المحرر: سيد جودة                                                                                           English / 中文  

تزفيتان تودوروف(-): إنَّ الأدبَ دائماً غيرُ بَريءٍ

أجْـــــــــــــرى الحوار: ميشال كريبو.

ترجمه: رشيد طلال و فريد أمعضشو.

بقولكم "إنسية"(Humanisme)، سيجيبونكم بسلاسة ناعمة مرددين أفكارا فاضلة. و إذا كان من أحد ينسحب عليه هذا الكاريكاتير فهو "تزفيتان تودوروف"(Tzvetan Todorov) . فمن "غزو أمريكا" إلى "الحديقة المنقوصة" ،على العكس، لم يتوقف عن منح قيمة للفكر الذي أمسى تقليدا يَلتزم كليا بالمسؤولية الإنسانية. إن مونتين، و روسو، و بنجامين كونستانت قدموا تصويرا لا نعرف عن أصحابه أنهم كانوا مثالا للعَماء أمام تناقضات الفكر. لقد أتى "تودوروف" على توقيع البداية مع "أكت سيد"(Actes sud) حول أكبر عمل لكونستانت عن الدين. فما هي وضعية الديني داخل مجتمع يُنَسِّب كل القيم؟ و هل ما زال للإنسية معنى محفوظٌ داخلها؟ و هل الفرد مجرد أثر؟ هذه الأسئلة يتطرق إلى الإجابة عنها تودوروف بتفصيل في هذا الحوار...

* أنت اليوم من المفكرين القلائل ،تشهد على ذلك مؤلفاتك، برجوعك البارز إلى مفهوم الإنسية، على حين إن هذه الأخيرة كانت موضوعا لبعض الانتقاصات، مبنية على نظرة خالصة الاحتقار، و كأن الأمر لا يتعلق سوى بتعميم فج حاشد لمفاهيم الفضيلة و السذاجة و...

** فرضت عليَّ العودة إلى مفهوم الإنسية في أثناء كتابة مؤلَّفي "نحن و الآخرون" الذي يعالج مسألة الكونية و نسبية القيم. إذا كانت غايتي العميقة أن أربط ،بحزم أكثر، إمكانية التأمل النظري في حياتي الشخصية، و هاجسي ها هنا أن أتحمل النتائج التي يقود إليها تحليل نص. و من هذا المنظور، كنت أود دراسة كبار الكُتاب الفرنسيين؛ من مونتين إلى ليفي شتراوس، مرورا بشاتوبريان و رينان، و لكن عبر النَّأي بعيدا عن طور التبسيط في الدراسة المجردة، و النظرية البسيطة. فقد بدا لي انعدام الجرأة إذا لم أنخرط بدوري في هذا العمل، و المتعلق إذاً بالدخول في حوار مع هؤلاء الكتاب. و ذلك بطرح أسئلة "ترْغمني" على العودة لكي أجيب عن أسئلة محددة من قبيل: ما مدى "صحة" هذا الفكر؟ و هل بمُكْنَتي الانخراطُ فيه؟...

* بم تكتسي هذه الصيْرورة صفة الإنسانية على نحو خاصٍّ؟

** لقد شد انتباهي بعض الكتاب مثل مونتسكيو و روسو اللذين حققا في فكرهما توازنا ملموسا بين ضرورة التعدد و الوحدة، المطلَق و النسبي. و من أجل تمييز هذا الفكر الذي خصصت له كتابا آخر هو "الحديقة المنقوصة" اسم واحد فرض نفسه عليَّ؛ إنه الإنْسية. و الآن هناك تسامح كبير تُجاه هذه الكلمة منذ عشرين سنة في فترة تأثير الماركسيين أو فوكو، إذ تم تمرير الإنساني كحمَل وديع، أو روح جميلة محكوم عليها بالعجز... فإذا كانت الإنسية قد ضغطت بشكل سيء، فلأن جزءا منها اختزلناه في بعض هؤلاء الرواد. و أفكر بصورة خاصة في الصيغة الديكارتية التي تقضي بأن "يكون الإنسان سيدا و مالكا للطبيعة"؛ و من هذا المنطلق، فـُهـِمَ أن باستطاعة الإنسان أن يبلغ درجة التحكم الكلي في الطبيعة و المجتمع و ذاته. فثمة شيء مهدِّد لدى رونيه ديكارت حين سعى إلى إقناعنا بأن مدينة جديدة برمتها ستكون لها الأفضلية عن تلك المدن الهلامية و الكاوسية التي نسكنها...

* وُظفتِ الإنسية ،بالمقابل، بوصفها ذريعة أو حجة على القضايا الشائكة...

