أنتم الناس أيها الشعراءُ! أحمد شوقي...... الشعر من نَـفـَس الرحمن مقتبسٌ. والشاعر الفذُّ بين الناس رحمنُ! عباس محمود العقاد......أيها الشعر, يا أيها الفرح المختلسْ! كل ما كنت أكتب في هذه الصفحة الورقية ْ, صادرته العسسْ!! أمل دنقل ......حزني نحاتٌ موهوبٌ. لا أبصرهُ, يأتيني كل مساءْ. يستخدم إزميلاً دون ملامحْ. فيزيد خطوط جبيني عمقاً. يرسم بعض خطوطٍ أخرى. أهرم تدريجياً كي تكتمل ببطءٍ تحفته الفنية! تشي شيان ......... أيها الشاعر المبتئسْ .. إنْ يكنْ همُّ غيرك لقمة عيشٍ , وشربة ماءٍ , وجرعة كأسْ .. إنَّ همَّك كيف تصون الجباه بدون دنسْ! - سيد جودة .......... أنتَ, يا من تضنُّ علينا بعدل الأناسيِّ, ما أبشعكْ! - سيد جودة............. الشعر لا يهدي إلينا ذهباً أو فضة ً, الشعر لا يهدي سوى قلبٍ جميلْ! - شوهونج سينج............ الحق لهبْ, من يقدر أن يحبسهُ في علبة كبريتْ؟ من يقدر أن يربطهُ في الظلمة ْ؟! - شوهونج سينج ........... في العالم المملوء أخطاءَ, مطالبٌ وحدكَ ألا تخطئا! أحمد عبد المعطي حجازي........ لعينيك يا شيخ الطيور مهابة ٌ, تفرُّ بغاث الطير منها وتهزمُ! عباس محمود العقاد........ معذرة ً صحبتي, قلبي حزينْ. من أين آتي بالكلام الفرحْ! صلاح عبد الصبور......... معلقٌ أنا على مشانق الصباحْ, وهامتي بالموت محنية ْ, لأنني لم أحنها حية ْ! أمل دنقل.......... صافيةً أراك يا حبيبتي, كأنما كبرت خارج الزمن! صلاح عبد الصبور............ أمرتنا فعصينا أمرها, وأبينا الذل أن يغشى الجباهْ! إبراهيم ناجي .......... رفسة ٌ من فرسْ تركت في جبينيَ شجًّا وعلمت القلب أن يحترسْ! أمل دنقل

يمكنكم إرسال الحورارات الأدبية أو الفنية للموقع إليكترونياً على adab@arabicnadwah.com أو بالضغط على هذا الرابط.

كلاديس مطر: اترك لفكرك أن يرى الأشياء الناطقة

 

ندوة - 30 سبتمبر 2009

 حوار: سمر محفوض

 

 

كلاديس مطر : تدفعنا إلى التأمل، وهنا، بالذات، يكمن الفعل المرهق لحروفها، بمتناول النبض المتورط بفعل الحياة والروح الحاملة لقناديل خروجها من الهشاشة، تخط رغبة الحبر كهاجس متوقد ومسكون  كلاديس مطر كاتبة وباحثة وروائية من نوع خاص، تطوي جناحي حلمها على التوق برقة وإصرار ورحابة أفق، الكتابة لديها ليست نزوة، بل تواتر حيوي متجاوب ومبتكر على نطاق المحتوى النصي الذي لا يمكن احتواؤه، كائنًة لا تعرف الهدوء، ولا يملأها سوى الابداع متدفقًة من ذروة أعصابها الناهضة بأكثر من طوفان لم يكن بها الشروق العادي لإبداع متوقع فقط، بل هي الروح ترتبها ,كعنادٍ لا ينتهي عبر التأكيد عليها باستمرار؛ فالمتكون في المخيلة، والتي تفصح عنها، هي أكبر من مساحة الحبر؛ تجعلك تتعلق باللامرئي من الفراغ اللانهائي، حيث  المنتج القصصي  والبحثي والنصي السردي والصورة تشبه الأخرى ولا تشبهها؛ هاجسها حول ذلك، العبور العذب الذي يفيض بالسعة طارحًا أسئلة اللحظة الإبداعية؛ هذا التناغم الشديد الكثافة في الذهاب إلى الحدود القصوى والكتابة عندها علامة زمن معين؛ زمن تحيكه زهرًا، حيث الكائن فيه منساقًا إلى الأعلى كهاجس تعبير وبحث بهيٍّ بشواغلها العميقة الإيقاع،لا نجد على مسار اصداراتها كلها جملًا ذهنية محضة، أو لا تتصل بانفعالاتها بتنوعها،  كفعل وعي تشاركي عالي الطمأنينة، على متاريس الكف في مملكة الحرف، وإنما يحدث مع كلاديس مطر أن تكون اللغة أجمل منا لأنها تعمد إلى تعرية إرباكنا بمستويات متنوعة وخصبة.

