كتبت في الثمانينيات , وكثيرا منها في نهاية الثمانينيات , وذات الحال ينطبق على ما يسمى الجيل الثمانيني , الذي  عقد ملتقاه في شهر ايلول 1992 بغياب بعض اهم ابنائه واغلب ما قرا فيه من قصائد قد كتبت بعد الحرب , ثم ان غالبية مجاميع شعرائه المميزة نشرت في التسعينات , والحال ينطبق على الجميع لان معظم شعراء العالم كتبوا قصائدهم الناضجة بعد سن الخامسة والعشرين , ان لم تكن بعد سن الثلاثين , فالمتنبي  اذا ما قراناه بدون ظلال التاريخ واساطيره وهيمنة الاشاعة , نجد ان ما كتبه في بداياته ما هو الا ذلك الكلام الموزون المقفى , او على احسن الاحوال , شعر تقليدي كان الاحرى به ان يحذفه من ديوانه , ولكنه تطور تطورا مذهلا بعد ذلك ان كان ما كتبه في حلب او روائعه بعد خروجه من مصر وحتى مقتله , بالرغم من الطابع العنصري الذي هيمن على بعض هذه القصائد , وليس كما ذهب المبدع طه حسين , عندما ادعى خطا ان افضل نماذج المتنبي كتبها في مصر , فهذا كلام ابعد ما يكون عن العلمية واقرب ما يكون الى كلام شخص متعصب الى مصريته ,وكذلك الجواهري الكبير الذي كتب افضل قصائده بعد سن الاربعين , وكلنا يتذكر عشرات القصائد – الروائع التي كتبت بعد تلك السن , فاضحت في ضمير الامة العراقية مشاعل زهو وفي لغة الضاد شموس ابداع. 

ان طرفة بن العبد ورامبو وغيرهما اقرب الى الشذوذ من القاعدة , لهذا اجد ان من الصعب ربط العقد بالجيل والجيل بالعقد , فمن الممكن ان يكون القرن فيه ثلاثة او اربعة اجيال , ولكن عشرة اجيال وكل جيل يختلف في الكتابة عمن سبقه ومن لحقه فهذا تجييل غير علمي بالمرة .

وهل يتساوى من نشر  في العام الاول من العقد مع من نشر في الاعوام الاخيرة , وهل يتساوى من نشر قصائد في مطلع العقد  مجرد صالحة للنشر او بسبب علاقة اجتماعية تربطه بمحرر صفحة ادبية في جريدة او مجلة ما مع من عزف عن النشر لاسباب ابداعية واخلاقية ,وحين بدا النشر فان كل قصيدة نشرها كانت مكتملة البناء ناضجة تنم عن احساس عميق بالمسؤولية ووعي كبير بالية الكتابة, تستحق معها ان تنشر هذه القصائد بارقى المجلات الادبية المتخصصة في العالم , هذه مجرد اسئلة وغيرها تطرح نفسها , امام الاصرار على التجييل العشري الذي تردده الغالبية دون تمحيص , وكم من شاعر رحل قسرا الى عقد اخر بسبب تباطئه بارسال نتاجه الى الصحافة الادبية , أليس التجييل العشري نتيجة كسل النقاد .

