|
شعر عربي | شعر إنجليزي | شعر صيني | شعر عالمي | صوت الشعر | قصيدة النثر العربية | قصة | مقالات | قراءات نقدية | لقاءات | ملف الحداثة | أنشطة | صحافة | منتدى الندوة | عن الندوة |
|
عادل سالم - فلسطين
الساعة الرابعة صباحا، لم يكد يمر على وجودي في هاواي سوى يومين حين كنت أمضي إجازتي السنوية مع زوجتي جانيت حتى رن جرس الهاتف، كنت أعتقد أنني في رحلة وأنه لن يزعجني أحد خصوصا في هذا الوقت من الليل. كان المتصل مسؤول قسم التحقيقات الجنائية في ولاية منسوتا: - أعرف أنني أزعجتك في هذا الوقت من الليل، لكن حسب معرفتي فإن الناس عندكم لا ينامون مبكرا لأنهم يفضلون استنشاق نسيم البحر، ليلا مع ضوء القمر. - ألهذا اتصلت بي يا جان؟ لا تشغلني كثيرا هات ما عندك. - أريدك أن تقطع إجازتك وتعود فورا، هناك قضية مهمة يجب أن تستلمها بسرعة. - أقطع إجازتي؟ ستقتلني زوجتي هذه المرة. سمعت زوجتي الكلام فهبت مذعورة، وبدأت تهمس في أذني: لا تقبل يا ستيف، إياك أن تقبل!! رد جان قائلا: - ستيف هناك قضية قتل فقد عثرنا أمس على جثة امرأة مقتولة، التحقيقات مستمرة، وأريدك أن تحقق في القضية. - والإجازة؟ وزوجتي؟ وو ... - لا تقلق بعد انتهاء القضية هذه سأمنحك إجازة لمدة شهر على حساب المكتب إلى ... فلوريدا ما رأيك؟ - فلوريدا؟ أعود من هاواي من أجل فلوريدا؟ همست جانيت بأذني وهي تضع يديها حول رقبتي: - سأخنقك إن وافقت. تظاهرت أنني لم أسمع صوت جان فقلت له: - ألو، جان، هل تسمعني؟ ألو لم أعد أسمعك، يبدو أن الخط قد انقطع. فهم جان على ما يبدو ما يدور، فرد علي قائلا، لا تغلق السماعة، ما رأيك بجزر الكناري؟ - جزر الكناري؟؟ سمعت زوجتي ذلك فغيرت رأيها، وهزت رأسها موافقة. - أوكي جان سأكون هناك في أقرب طائرة متجهة إلى الوطن.
كنت أعرف أن مهنتي كمحقق جنائي من أصعب المهن على الإطلاق، فكلما أردت الاستراحة من عناء العمل برزت قضية جديدة، فأعود من حيث بدأت من جديد.
دخلت مكتبي في قسم التحقيقات لأجد على المكتب ملفا جاهزا يحتوي بعض الصور، والأوراق، ومواد القضية، قضية قتل، والقاتل مجهول، ولا يوجد أي خيط قد يساعد على معرفته.
دخل مسؤول المكتب السيد جان غرفة مكتبي ومعه عدد من المسؤولين، وقبل أن يهنئني بالسلامة قال: - ستيف هذه قضية شائكة، جثة فتاة وجدناها في أحد الأحراش قرب سانت كلاود، مر عليها أكثر من أسبوع، لم نجد معها أي شيء سوى ورقة صغيرة يبدو أن القاتل لم ينتبه لها فيها رقم هاتف لكن بدون رقم المنطقة، لا نعرف للفتاة اسما حتى الآن، ليس لك من خيط تبدأ به سوى رقم الهاتف. فكرت قليلا بهذا الحمل الكبير الملقى على عاتقي، ثم قلت له: - حسنا أريد الكابتن لندا لتساعدني في هذه المهمة. - لك ما أردت، لا تنس لا أريد أن أسجل القضية ضد مجهول، يجب إيجاد القاتل بأي ثمن. - سأحضره لك مقيدا لتقتص منه العدالة، لا تقلق. استدرت إلى لندا وقلت لها: - لنبدأ العمل، ألدينا أية بلاغات عن فتيات مفقودات؟ ردت علي قائلة: - يوجد بعض البلاغات لكنها لا تطابق مواصفات القتيلة عندنا. - إذن ابعثي كافة المعلومات إلى مكتب التحقيقات الفدرالية لنرى إن كان ثمة بلاغات في ولايات أخرى، لا تنسي أن تنفذي ذلك بأسرع وقت. - أمرك - اكتبي عندك، أريد كافة أرقام الهواتف التي تتشابه مع الرقم الذي وجد في جيب القتيلة، من كافة مناطق الولاية، وعناوين تلك الأرقام، وأصحابها، استعيني بقريق من الموظفين لتنفيذ المطلوب.