 

الحوار

سمر : هوميروس في ملحمته كان مجنون الحكمة بامتياز, بروست في بحثه عن الزمن المفقود يخط الغياب المتخيل عن الطفولة ,النص البورخيسي كان الذي هاجسه الصمت، يؤلف الجملة المركبة بحيث تقدم منتجها ليكون مقروءاً كونياً, كلاديس مطر التي تتماهى مع مدلولها وهي تسرد أسئلتها الممتدة والمتشابكة كيف تلخص لنا الحالة الإبداعية. 

كلاديس : تستغربين ان قلت لك انه لا يوجد اي حالة إنسانية ذات قيمة ،و ليس فقط إبداعية ، من دون حالة سلام حقيقية مع الذات ، او من دون هذه المصالحة معها. الحقيقة لا استطيع ان ارى في الفوضى الروحية اية دلالة او عوارض إبداع معين . لقد عشنا طويلا مع هذه الفكرة و بدأنا نربط خطأ بين الفوضى و الابداع ...اعتقد انه آن الاوان لكي ننتقل لمرحلة اكثر نضجا و اقترابا من الحقيقة .. ذلك ان الاثر الادبي او العمل الإبداعي الذي يخاطب فعلا المتلقي هو عمل على درجة عالية من الوعي و يتطلب سلام داخلي و يقين تجاه شيء ما.

سمر : لكن هل اللافوضى الروحية التي تحدثتِ عنها هي ميزة الحالة الإبداعية لديك أم ترينها هي " الميزة " لأية حالة إبداعية" ؟

كلاديس : هناك بالتأكيد استثناءات .. لكني أراها الأرضية التي تسمح بظهور إبداع يُقرأ او يُرى او يُسمع !! انا لا أؤمن كثيرا بأشكال الجنون التي تصاحب الإبداع ..اعتقد إنها افتعالية في اغلبها و لا يجب بالمطلق ان نخلط بين خلفية الإنسان الثقافية و عاداته الاجتماعية و بين إبداعه فنعتقد خطأ أن الأولى تمهد للثانية  وان الثانية هي سبب ظهور الأولى . الآخرين يكتبون بشكل مختلف عنا و هذا أمر طبيعي ...و يرتاحون في الكتابة او الإبداع في مناخات مختلفة و هذا أيضا أمر طبيعي .. الحياة الإنسانية غزيرة ....و هذه سمتها.

سمر : نعم .. وصلت الى معنى ما تقصدين ..!  انتقل الآن للرواية باعتبارها فن يحمل كل فعل إنساني، ملخصا العام والخاص على اعتبار ان الأدب يؤرخ للأرض ومن ثم للإنسان،  كلاديس مطر الروائية المشغولة بالوحدة الوطنية تجلى ذلك بروايتها (ثورة المخمل) حيث ترسم لنا ما يدور في السيرك العربي الواسع بماذا تلخص الفكرة.

كلاديس : لا أخفيك سرا إن قلت أن الأمر كله بدأ في لحظة خاطفة عندما رأيت رجلا وحيدا يعد نقوده القليلة ثم يحتفظ بها في منديل من قماش ...! لقد راعني المنظر ، كان الرجل مرتبكا و خائفا و ثقته قليلة بنفسه كما يبدو ..لقد هزتني وحدته ..و فكرت لوهلة أن الوطن مليء بالرجال و النساء المتوحدين و الوحدانيين ...كل منهم يقف وراء متراس عقيدته و وراء متراس همومه الخاصة تاركا كل شيء على كتفي الله .