** نعم. مثلا حين وظفت مسوِّغاً للسياسة الكولونيالية إبان القرن التاسع عشر، على حين لم تكن سوى غطاء للوطنية الفرنسية أو الإنجليزية. و لكن يلاحَظ بجلاءٍ كيف سيضطر "توكفيل" للتخلي عن خطابه الإنسي في الرّفّ لما أراد الدفاع ،بصفته وزيرا للشؤون الخارجية، عن غزو الجزائر. و الحاصل أن الإنسية كانت محط هجوم المذاهب الكبرى الوثوقية كالماركسية (أسبقية الشروط الاجتماعية و الاقتصادية)، و الداروينية الاجتماعية (أسبقية البيولوجي و "الأصل")، و الوطنية الثقافية، و النيتشوية، و التحليل النفسي (أسبقية اللاشعور، و عجز الذات).

* ألا يطرح هذا بالنسبة إليك مزيدا من الإجراءات الخاطئة؟

** نعم. لم تتحول الإنسية بفعل هذه التقلبات. كما أنها لم تنهَرْ تحت ضربات الوثوقيين، و لم تُدْرَك قدرة الإنسان على بلوغ ذلك التحكم الجيد؛ إذ يبقى الوجود الإنساني عند الإنسيين على الدوام تلك "الحديقة المنقوصة"، (النعت من عنديات مونتين)، إنهم إذاً عدوانيون تُجاه كل محاولة طوباوية. فروسو كان واضحا جدا حين آمن بحركةٍ دائمة للتطور، و بالأخص القيم الخُلُقية للأفراد، و الفضيلة السياسية للمجتمعات، كما آمن بالكمال و الجودة.

* تُرَى ما الفارق بين مفهوم الكمال و الخطاب الراديكالي للتغيير الثوري؟

** يفترض الكمال إمكانية قيام الإنسان بشيء آخر غير ذلك الذي أقره الوثوقيون. 

* ما هو هذا "الشيء الآخر"؟

** أقول ببساطة شديدة ما هو أفضل للوجود، و لكن لن يصير بأي حال من الأحوال الأفضل نهائياً.

* هل يمكن الرهان على مؤسسة ارتكاسية لأي أفضل؟

** يستحيل مطلقاً، لأن إمكانية الـ"الأفضل" لا تقترن بأي يقين. هذا لأن الأسوأ ممكن الظهور باستمرار، و يشهد التاريخ على ذلك كفاية بظهور الأنظمة الكليانية التي هي في الآن نفسه جديدة و سيئة مقارنة مع سابقاتها.

* و لكن في الوقت نفسه، ليس هناك وثوقية خاصة بالأسوإ، فعلى الدوام يكون الكل قابلا للدخول في لعبة، و في أي لحظة !

** هذا يعني إذاً ،و ببساطة، أن الوثوقية ليست قوية بما يكفي كي تمنع ما هو مفترَض، سواء بالمعنى السَّلبي أم بالمعنى الإيجابي. فالإنسان دوما يستطيع أن يكون حرا.

* و ما الذي يجعل الكِفة تميل في اتجاه الحرية؟

** ثمة شيء أساس و واضح لدى المفكرين الإنسيين: التربية. يكثرون التفكير في التربية، شأن روسو مع "إميل"، كما في الدولة المثالية.

* هل تسعى إلى القول بأن التربية هي الصيغة الأساسية للجودة؟

** مطلقا، تربية الذات و الآخرين هي أملنا الو حيدُ، و أقصد طبعا المعنى الواسع لهذه الكلمة؛ إنها تشمُل في المحلّ الأول المدرسة، لكن ليس بمفردها، فهناك أيضا الكتب التي نؤلفها، و وسائل الإعلام التي تنقل الخبر، و قد أقول كذلك كل خطاب عمومي.

* فيما يخص المدرسة كيف تشعر بالنقاش الراهن حول الإصلاحات المتصلة بها؟ و هل هي ممكنة أم غير ممكنة الإجراء؟

** تمحور النقاش في فرنسا عادة حول التربية المدرسية، و قد تعارض فيه الإصلاحيون التقليديون مع المحافظين بطريقة عميقة بعض الشيء. على حين يتضح أن المدرسة لا مناص لها من الإصلاح الجذري ما دام المجتمع الذي أقر مأسَستها قد تغير هو الآخر.

* و بأي طريقـــة؟

** إن هدف التكوين العمومي يكمن في مساعدة التلاميذ كي يصيروا مواطنين مستقلين، و كائنات إنسانية مستنيرة؛ مما اقتضى اختيار نقل المعارف و القيم، و الحاجة إلى هذا النقل تبقى موضع سؤال في مجتمعنا المتآلف مع النسبية. و مع ذلك، صارت بعض القيم جزءا من التحديد نفسه حول الحياة الديمقراطية، و أيضا نحن أنفسنا اخترنا أن نعيش وَفْق قوانين و حكومة، مع إقرار مبدإ المساواة في حقوق المواطنين، و رفض التمييز على أساسيِ العرق و الجنس، و الدفاع عن الاستقلال و أمن الفرد، و القبول بأن الفضيلة تقضي بـ"إعطاء الآخر الأسبقية على الذات" على حد عبارة "ليفيناس"، فهل ينبغي مضاعفة دروس الأخلاق و المَدَنية بقدر أكبر؟ و ذلك شيء نرتاب في أمره.