اما النظر الى تجربة الشعراء الذين نشروا خلال عقد الثمانينات فهم بالمئات ولكن من واصل بداب وابداع منهم ربما لا يتجاوز اصابع اليدين , وانا احترم هذه التجارب واتابعها , وبعض هؤلاء الشعراء , ليسوا من حملة الجوائز ونجوم مهرجانات الشعر , انهم يكتبون بصمت وبدون ضجيج , فانا ممن لايمكن للجوائز والاشاعة والنجومية ان تؤثر على ذائقته الشعرية ,بالمناسبة غالبية حملة الجوائز عندنا هم شعراء بالاشاعة , ان كانت اشاعة النظام او الحزب او اشاعة غير المتخصص , اي تلك التي يشيعها المرء عن نفسه امام اناس هم ليسوا اهل اختصاص كان يكون امام رسامين لم يقراوا عشرة دواوين شعر في حياتهم و امام سينمائيين او ممثلين درجة عاشرة وصحفيين من ذات المستوى ومغنين وموسيقيين وحملة شهادات فقهاء باختصاصاتهم ولكن جهلة بالشعر , شعراء وادباء ممن لم يسمعو بسركون بولص ورامبو(يظنونه ممثل سلسلة الافلام الشهيرة) وجان دمو (يظنونه بريطانيا او فرنسيا) وجماعة كركوك (فرقة موسيقية تركمانية تعمل في شركات حقول النفط , هكذا يعتقدون ع مقدسة الا التركمان لما ان ماساة اخواننا التركمان بدات عندما جاءت شركات النفط فوظفت جميع فئات الشعب العراقي من خارج كركوك ال) اضف الى ذلك عمال المطاعم والمقاهي على امل الحصول على وجبة رخيصة وفنجان شاي مجانا . حتى الجوائز العالمية غالبيتها تمنح لاسباب لا علاقة للشعر بها , فجائزة لمضطهدي الراي واخرى للدفاع عن الحريات وثالثة لمن عاش في المنفى لمدة اطول مرغما بسبب مواقفه السياسية ممن يحكم بلده وهكذا منحت مؤخرا جائزة هولندية الى محمود درويش ولم تمنح لسعدي يوسف , علما ان محمود درويش عاد الى فلسطين قبل عشرة اعوام تقريبا , واسرائيل خرجت من الضفة الغربية وبهذا اعترفت باحتلالها , فلا يغضبها منح الجائزة , اما سعدي يوسف فهو خارج بلده منذ ربع قرن , وهو على خلاف مع النظام الجديد في العراق , والعراق تحت الاحتلال الامريكي منذ عامين ونصف , ولا احد يعلم متى يعود , ومع ذلك لم يمنح الجائزة ربما حتى لا تغضب امريكا, وسركون بولص الذي ترك العراق منذ اكثر من خمس وثلاثين عاما, وهناك الكثير من الجوائز تحت مسميات اخرى , لها علاقة بكل شئ الا الابداع الشعري ,كل هذا العدد الهائل الذي يكتب الشعر بالعربية , بينما نجد مهرجاناتنا العربية والمتوسطية تحتفي بمجموعة معنية حتى أصبح هؤلاء مدمني مهرجانات ووسائل اعلام , فراح البعض منهم يتدلل على اللجان المانحة للجوائز, بينما نجد أسماء مهمة في الشعر العربي لا يلتفت لها أحد , وليس اعتباطا ان تجد القائمين على هذه المهرجانات والجوائز حالهم حال أي جاهل بالشعر يرددون بلا خجلٍ وحياء جملاً والقاباً , أي قارئ حقيقي للشعر يشعر بالعار من ترديدها مثلاً: أمير الشعراء ( بعد قراءتي لديوانه قايضته بكتاب قصة الفلسفة , وقلت قولا ما زلت أفاخر به : هذا حمار الشعراء وليس أميرهم , وكنتُ وقتها دون العشرين من العمر ) , متى أصبح للشعراء أميراً , كل شاعر هو امير تجربته وآلامه وحماقاته وخيباته , فأثناء عملية الكتابة يستعيد الشاعر حريته وكينونته , وأناه تكون في قمة تجلّيها وانتصارها وشعورها الحاد بالعظمة , فكيف يقبل بشاعر مثله أن يكون أميراً عليه في الشعر, مما يؤسف له ان الأخطاء التي أُرتكبت في الماضي ما زلنا ندفع ثمنها , فوجود المثقف الذي ينحني أمام السياسي وليس العكس , بكثرة في ثقافتنا , هو الذي منح السياسي فرصة اطلاق الألقاب ومنح بركاته الغير إبداعية لتابعيه , وبهذا إختلط الحابل بالنابل وكثر الغثّ وندر السمين , بل نتج عن هذا مافيات ثقافية , مما حدا بالكثير من المبدعين الحقيقيين الى الأنزواء والزهد أو في أحسن الأحوال التقشف بالكتابة والنشر, فهل من الممكن ان اخدع باحد بعد كل هذا , لا بالتاكيد.