سمر : إذا هي رواية عن الإنسان قبل الأرض ؟

كلاديس : هي كذلك بالفعل . الإنسان العربي يحمل أرضه في تصوراته و لا يتعاطى مع الأمر كمواطن ! مازلنا نتخيل أوطاننا و لا نعيش فيها. ربما هنا تكمن المشكلة . فكرة الدولة غير ناضجة بعد في عقولنا كعرب و بالتالي فكرة المواطنة ..و أنا في الرواية أردت التحدث عن معنى ان يكون المرء مواطنا فعلا و هكذا كان علي ان أتحدث بالتالي عن الوحدة الوطنية باعتبار أن بلاد الشام تفور بتعدديتها الثقافية و العقائدية و كان هذا السؤال الكبير : إلى ماذا ننتمي نحن ألى عقائدنا أم إلى الأرض ؟

سمر : .. و كان الجواب واضحا في الرواية .

كلاديس : اعتقد انه كان كذلك ... لقد أردت أن القي ضوءا قويا على أهمية الأمر .

سمر: جميل ...! لكن دعيني ألفتك هنا إلى  أن فكرة الدخول الى عالم الكاتب وإعادة صياغة الشخصية من خلال المنتج جعلني ألاحظ  أن مخزون كلاديس مطر موسوعي ، أي انك حولت الذاتي الى العام وركزت على المضمون بقدرة الباحث الذي يرى بينما يبقى هو غير مرئي اعني مجموعتك ( رغبة غافية) الصادرة عن دار الحوار. هذا التوق يشعرنا ان الكون على شفى الهاوية ؟

كلاديس :  .... بدأت اعتقد ان الوضع " الطبيعي " الدائم لهذا الكون هو أن يكون على شفى هاوية من دون أن يسقط و لو مرة واحدة . ربما هذا ما يحفز الآخرين لكي يعملوا كل على طريقته في تأخير هذا الانتحار المتوقع للكون. و أنا أيضا أوخر هذا الانتحار على طريقتي و لهذا أنا مضطرة لدمج الخاص بالعام و ان اكون دائما خلف ستار ما أتفرج كيف سيعدل هذا الكون عن انتحاره المتوقع و لكن الذي لن يحدث . لهذا انا ارى من دون ان اكون مرئية في المشهد تماما .. أتفرج على الدنيا كمخرج سينمائي من وراء عدسته على فيلم لا ينتهي ..!

سمر: لكنك بطلة فيه بشكل ما أو لنقل احد أبطال هذا الفيلم ..!

كلاديس : نعم بشكل ما انا احد الأبطال و المتفرجين في آن ...! و المخزون الموسوعي التراكمي أمر حتمي و هو ضريبة او نتيجة " الانتباه " لحركة ايقاع هذا العالم الذي يلوح آيلا للسقوط لكنه لا يسقط مع ذلك. إن مجموعة رغبة غافية هي عن عالم الذين نطلق عليهم " كبارا" ، عالم الهرطقة السياسية و التجديف الفكري و الحياة الاجتماعية المارقة ..! انه ليس عالم الرجل البسيط و لكنه عالم أولئك الذين يديرون حياته  فيجعلوها هي الاخرى آيلة للسقوط .. او على صورة و مثال عوالمهم هم .

سمر: .. نعم .. لقد لفتني في قصصك ما تحمله في طياتها من مرارة كبيرة، تمعن في استحضار المفردات و التفاصيل الصغيرة و تغرق في التساؤلات .. لتقف بالقارئ على التباين الحاصل في الشخصية الإنسانية بين المتمنى ( المشتهى ) و الواقع.