* إن الأنظمة الكليانية تستخدم كذلك التربية باعتبارها وسيلة لإعادة فَبْرَكة الأدمغة... استلهاما، بطريقة غير مباشرة غالبا في موضع آخر، لأحد إيحاءاتها أو إلهاماتها. فهل دودة الفاكهة موجودة في الأدمغة؟ !

** لا نستطيع أن نجعل من جان جاك روسو ،بطريقة غير مباشرة أيضا، مفكرا كليانياً. فبالنسبة إلى روسو ،كما هو الشأن بالنسبة إلى مونتين المنحدر أيضا من المنبر نفسِه، يتطلب الأمر طفرة النوع أكثر من إرادة اجتثاث الشر من جذوره مطلقا. و الحاصل أن الإنسية لم تفند قوة الحتميات البيولوجية أو الاجتماعية، الثقافية أو النفسية؛ إنها تقر فقط بتهرّبها من حيث إن القدرة الحرة على الفعل تعد خالصَ نوعنا. قال روسو:"الإنسان الحر مقاوم". لقد درست سلوك الأفراد في مجتمعات التركيز ،لاجر أوغولاغ (Lager ou goulag)، في كتابي حول وضعيات متشابهة، إن ثمة قدرة مقاومة على السخف و الاندثار. و قد أطلق الإنسيون المعاصرون على فاسيلي غروسن اسم "لاكوليما و أوشويتز". و هنا أيضا، يغدو هذا الأخير شيئا ممكناً.

* أنت مُقْدِمٌ على كتابة تمهيد للطبعة الثانية للكتاب الضخم الذي ألفه بنيامين كونستانت حول الدين، و الذي سيصدر عن دار النشر "أكت سيد"... و الواقع أن الإنسية و الامتياز الذي يطابقها و يقربها من فضيلة التسامح ليسا دائما مرتبين ترتيبا جيدا مع الإقرار بحقيقة مكشوفة. ترى ما وجهة نظر كونستانت بخصوص هذه القضية؟

** إن كونستانت يشكل جزءا من هذا التقليد الإنسوي الذي نتجاذب أطراف الحديث بصدده الآن. و من هنا، فهو يعد واحدا من كبار ممثليه المتأخرين؛ رجلا نشيطا بعد الثورة الفرنسية، و يظل مجسدا لعصرنا. و تزامن مع هذه الثورة قيام طفرة راديكالية، تجلت في إعلان سيادة الشعب. و منذئذ، أصبح المجتمع يقرر مصيره بنفسه. لقد انطلق كونستانت من مسلَّمة أساسية مُفادها أن سيادة الشعب ترسخت و صارت ضرورة، و إلا فإن النَّتاج ليس ،حقا، كاملا و مُرْضيا ما دامت هذه السيادةُ قد ولدت الذعر و الرعب في الأنفس. و من البيِّن أن كونستانت تشبث بمبدإ السيادة، بيد أنه أراد أن يدرك سر تحرك الأشياء و دورانها حاملة بين ثناياها السوء و الشر !

* إذاً، من أين أتى الرعب الثوري؟

** إنه متأتٍّ ،بصرف النظر عن النظام القديم، من عدم وضعه موضع سؤال الإطلاقية (Absolutisme). ذلك بأنه تجاوز فقط سلطة الملكية الوراثية مستعيضاً عنها بسلطة أخرى، هي سلطة االشعب، إلا أن هذا و ذاك يظلان أيضا مطلقين. و من هنا، ابتدع كونستانت ،إلى جانب مبدإ السيادة، مبدأ ثانياً؛ إنه الاستقلال الذاتي للفرد. لقد رفض كونستانت ما يشاع من أن الفرد يضحي بأي شيء ضمانا لوجوده الحياتي. و لم يقتنع ،إذاً، بأن كل السلطة يلزم أن تكون مركزة في أيدي الشعب، بل يجب أيضا أن تُصان الحرية الفردية بقوة مثل هذه السيادة. و النتيجة أن الفرد ليس شيئا فقطُّ، بل هو أيضا قيمة.