* انت من الشعراء المقلين في الكتابة والنشر , هل هنالك اسباب لهذا ؟ ام ان المسالة لا تعدو ان تكون اكثر من قضية مزاج شعري ؟

نعم انا مقل ولايقلقني هذا بل ولا اهتم له , لاني اهتم بالكيف لا بالكم , الا يكفي ( ولكن هذا ال يكفي يقلقني وليس الكم )  ان عملاقا كسعدي يوسف كتب :" لقد وجد باسم فرات طريقه المتفرد في المشهد الشعري العراقي الرائع في المنفى". وفي رسالة لناقد كبير بل يعده ادونيس اهم ناقد عربي كتب لي  يقول " كهديل فاختة ثكلى على شاطئ الفرات"  وهو ذاته في احدى زياراته الى عَمّان في جلسة ضمته مع مجموعة من الشعراء والأدباء , قال لهم : كيف لم أنتبه لباسم فرات أنه شاعر مميز, فما كان من الشاعر وسام هاشم الا ان اتصل بي مخبرا , وانت نفسك أكدت ذات الكلام اذ انك سمعته من هذا الناقد في اليمن , فهل تعلم ماذا كانت النتيجة هو انني لم أستطع ان أكتب أي قصيدة لفترة طويلة , وخلال خمسة أعوام أو أكثر لم أكتب سوى قصائد معدودات  أنه الشعور الحاد بمسؤولية الكتابة ,أن تسمع إطراء من شخص تحترم ذائقته وحساسيته الشعرية العالية ان صحّ التعبير فهذا يعني انك وصلت الى منطقة مكشوفة لا يمكن التراجع فيها ولا سبيل لك إلاّ المضي قدماً الى الأمام , فمنذ نعومة أظفاري وانا أرتجف أمام أي  شخص أقرأ له قصيدتي أو أسلمه ايّاها ليقرأها بنفسه , حتى ألآن وعبر الهاتف عندما أهم بقراءة قصيدة لصديق فان أعضائي كلها تهتز مثل نخلة مزروعة في عراء القطب الجنوبي , رغم اني قرأت أكثر من مئة وخمسين مرة في نيوزلندا خلال اقامتي التي امتدت الى ثماني سنوات وبالذات في العاصمة النيوزلندية ولنغتن , حيث ان هذه المدينة مع ضواحيها تعج بالأماسي الشعرية والتي لا تقل عن ثماني أمسيات شهرياً . والساعات التي تسبق مواجهة الجمهور, هي من أصعب الساعات وأكثرها قلقا ورهبة وخشية من الفشل , ومع كل نجاح أحققه , أزداد قلقا ورهبة وخشية , فالكتابة تحتاج الى تجربة , والتجربة تحتاج الى أن تختمر في الذاكرة , وان تتشذب وتتعمق بالقراءة , لذا فالمسألة ليست مسألة مزاج شعري , والكتابة بشكل ايجابي عن نتاجي وبالذات اذا كثرت ( كتبت اكثر من عشرة عروض ودراسة حول ديواني بالانجليزية في نيوزلندا واستراليا وامريكا الشمالية واوربا ) هي التي تقلقني لانها تخاطبني بطريقة اخرى , قائلة : اين جديدك , واحذر ان تراوح بمكانك , فقافلة الابداع الى الامام وهي لا ترحم منِ يتخذ منَ الدراسات والمقالات وسادة لينام عليها , أكثر الأشياء تفرحني هو عندما يكون قارئ نصي , قامة شعرية مهمة ويتمنى ان يكون هو كاتب هذا النص , هذي هي الجائزة الكبرى والحقيقية .

 

* للمكان الاول اثر على كل تجربة , و  لكربلاء مساحة واسعة من تجربتك , هلا حدثتنا عن هذه المساحة؟

 

المكان الاول بالنسبة لكل انسان هو كالرحم , هو البراءة , التشكل , الارضية التي يقف عليها كانسان وكعاشق وكحالم , وتزداد العلاقة حميمية كلما كانت الجذور أعمق وأعمق , اضافة الى ان المقصي او المنفي  يحاول أن يوسع مساحة للاشياء الجميلة والرائعة في ذاكرتنا للمكان الاول , وبما ان الزمن له قدرة عجيبة على قمع السلبيات في ذاكرتنا , وبهذا يصبح المكان الاول مكانا مثاليا بالرغم من كل مثالبه تحن اليه كجنة مفقودة , وكانك ما عانيت الى درجة دفعتك للهجرة بعيدا عن هذا المكان , وللتخلص من هذه الاشكالية فانك ترحل جميع احباطاتك وعدم تجانسك الى حالة قريبة بالقدرالتي هي بعيدة , كان تكون الحكومة وخصوصا هرمها الاعلى , مجبرا نفسك على التغاضي عن مئات الناس الذين يحيطون بك من مخبرين وانتهازيين ومنافقين ومدعين يحسبون ان تملقهم للمسؤولين وللادباء السلطويين شهادة ابداع كبرى عليك ان تنحني لهم عليها , وارجو ان لا يفهم ان مدينتي ومدينة ابائي واجدادي منذ اكثر من تسعة قرون ( نزحت عائلتي في القرن الحادي عشر من بابل العظيمة حيث عشنا هناك منذ الازل , اذ اننا استعربنا بعد عودة اخوتنا من منفاهم الاختياري والذي استمر لاكثر من الف عام حاملين دين جدنا الاسطوري العظيم ابراهيم  بعد اجراء الكثير من التجديد عليه ) هي مؤئل كل هذه السلبيات , ولكن نحن العراقيين نعود الى ارومة واحدة هي العراق , فامنا هي ارض شنعاروجبال آشور ووالدنا هو العراق وهذا يعني ان ثقافتنا واحدة والعقلية التي نحملها واحدة بكل سلبياتنا وايجابياتنا واختلاف لغاتنا ومعتقداتنا, وان عدم وجود فسحة زمنية كافية ذات استقرار وانفتاح سياسي ورفاه اقتصادي للتخلص مما اورثتنا اياه الهجرات المتواصلة الى سهول البلد من الجهات الاربعة من سلوكيات لاتتناسب والمجتع المديني .