كلاديس : التباين اعتقد قائم بشكل لحظوي .. كمن يحضر جنازة بينما يستمع الى زغاريد الفرح في الشقة المقابلة ..! والمرارة هي تماما بكاء على من رحل و تمن دفين لاحتلال مكان العروس او العريس في " كوشة " العرس . و هناك طبعا الاسئلة في نهاية المطاف ...اسئلة تمعن حقا في قلب هذه الدنيا على قفاها لمعرفة من أي شيء" هي مصنوعة " ؟ و لما تتجاوز في ألمها او فرحها سقف "المقدور عليه" لدى الانسان البسيط . و لما لا يكفي كل نضج الدنيا و حكمتها احيانا في تهدئة غلواء الروح او  إطفاء ألمها الخاص ...انا استعمل لغة محدودة في نهاية الامر ...و اشعر في كثير من الاحيان أنها تعوزني كلما اقتربت من شعور ما ، او حالة اريدها ان تظهر للملأ ... في النهاية هناك الف سقف للفرح و لون و كذلك للحزن ...و اللغة قاصرة عن استحضارها كلها ...!

سمر : صحيح . اعتقد ان اللغة قاصرة بدرجة ما. .لهذا اجد من الصعب الحديث عنك كروائية و كقاصة من دون الحديث عنك و أنت تبدين وجهات نظرك المحملة بثقافة واسعة ومتنوعة تطرحين فيها فكرتك و فلسفتك حول لغزي الحياة و الموت، كما تقول عنك الناقدة رباب هلال، . (   حب على قياس العالم ) هو باكورة (سلسلة( المطالعة : متعة و ثقافة ) الموجهة للطلاب و الصادرة عن مؤسسة نوفل بيروت .الى أين وصل هذا المشروع.

كلاديس : هذا مشروع مستمر .. هذا الكتاب هو بين يدي طلاب المرحلة المتوسطة في المدارس اللبنانية العامة و الخاصة و لقد أجازته وزارة التربية و التعليم ليكون ضمن سلسلة الكتب المخصص لمطالعة الطلاب .

لقد بدأ هذا المشروع منذ سنوات و الكتاب هو جزء من سلسلة بعنوان المطالعة : متعة و ثقافة، و يشتمل على ثمانية قصص منتقاة بدقة من مجموعتين لي ( حتى يزهر الصوان ) و ( فرح عابر ) مدعمة بالأسئلة المضمونية و النحوية و مضبوطة بالشكل و موجهة للطلاب . الكتاب عمل على تقديمه التربوي المعروف دكتور أنطوان طعمة من الجامعة اليسوعية  في بيروت .

لقد اريد من وراء هذا الكتاب  ان يطلع طلابنا ليس فقط على التجارب الإبداعية القديمة و انما الحديثة ايضا بحيث تختفي هذه الهوة بين ما يتعلمون في المدارس و بين ما يرونه في كتب أخرى و وسائل إعلامية معاصرة.

سمر : في بحثك الذي بعنوان (الصراع حين تحركه التعاويذ) أردت أن تدفعي بالقارئ العربي لمعرفة الأسباب الخفية التي تقف وراء الصراع العربي الإسرائيلي و ما هي خلفية هذا الصراع منذ بداياته حتى يومنا هذا . انك حتى وضعت أصبعك على السبب بشكل مباشر و سميته " صراع عقائد" !!!

كلاديس : الحقيقة لقد كتبت في هذا البحث ان ما لفتني هو "  ان التحولات الكبرى في التاريخ حدثت بسبب استخدام القوة العسكرية أو التهديد بها . و كأن التاريخ في انطلاق مسيرته لا يلتوي الا قسرا، و تحت تأثير العنف العقائدي المسلح !كما لفت نظري انه من الصعب ان تحدث هذه التحولات الجذرية الفجائية، بسبب كتاب نقد أو قصيدة أولوحة أو مشهد تمثيلي . ان مثل هذه ( الأمور ) تحدث تغييرا على المدى الطويل أو البعيد، بينما تملك الرصاصة العقائدية تأثيرا لحظويا أقوى.