قبل أن أغادر إلى المستشفى، لأتفحص الجثة وأعاينها بنفسي، قلت للندا: - بلغي جان وكل رؤساء الأقسام، بحظر نشر أي خبر في وسائل الإعلام عن الحادث. - لماذا؟ - حتى لا يعرف القاتل أن الجثة قد كشف أمرها، ويأخذ احتياطات إضافية.
بعد يومين كنت متوجها صباحا إلى المكتب، فإذا بجرس الهاتف يرن، لندا على الخط، سألتها على الفور: - ما الأمر؟ - امرأة في قسم الشرطة تقول إن ابنتها فقدت منذ شهر... لم أدعها تكمل، - حسنا اغلقي الخط أنا في الطريق إلى هناك.
عرفتها على نفسي، وأخذت منها كافة المعلومات الضرورية ثم انتقلت بها إلى المستشفى لترى الجثة، كنت أتمنى أن تكون ابنتها لكي أصل إلى طرف الخيط، وعندما كانت تدقق النظر في الجثة أمامها كنت أنظر إليها بلهفة منتظرا منها إشارة نعم، تغيرت ملامحها، أغلقت عينيها، قلت في نفسي: - وجدتها، هذه بداية الخيط. لكني صدمت عندما نظرت في وجهي قائلة: - هذه ليست ابنتي. قلت لنفسي بغضب. - اللعنة فقدنا الخيط من جديد.
في المكتب كان أمامي اليوم عشرات التقارير، - هناك خمسة أرقام متشابهة من مناطق مختلفة من الولاية مع الرقم المطلوب، قلت للندا، - هل لديك جميع عناوينهم وأسماؤهم؟ - كلها جاهزة. - حسنا سنقوم بزيارتهم مساء اليوم لنضمن وجودهم في البيت.
في الطريق خطر على بالي فكرة، فقلت لها: - اسمعي لندا: دعينا ندعي أننا والدا الفتاة، حتى لا يخاف بعضهم، فيمتنع عن الحديث. - لكن ذلك لا يجوز. - دعينا الآن مما يجوز ولا يجوز، يجب الوصول إلى القاتل، بأية طريقة.
مثلنا على الناس الذين زرناهم دور الأم والأب، وقد تضامن أربعة منهم معنا لكن لم يكن لأي منهم علاقة بها أو سمع بها، أما الخامس، فقد اشتبه بنا بعد أن سألناه عدة أسئلة، فسألنا بشكل مباشر: - هل أنتما محققان؟ لم نستطع أن ننفي، لأن ذلك يعرضنا للإدانة القانونية، فما إن سمع كلمة نعم، حتى هرب من الباب الخلفي، فلحقنا به ولكنا فشلنا في إلقاء القبض عليه، فعدنا إلى بيته حيث قمنا بتفتيشه، رغم عدم وجود أمر قضائي بذلك، لكن هربه دفعنا للاشتباه به. دخلت غرفة نومه فشممت رائحة كريهة، عرفت بعدها لماذا هرب، لقد كان قبل مجيئنا يدخن الأفيون.
في اليوم التالي كان المتهم الهارب ومحاميه في مكتب التحقيقات يعلن احتجاجه، وقف جان أمامي محتدا متسائلا: - ما هذه الانتهاكات يا ستيف؟ - كان كل شيء على ما يرام لكنه هرب بدون سبب فاشتبهنا به. استدرت للمحامي وسألته: - أريد جوابا واحدا فقط ما علاقته بالقتيلة؟ - ليس له علاقة بها. - لكن رقم هاتفه وجدناه في جيب القتيلة. - موكلي يقول إنه انتقل للسكن هناك منذ شهر فقط، وهذا الرقم حديث، حصل عليه بعد سكنه. - حسنا آسف لما حدث، لكن بلغه أن لا يدخن الأفيون. - موكلي سيطبق القانون عندما يطبقه المحققون.