* ترى كيف يتطابق ذلك مع وجود الدين؟

** يعد فسخ الوحدة التيولوجية/ اللاهوتية و السياسية ،وجوباً، أحدَ طروحات كونستانت الرئيسة، بحيث لا يجب أن يُربَط الدين بالدولة. إن الفرد هو الذي يلزم أن يقرر ،باختياره الحر، معتقـََده الديني، و ليس طائفته التي ينتسب إليها. و من هنا، يتراءى مدى وفاء كونستانت لأصوله البروتستانتية. و في الآن نفسه يُعِدّ الفكرة، و يستعد لاعتناق اللائكية عملياً. لقد اشتغل الرجل في كتابه مذ سنه العشرين إلى حين مماته، و تبلور فكره عبر مساره الحياتي و على امتداد سنين عمره. ففي البداية، كان ينظر إلى الدين بوصفها كومةً من الخرافات الآيلة حتما إلى التلاشي. و بعد ذلك، انتبه إلى أن الشعور الديني يختفي من حوله، و إلى أنه عينَه يختبر مثل تلك المشاعر. إذاً، بدأ كونستانت يحاول فهم هذا التراجع الطارئ على صعيد الشعور الديني، مجتهداً في البحث عن دلالةٍ له.

* و ما هذه الدلالة؟

** إن الناس لا يسعَوْن إلى إرضاء حاجياتهم الفورية فقط، بل يتغيَّوْن كذلك فهم معنى حياتهم، و إيجاد مكان لهم داخل العالم، و الدخول في تماسٍّ مع المطلَق. بحيث إنه ليس بمقدور العلم و لا السياسة و لا الأخلاق تقديمُ إجابة عن هذه القضايا. إن الدين لَهُوَ الصيغةُ التي تناولت ،غالباً، هذا المطلق، و احتفلت بتجميع معطيات حوله، و لكنها ليست هي الوحيدة كذلك؛ إذ يمكن الانتشاء أمام عمل فني، أو منظر طبيعي، أو ابتسامة طفل. إن الحياة الكفيلة بإشفاء هذا الغليل ستكون منبتَّة عن بعدها الضروري.

* إلى أي حد تنسجم هذه الإجابة مع القضايا المذكورة و الحرية الفردية؟

** يجب أن يكون الفرد حرا في البحث عن الصيغة الروحية التي تساوقه، و لا ينبغي للدولة أن تفرض عليه عقيدة خاصة أو إلحاداً. و لكن تمثل هذه الحرية شرطاً فحسبُ للتطلع الحماسي نحو التسامي، و لا تنتجه. و مع ذلك، فهو الذي يمنح القيمة للوجود الإنساني.

* كنتم واحدا من فرسان البنيوية، قليلي الميل إلى الإنسية... ما الذي جعلكم تغيرون توجُّهكم؟

** عندما كنت في بلغاريا، كان التعليم موجَّها بالإيديولوجيا الماركسية. و كانت الوسيلة الوحيدة للتخلص منها هي دراسة الصور البلاغية... و عندما جئت إلى فرنسا، بدأت أكتشف شيئا فشيئا أنه بالإمكان الدفاع عن آراء دون كذب أو سخرية. و في الإطار نفسِه، لم أكن أحتاج ألبتة سوى التركيز على شكل الأعمال. لقد كانت ثمة أشياء اعتباطية تدفع إلى القطع مع فكْر المؤلفين. و استطعت مجابهة الأدب بكامل تعقيده. إن الأدب دائما غير بريء (غير محض)؛ ذلك بأنه ليس لعبا باللغة، بل يلزم الكاتب في وجوده عامة. إنه ثراء (Richesse). إذا ما نحن استمررنا في قراءة الكتاب الماضويين، فمردُّ ذلك إلى أنهم علمونا بعض الأشياء الجديدة بخصوص شرطنا الإنساني.

(-) ولد تودوروف؛ حواريُّ الإنسية في بلغاريا العام 1939 بمدينة صوفيا العاصمة البلغارية. و قدِم إلى باريس عام 1963، و هناك عُدَّ إلى جانب رولان بارث ،الذي حاول علمنة الخطاب النقدي الحديث و استجلاء القوانين المتحكمة في الآثار الأدبية، أحدَ كبار ممثلي البنيوية، أسس بمعية جيرار جينيت مجلة "الشعرية" (Poétique). اتخذ كثير من الباحثين مَدْخلَه إلى الأدب العجائبي ،خصوصاً، أرضية انطلقوا منها طَـَوال سبعينيات القرن المنصرم. و اليوم، وسّع تودوروف عمله الشعريوي على نطاق واسع من الانعكاس حول أسس المجتمع الأوربي، و هو القائل في هذا السياق:"نحن إذاً في قلب نقاش ساخن و حاسم من أجل متستقبلها".

www.livres.lexpress.fr/entretien.asp

__________________

تعليقات القراء

Your Name  اسمك:
Your E.Mail  إيميلك:

The title of the work on which you comment

   اسم العمل الذي عليه التعليق :

The Author's Name

 اسم الكاتب:

Your Comments تعليقك:

Return to Homepage