يغزونا الأمل كل يوم كمهتمين بالشأن الثقافي ان نرى التحولات تحدث بالعمق ( لا طولا و لا عرضا ) و ان يشمل مداها نسيج روح الإنسان بالذات ..طبيعته الأكثر تجذرا في الإرث و التراث ، و تطلعاته التي مازالت تكبو وراء القضبان . يغزونا الأمل أن نرى التابوات العقائدية مفككة و مطروحة جانبا ، أن تقوم هذه التحولات بإعادة صياغة مفهوم الحرية والكرامة و الشرف لدينا كعرب ، و أن نبدأ بالتطلع إلى الدنيا بعيون من يراها للمرة الأولى ، من دون ذاكرة الماضي المؤلمة ، و من دون هذا الميل القديم لتبيان تاريخنا العربي و كأنه قطعة موسيقية لا نشاز فيها . "

و حين أفكر بالصراع العربي  الإسرائيلي ، لا أجده يشذ عن هذه القاعدة . فهو صراع عقائدي - عسكري لدرجة تجاوز  شكله العملياتي  ليتحول إلى  (حالة ) بقائية بشكل ما .  انه صراع  الفكر المسلح الطالع من الكتب المنزلة و النوايا الغامضة الدفينة التي لا تشي بالمطلق بأي ود لوجود الآخر ." .... هكذا استهللت البحث و ها أنا أعيده هنا مرة ثانية .

سمر : لكن مفهوم التعويذة كما ذكرت في هذا البحث هو " مؤسس برمته على كتابة النوايا على أوراق ، و دفنها فيما بعد و تركها تتحقق مع الوقت .. ! "

كلاديس : نعم ... إننا لا نعرف من كتبها و إلى  ماذا يرمي ! لقد قالوا لنا  بأنها تشفي و تعالج و تدفع المحب للاعتراف و حتى أنها تجمل العمى.  إنها فوق التحليل و التمحيص و المراجعة و التساؤل تماما .. لقد كتبت و كأن حبرها من فولاذ و كأن الكلمات و الجمل مهما كانت تافهة و ركيكة و غير مترابطة  فهي متحققة في الزمان و المكان و لا يمكن إزالتها . إن الحروب التي شنها  العبرانيون  على العرب  بدأت و ستنتهي باعتبارها حرب تعاويذ مكتوبة و أدباً سيئاً . و الفكر الذي يحركها هو فكر تعويذي سخيف ، زاد من ركاكته تراجمه السيئة وتفاسيره  المبنية على التزوير الجغرافي و التاريخي و حتى الفكري .   و من اجل تنفيذه ، لا بد لتوازن المنطقة من أن يقلب رأسا على عقب و ربما لتوازن  العالم كله .  و هذا ما يحدث الان!

سمر: نعم . فهمت الى ما ترمين ...! دعيني اعود مرة ثانية الى مجموعاتك القصصية . في " فرح عابر" هناك مجتمع يتلصص أفراده على الحياة من الثقوب الكثيرة في جدران حياتهم الآيلة الى السقوط وقد تركوا كل شيء على الله... تُرى هل المجتمعات العربية "أسيرة واقعها " الفكري والثقافي والحضاري ؟ و هل الحل برأيك لأي مشكلٍة قد تواجهنا لا يكون في البحث عن مخرجٍ ضمن الواقع "المأساوي" نفسه الذي نحياه بشروطه، بل بمغادرة هذا الواقع إلى واقع آخر مغاير- اقصد المغادرة عبر الوعي ؟؟؟

كلاديس : انا شخصيا لا اعتقد أن الهروب يفيد في أي حل على الإطلاق مهما كان . و انما ارى في المواجهة الحل الأمثل .. لكننا في الأدب نحرض على المواجهة من خلال عوالم افتراضية المفروض أنها أفضل تنطوي على الحل . اما المجتمعات العربية  الحزينة فهي " أسيرة " أبدية لا لواقع و انما لفكرة مقيمة فوقها كغيمة سوداء تأبى ان ترحل . و هذه الفكرة القديمة المزرية تعتقد انها تحتكر كل الحقيقة في داخلها ...فتمنع عن العربي المسكين الحزين حتى التجرؤ على التفكير ...لهذا فانه يعيش في مجتمع على مقاسه لا يفكر و انما يقبل ، لا يثور و انما يركن على وجعه ....اشعر بالشفقة على مجتمعاتنا اليوم و هي ترتجف امام المد العولمي من دون ان يكون لديها شيء تعول عليه سوى هذه " الفكرة " التي تظن انها تحتكر الحقيقة في داخلها . لهذا فان فرح هذه المجتمعات عابر و ليس مقيم !!