نعم المكان الاول جنة مفقودة نحن اليها دوما ونؤسطرها كما نؤسطر الاشخاص , لان منطلقنا هو ذهنية التأليه ,فحتى الذين ذهبوا للعراق بعد سقوط بغداد وعادوا الى منافيهم محبطين ومتخذين قرار اللاعودة النهائية والاستقرار في المنفى , فانهم بعد سنوات قد تطول وقد تقصر سوف يعاودهم الحنين , وان المكان الاول سوف "يحتال" على ذاكرتهم فتخضر من جديد الاشياء الجميلة او التي يصورها لهم حنينهم جميلة , وتبدا الجنة المفقودة في التوسع على حساب صحارى الذاكرة , وهنا لابد لي من الاشارة الى نقطتين , الاولى هي اني هنا اتحدث عن غالبية ولا اتحدث عن فئة قليلة , قرار استقرارها النهائي اتخذته منذ ان وطئت اقدامها بلدان اللجوء والهجرة بمشاعر باردة وقلب من حديد لا املكهما, ولا اريد ان املكهما , لان العراق بيتنا جميعا وبناء وتعمير هذا البيت واجبنا جميعا , بينما هؤلاء , الوطن بالنسبة لهم حيث سعادتهم ورفاهيتهم ولا ولاء واخلاص لهم الا الى نفوسهم . اما النقطة الثانية فهي تخص الذين عادوا للعراق بدوافع مصلحية على امل الحصول على منصب مرموق ظانين ان وجودهم في المنفى كل هذه السنين يمنحهم الحق بالتطلع لمنصب مهم بعد السقوط الكبير, وعندما خاب ظنهم عادوا الى منافيهم مرددين ان العراق انتهى , وهو بالفعل انتهى بالنسبة لهم راهنا على الاقل .

 فالمكان الذي ولدت(1967) وعشت فيه حتى خروجي من العراق (1993) هو في الخيال الجمعي , مقدس ورمز للثورة والتحدي , تخشاه الانظمة ويتغنى به الثوار والشعراء والفنانون والحالمون والمؤمنون وانصاف هؤلاء جميعا , وهذاهو قدر المقدس والرمزيجمع كل الالوان والاطياف , ذاكرتي ملأى بمشاهد المواكب الحسينية بكل تفاصيلها مع الاف القصص التي سمعتها من كبار السن الذين تجد كتب التاريخ تملأ رفوفا من بيوتهم ذات العمارة العراقية الأ صيلة عن تاريخ المدينة قديما وحديثا وعن فقهائها وادبائها ومتصوفتها وعاهراتها وقواديها ولوطيّيها وحشاشيها واشقيائها وصراعات  محلاتها السكنية ,او صراع المدينة مع الحكومة او مع القبائل , مشاهد الجنائز التي تاتي من مناطق متفرقة من العراق لتطوف في المدينة اولا ثم تذهب غالبيتها الى النجف , اصوات الاذان من المنائر المذهبة واصوات النعي والتشييع ايضا ,جنائز يمشي خلفها المئات ومنظر اصحاب الدكاكين وهم يتركون دكاكينهم للالتحاق بها ولو لبضعة امتار طلبا للثواب ومواساة لاهل المتوفي , واخرى تسير يتيمة بلا ناع فتعلم انها لشخص أعدمته الحكومة , وجزاء من يمشي خلف