عن الشعر وأزمته

بقلم: جمال الغيطاني
g _elghitany@ akhbarelyom.org


القصائد المنشورة لمحمود درويش العدد الماضي من أخبار الأدب والمأخوذة عن ديوانه الجديد كزهر اللوز أو أبعد وقصيدة عبدالمنعم رمضان الأخيرة الموت في سبتمبر وقصائد حسن طلب الأخيرة تثير عندي ملحوظة تتعلق بالشعر وأحواله التي آلت به إلي العزلة والانقطاع عن الجمهور بحيث دخلت حركة الشعر العربي في ثبات ما قبل الموت لأنه باختصار لم يعد شعرا.
قصائد الشعراء الثلاثة الكبار تفيض بطاقة شعرية كثيفة، ولذلك نصغي خلالها إلي موسيقي داخلية، باطنة وظاهرة، باطنة في السياق، ظاهرة في التفعيلة لنصغي إلي محمود درويش
الآن في.. المنفي.. نَعَمْ في البيتِ
في الستين من عجمْري سريعي
يجوقودون الشَّمعَ لك
فافرح بأقصي ما استطعتَ من الهدوءِ
لأن موتا طائشا ضَلٌ الطريق إليك
من فرط الزحام.. وأجَّلكْ
أما عبدالمنعم رمضان.. وهو من رموز قصيدة النثر العربية، حيث أن الطاقة الشعرية والتمكن من أسرار الشعر، يخلقان موسيقي خفية في شعره،لكن علينا أن نتأمل كيف اختارت قصيدته أن تكون تفعيلية عندما تعلقت بحدث جسيم أثار شاعريته وإنسانيته، أعني محرقة بني سويف:
في الاثنين الماضي
لما دنت الساعة
واندفقت من فمها
كل دقائقها المفقودة وثوانيها
خرجت مصر وراء بنيها
كانت ريح نائمة سوداء
وكان فراغ أسود
كان دخان حرائق يفترش الأسفلت
الأسود
وزهور سوداءج
ومتاريس سود
شبان كالصمت الأسود
علي المستوي الشخصي أعرف استيعاب محمود درويش للشعر العربي قديمه وحديثه ، وعلاقته بالقديم، وحرصه يوميا علي أن يفتح لسان العرب لابن منظور، أما عبدالمنعم رمضان، فلعل قراء أخبار الأدب يذكرون قصائده العمودية المحكمة والتي تعكس ثقافة شعرية وتمكنا عميقا من الصنعة، كذلك حسن طلب الذي يعد حجة في رواية القديم شعرا ونثرا.
هذا يعني أنه للإيغال في التجديد لا بد من استيعاب القديم شعرا وتمكنا من الأوزان وأسرار الصنعة، لكن ما ألاحظه علي معظم شعراء قصيدة النثر الحديثة ضحالة إلمامهم بالشعر العربي القديم وجهلهم بالأوزان، لذلك كان الاستسهال في قصيدة النثر الخالية من الموسيقي، وبالتالي من الشعر، لذلك يحتضر الشعر، لا شعر بدون موسيقي، لا شعر بدون تمكن ، هذه حقيقة تؤكدها تلك القصائد المنشورة مؤخرا لمن تمكنوا أولا فتجاوزوا، وليغضب من يغضب من الشعراء، وليصدروا ما شاءوا من بيانات مكتوبة أو من خلال شبكة الاتصالات الدولية، ومما جعلني لا أخشاهم، أنني متذوق وأنني أحاول خدمة الحركة الشعرية من موقعي هذا حفاظا علي فن العربية الأول، ولأنني أولا وأخيرا لست بشاعر.
 

(نقلاً عن أخبار الأدب 13-11-2005)

Return to Homepage