سمر : نعم .. ! دعيني انتقل معك الى موضوع آخر و لكن ذو صلة: جسد المرأة . تُرى هل هو ملك الجماعة، القبيلة، العشيرة ؟ و هل الغيرة العربية على الأعراض اختزلت في الغيرة على منطقة محددة من جسدها بدلا من الغيرة على الحقوق الضائعة للشعوب العربية والدفاع عن الإنسان؟ كتاب ( خلف حجاب الأنوثة) يحاول تفكيك الأصول التي بنيَ عليها هذا التراكم البغيض ضد المرأة وإنسانيتها . ماذا تقولين بهذا الصدد ؟

كلاديس : يقسم المجتمع العربي (جنس ) النساء إلى قسمين:  قديسات و عاهرات ! فاقل تجربة عاطفية تدخلها المرأة يمكن أن تضع  سمعتها مهما كانت نظيفة على محك الإباحية ! و اقل تعبير عن  داخلها يمكن أن يدفع الآخرين للنظر إليها  باستغراب و شك . و اقل مطالبة بأي حق ( طبيعي ) يمكن أن يزل رجلها في خانة

 ( المتحررات ) المريبة ! و إذا كانت المرأة مطلقة ، فان الضغط يصبح اكبر و التقييم أسرع و الإدانة قاب قوسين أو أدنى ! ولم يشر تاريخنا العربي على أن هناك ، عمليا ، درجات في عقل العربي بين هذين الحدين .

إن العربي الذي يعاني اضطرابا وظيفيا في إحساسه بالصيرورة المكانية و الزمانية ،  قد تفتق خياله المتعب

( بحضور المرأة ) عن حل الحلول . و لأنه لا يقدر على المواجهة و يتميز بالعمق برمي مسؤولية أفعاله على الله و  الآخرين  ، فقد اعتقد أن الفصل بين الجنسين فصلا تاما  هو من اكثر  الطرق ضمانا لعدم انزلاق المجتمع  إباحيا ، بل انه بهذا الفصل لا يحمي عفة المرأة و إنما الرجل بالذات من فتنة قد تكون قاضية !

لقد تحدثت المرنيسي عن  هواجس النسوة المختبئات في الاحاريم المثلية ، تذهب إلى ابعد من هذا عندما تبحث عن اصل الكلمة ، و لأنها تعتقد أن البداية كانت في لعبة من العاب السلطة حيث النفوذ لمن يملك اكبر عدد من النساء ، فإنها تكشف سخافة و ضحالة كل تبريرات هذا النوع من النفوذ . فضبط الحريم في مكان واحد خوفا على الرجال من اللهو و عدم الالتفات إلى ما هو أجدى مجتمعيا : العمل بغية كسب القوت ، قد دحضه الغزو الفرنسي بكل تؤدة و هدوء . فنسائهن يخرجن على هواهن بل و يعملن بينما وجد الرجال الوقت مع ذلك لتأليف جيش جرار و غزو المغرب !!!!!

العرب ملتهون بأمور أهم من الغيرة على ضياع الحقوق .....!!

سمر : اعتقد ان هذا صحيح الى حد كبير من دون اللجوء طبعا الى التعميم .

كلاديس : بالتأكيد !

سمر : بما أننا نتحدث الآن عن المرأة ، دعيني أسالك لما تميل الكتابات النسوية الى انتهاك اللغة بمستويات عدة ... اقصد كيف تعبر المرأة عن نفسها .. !