لولا أن مسؤول القسم السيد جان كان يريدني ان أستمر في هذه المهمة المعقدة، لكان قد أرسل لي إنذارا لكنه اكتفى في تلك المرة بتوبيخ بسيط، أعرف أنني أستحق ذلك لكن طبيعة عملنا المعقدة والشاقة تعرقلها الكثير من إجراءات القانون التي تتيح للمجرمين الهرب، والتستر على جرائمهم إلى حين.
كان علي بعد أن عرفت أن صاحب الرقم الأخير قد حصل عليه حديثا أن أبدأ بمتابعة صاحب الرقم السابق، وكان أول مهمة جديدة كلفت بها لندا أن تكلف أحد العاملين بإجراء اللازم لمعرفة صاحب الرقم السابق، والحصول على كافة المعلومات عنه. لم يطل الأمر كثيرا فقد جاءنا الجواب، صاحب الرقم القديم يقيم الآن في ولاية تكساس الجنوبية، فهل فعلها وهرب؟ أم لا علاقة له بالضحية من قريب أو بعيد؟
جلست مع لندا في المكتب صباح أحد الأيام، وبعد استعراض ما توصلنا إليه، قلت لها: - لندا، لنبدأ الآن بالخطوة الثانية، أريد ملفا كاملا عن جميع الهواتف العمومية في كل الولاية. - يا إلهي ولكنها كثيرة جدا. - لا بأس فليس لدينا خيارات كثيرة. - قد يستغرق ذلك بعض الوقت. - حسنا، وعليك أن تكلفي اللجنة المسؤولة عن ذلك بأنني أريد تقريرا شاملا عن كل هاتف، موقعه، والأرقام التي صدرت منه خلال الشهور الست الماضية. - أوووووووووووف مهمة قد تستغرق شهرا. - وبعد أن تعد كل تلك الملفات أريد أن توضع إشارة بجانب الأرقام التي تتقاطع مع الرقم الذي نبحث عنه. - حسنا دعني أذهب الآن لأتابع المهمة الشاقة الجديدة.
كنا نعمل مثل خلية نحل، لكن لم اشأ أن أرهق نفسي كثيرا فهذه القضايا تحتاج لترو وهدوء أعصاب.
الضحية توفيت ولا مجال لعودتها والقاتل سيقع بأيدينا آجلا أو عاجلا، وحتى لا نعطيه فرصة للهرب علينا التكتم على تحركاتنا، وهذا ما كان يتم تماما.
خلال شهر كامل وصلتنا المعلومات عن المشتبه به في تكساس بأنه لا يعرف الضحية ولم يسمع بها. لكن الشيء المهم الجديد الذي وصلنا للتو، أن رقما مشابها للرقم الذي نبحث عنه في وسكانسن، كانت مكالمات تصدر من هواتف عمومية في منسوتا لنفس الرقم أسبوعيا تقريبا. قلت لها بفرح: - بسرعة أحضري كامل الملف وعنوان الرقم الجديد وصاحبه أو صاحبته، وعناوين الهواتف العمومية التي كانت تنطلق منها المكالمات علينا غدا زيارتها جميعا. - أراك مسرورا جدا؟ - سأقبض عليه مهما كلف الثمن. أما الآن دعيني أدعوك على العشاء. - على العشاء مرة واحدة؟ - لم لا؟ - وزوجتك؟ - لندااااااااااا!! إنها دعوة عمل. - ها ها ها أردت إثارتك فقط، وأين ستدعوني؟ إلى مطعم السمك رد لوبستر؟ - لا لم أقل ذلك. - أين تقصد إذن؟ ابتسمت ثم قلت لها: - إلى المكدانولد. - مكدانولد؟ إني أتنازل لزوجتك عن هذه الدعوة.
اليوم الجمعة، يوم غير عادي حيث تكون حركة السير أكبر من المعتاد ويبدأ الناس بالتحضير للسهر حيث سيصادف اليوم التالي يوم عطلة لدى معظم الناس، لكنا مضطرون إلى التوجه إلى وسكنسن للالتقاء بصاحبة الرقم الجديد، فقد بلغنا شرطة البلد التي سنتوحه لها. لعلها تكون أول الخيط من يدري؟ مشكلتنا دائما عندما نريد مقابلة أحد هي كيف سنقابله، وفي أي شكل، وهل نعترف له بحقيقتنا أم ندعي أننا أصدقاء الضحية، فالناس في الغالب يكرهون المحققين، ويخشونهم في نفس الوقت، فهم يؤمنون في الغالب أن المحققين همهم الوحيد زج الناس في السجن بسبب وبدون سبب. أذكر أنني التقيت يوما بسيدة طاعنة في السن، وعندما عرفت أنني محقق استدارت لي وقالت: - فك يو، وأشارت لي بإصبعها الأوسط.