كلاديس : اعتقد ان هذا سؤال مهم جدا في هذا الوقت بالذات . الحقيقة لقد تحدثت عن لغة المرأة في واحدة من محاضراتي وقلت " أنه يفتح  البابَ على مصراعيهِ على قضيةِ المعنى . هل تحمل كل كلمة تقولها المرأة معناها الصحيح حقا ؟ وهل تعطي كلماتها دلالتها  ؟ و هل تأويل كلامها أمر حتمي لكي نفهم الى ما ترمي اليه حقا ؛ و اقصد بالتأويل اكتشاف معانٍ في خطابها لا وجود لها البتَّة في العلاقة بين "الدَّال"، أي الكلمة و اللفظ، و"المدلول"، أي المعنى؟"  لقد لاحظت أن هذا التقويض بين الدال و المدلول منتشر الان لا في الشعر الحديث بكثرة و انما نعثر على اللغة النسويةِ التقويضيةِ ايضا في الرواية النسائيةِ الحديثة التي تنمُّ بشكلٍ ما عن لغةٍ مسترجلةٍ عموما.  و التقويضيةُ هنا تتبدى في ظاهرةِ الوصفِ و ليس السرد في اغلبِ الرواياتِ النسائية . و لقد شكلَ هذا النقدُ موضوعا لسجالٍ حادٍ جدا في ملتقى الروايةِ العربيةِ في دمشق العام الفائت . فلقد ذكر الناقدُ المغربيُّ في هذا الملتقى " سعيد بنكراد " ان "  الغالبيةَ العظمى من الرواياتِ النسويةِ العربيةِ "تعتمد على الوصف وتفتقد السرد". وقال بنكراد ان "الوصفَ هو للهروبِ من المواجهة" مغلباً السردَ "الذكوريَّ" عليه. فالوصفُ لا يبني عالما ، و انما يستعيدُ معرفةً متداولة . و هكذا فان لغةَ الروايةِ النسائيةِ اليوم هي لغةُ المرأة التقويضيةِ التوصيفيةِ التي تستعيدُ و لا تخلقُ بشكلٍ ما.

لهذا ، اذا ما ارادت  الروايةُ النسائيةُ ان تقدم اية خدمة للرواية العربيةِ ، فلا يجب ان تكتبَ بلغةٍ ذكوريةٍ مسترجلةٍ ( اي ان تقلد المرأةُ الرجلَ او تنظرَ الى نفسها كما ينظرُ هو اليها ) أو بلغةٍ تقويضيةٍ او توصيفيةٍ و انما بلغةٍ حقيقيةٍ عاكسةٍ لمرآةِ الداخلِ كما هي بشفافيتها الاعمقِ و الاكثرَ تبدياً . إن لغةَ المرأةِ هي وجودها و يجبُ أن يُسردُ هذا الوجودُ كما هو .

سمر : في مقالة لك بعنوان " النعامة الرقابية العربية " تتحدثين عن الخطوط الحمر التي يخرقها الخطاب النسوي و ردود الفعل الرقابية عليها  ... ما موقفك من هذه الثنائيات : الرقابة و الإبداع ، الأفق اللامحدود و الخطوط الحمر ؟

كلاديس : الحقيقة لقد كان مقالا عن كيفية تحول النص الايروتيكي الى بعبع في نظر الرقابة . و لقد قلت فيه أن الادب "  لا يستطيع ، من بين مهامه الاخرى ، ان يقف على الحياد فيما يتعلق بأمر يعتبر على هذه الدرجة الرحمية ، الشديدة الصلة بالذات الإنسانية ، و ليس يقبل ان يحيد مواقفه و رؤاه و جهات نظره و ان يتجاهل هذه الأداة – الجسد التي هي صلة الوصل الوحيدة بين عالم الروح و العالم الخارجي . فليست ( الكاميرا السينمائية ) التي بين يدي الأديب كاميرا انتقائية عندما تبدأ العمل  . انها تمر على كل شيىء امامها و تمسحه بادق تفاصيله . و لا يعني هذا ان لا دور  للأديب في تقديم الواقع برؤاه الخاصة ، ذلك ان دور المونتاج هو بالضبط تقديم المشهد ، مكثفاً موحياً من دون شوائب بغرض ايصال الفكرة أو الرسالة المبتغاة من وراءها .

ليس النص الايرويتكي، اذا ، يتمحور حول الجنسانية بمعناها الاغوائي البدائي و إنما يتجاوزه لكشف مكامن الروح و بوصلتها و الولوج الى طبقاتها الاعمق . "

أليس للجسد  شيفرته الخاصة التي يجب على الأدب أن يعبر  عنها في أشكاله كلها ، و ان  يفكها و يترجمها  من اجل المزيد من  الكشف عن علم تشريح لا الجسد البشري  فحسب و إنما أولا النفس الإنسانية التي تقود هذا الجسد و تحركه !

اليس الجسد البشري حالة ثقافية بكل ما للكلمة من معنى ! أليس هو ابن بيئته و ابن القوانين الاجتماعية و الفكرية التي تتحكم في هذه البيئة و هو ، لهذا ، حالة ثقافية متكاملة تتبدى فيها كل المتغيرات و المتحولات التي تطرأ على بنيان المجتمع خلال حركة الزمن و صيرورته !

أليس الأجدى بالرقابة ان تتحول الى هيئة من النقاد المحترفين فيتناولون الجودة الفنية للنص و القيمة الفكرية بدلا من التلصص على هذا المثلث ( الجنس و الدين و السياسة ) الذي يتم اختراقه المرة تلو الاخرى و بكل مثابرة في كل نص ينشر اليوم اما في المواقع الالكترونية أو النصوص الورقية !!!

زد على ذلك ، ان منع هذه النصوص أصبح امرا تنقصه الدراية البسيطة ... فها هو الانترنيت حاضرا بكل قوته ، كبسة زر واحدة و تنهمر عليك النصوص من كل حدب و صوب بحيث تضيع قرارات الرقابة العربية في شربة ماء .

لم يعد هناك قراء أغبياء .. أصبحت وسائل المعرفة متاحة للجميع ، بل ان هناك مقدرة لدى بعض القراء  على النقد و التفنيد تفوق اكبر  الأكاديميين من النقاد  . إذاً، نخطىء عندما نستسهل ذائقة القارىء و نعتبره لاه و يبحث عن المحرضات الجنسية من دون مواربة .. ففي بعض المواقع الثقافية العربية التي تنشر نصوصا ايروتيكية فوجئت ان عدد القراءات ضحل جدا بل لا يتجاوز العشرات مع ان النصوص على درجة مهمة من العمق و الجدية ، بينما تجدون  آلاف القراءات التي تظهر تحت المقالات أو النصوص السياسية و الأدبية الخالصة .

الحقيقة ، اننا لا نريد فقط ،كعرب ،  ان نتجاوز تجنب هذه المواضيع ، و إنما نريد ايضا، و هذا الاهم برأيي ، ان نرى البعد الاخلاقي  في تناولنا اياها  ! فالحوار و المكاشفة و عدم التستر عن الخطأ ليس من سمات المجتمع المتحضر فقط و إنما سمة لازمة  ايضا لبقائه.

 حاورتها الشاعرة والناقدة السورية سمر محفوض

 

بطاقة تعريف

كاتبة وباحثة ومترجمة

عضو في اتحاد الكتاب العرب منذ عام 2002

عضو في جمعية الرواية والقصة

عضو في المنتدى العربي الأمريكي في مدينة لوس أنجلس

 

المؤلفات:

- حتى يزهر الصوان: مجموعة قصصية

- فرح عابر: مجموعة قصصية

- رغبة غافية: مجموعة قصصية

- ثورة المخمل: رواية

- الحب على الطريقة السورية (بولس الرسول) – مخطوطة رواية تاريخية

- خلف حجاب الأنوثة: بحث سوسيولوجي –سيكولوجي عن الأنوثة الوجدانية للمرأة العربية المعاصرة

- حب على قياس العالم: مجموعة قصصية مخصصة للمطالعة في مدارس لبنان العامة والخاصة لطلاب المرحلة الإعدادية والثانوية .

-الماضي المقدس: بحث في الصوفية

-الصراع حين تحركه التعاويذ: بحث سياسي في أصول الصراع العربي الإسرائيلي

-أبحاث شعرية ونقدية أخرى وأكثر من عشرين كتاباً مترجماً من الإنكليزية إلى العربية .

 

الأنشطة:

حاصلة على العديد من الجوائز المحلية والعربية في القصة والمقالة (جائزة المرأة العربية والشرق الأوسط واتحاد الكتاب العرب) ومتفرغة للبحث والتأليف الأدبي والأمسيات والمحاضرات الدورية في سوريا والبلدان العربية كما تنشر مقالاتها في العديد من المطبوعات التخصصية السورية والعربية وكذلك في الصحف العربية التي تصدر في أميركا.

 

 

Comments 发表评论 Commentaires تعليقات

click here 按这里 cliquez ici اضغط هنا