لم أتوقع أبدا أن ننجح في مقابلتنا مع السيدة إيمي، فقد كانت صديقة القتيلة منذ الطفولة، وكانت تلتقي بها أسبوعيا قبل أن تنتقل إلى الولاية المجاورة مع زوجها تام، فقد عرفتنا على اسم القتيلة ومكان سكن أمها، أما أبوها فكان قد توفي قبل سنوات في حادث سير، لكنا لم نعرف منها الكثير عن صديق القتيلة الذي كانت القتيلة تعيش معه، كل ما عرفناه أن القتيلة واسمها ميشيل كانت صديقة لسائق شاحنة يتنقل بين الولايات، أما اسمه فلم تتذكره إيمي، لذلك ظل القاتل مجهولا، مع أن المعلومات التي قدمتها إيمي فتحت الباب أما احتمالات كثيرة سيقودنا أحدها إلى الهدف بالتأكيد.
غادرنا بيت إيمي أنا ولندا ونحن نفكر ماذا بعد؟ كان أول شيء اتفقنا عليه هو زيارة والدة ميشيل لمعرفة بعض المعلومات الأخرى التي نحتاج إليها والحصول على صور حديثة لها.
في الصباح الباكر توجهت إلى بيت والدتها في منطقة بلومنتون بصحبة لندا، وعندما وصلنا كان الشارع يعج بالسيارات رغم أن الشارع الذي تسكن فيه فرعي ولا يحتمل كل ذلك، اقتربنا أكثر من البيت حيث كانت عدة سيارات تقف في مدخله وبعض الرجال يقفون خارجه يتحدثون ووجوههم عابسة، اعتقدنا للوهلة الأولى أنهم ربما عرفوا بموت ابنتهم، أوقفنا السيارة على ناصية الشارع ثم تقدمنا نحو البيت، اقترب منا أحدهم وسألنا عن غايتنا كأنه عرف أننا غرباء عن أهل البيت، قلت له إننا جئنا نلتقي مع السيدة ليزا والدة ميشيل، فسألني عن السبب، فأجبته أنني أحمل لها رسالة من ابنتها، هز رأسه وصمت فجأة كنت خلال صمته أعتقد أنه سيسألني عن ميشيل لكنه أجاب بصوت حزين: - السيدة ليزا ماتت صباح اليوم. - ماتت؟ كيف؟ - يبدو أن أجلها قد اقترب. - وأين ستأخذون الجثة؟ - إلى المستشفى وهناك إلى بيت الجنازات لإلقاء النظرة الأخيرة عليها غدا قبل دفنها.
يا إلهي ألم تمت إلا اليوم؟ كيف سنحصل على صورها، يقينا أنها كانت تعرف بعض المعلومات عن صديق ميشيل الذي يبدو أنه القاتل إذ لو لم يكن لكان قد بلغ عن فقدانها، لكن كيف يبلغ إذا لم يعرف أنها قتلت مثلا؟ قلت لمحدثي : - أعرف أن الوقت ربما غير مناسب للحديث في أمور عائلية لكن لا بد من مساعدتنا في أمر ما؟ سألته: - هل أنت قريبها؟ - هل لنا أن نأخذ بعضا من وقتك؟ - من أنتما؟ وما الرسالة التي تحملانها لوالدتها؟ قلت له وأنا أراقب تقاطيع وجهه وتأثير الخبر عليه، - الحقيقة نحن من قسم التحقيقات، ولدينا خبر مزعج هذا ليس وقته، لكنا مضطرون لإعلامك به لكي تساعدنا لأن كل يوم يمر ليس في صالحنا. - تحقيقات، ما الخبر أجب بسرعة؟ - ابنة أختك ميشيل توفيت، أو بالأحرى قتلت.... قاطعنا غاضبا - ماذا من قتلها؟ أووووووووووووووه ليزا لقد ارتحت من سماع هذا الخبر وأين هي الآن؟ - إنها في المستشفى، ويمنع دفنها حتى يتعرف عليها أحد من أهلها، ونتأكد من هويتها، ألديك صور لها في البيت؟ - طبعا لكن الوقت ربما غير مناسب الآن، رغم ذلك سأذهب للبحث عن بعض الصور ثم أتوجه معك إلى المستشفى للتعرف عليها. |