|
التــابــوت ..
السعيد مـرابـطي -
الجزائر
الـبـذر حـــبّ بـلا عـصـف .
الـزرع لا اخـضـّر و لا هـاج . الـشجر مـجـتـث
والأرض دخـان . الـوحـشـة تـسـتوطـن هـذه الأرجـاء
. و هــو الـمـوغـل فـي الـغـمـوض فـوق الـرمـاد
يـنـشـر خـطـوه ؛ يـطـوي زحف الــصـحـاري . لا
شـقـوق الأرض و لا عـطـشـها قــد أطـاحـوا
بـسـلـطـانـه و بـارق فـي سـمـات الـوجـه .
مـخـلـوق و لا كـكـل مـخـلـوق!
..
مـن أقـاصـيـها جـاءهــا يـسـعـى
يـجـابـه الـحـجـارة
و الـريح ، يـنـشـر رائـحـة عــزم مـلء الـفـضـاء
. كــّل الأسـبـاب مـلـك يـمـينه . كـل الأشـيـاء
طـوع مـراده !...
الـصـمـت الـذي ابـتـلـع شـجـر
الـصـبـار. الـزمـن الـطـولـي الـغائـر . الـمـطـر
الأجـاج . عـراكـ
الـثـعـابـيـن عـلى الـحـربـاء .
مـثـلـه جـبـار فـي خـيـاره و طـريـقـه
مـتـحـريـها على أدق الـخـرائـط . الـظـفـر بـها
يـعـيـقـه الــتـعـثر لـكـن صـنـفـه لا يـتـعـثّر
.
هـي ذي الـجـزيـرة صـاحـبـة الـصـيـت
. ذات الأطـوار والـصروف... تـحـشـو بـطـنـها
بـأسـاطـيـرها . أيــن رواتـها ومحـدثـوها ؟ ..
مـا الـذي عـصـف بـكـعـبـة الـمـسـك وجـوهـــرة
الـسحـر ؟! ..مـا أفـقـر الـحـدائـق و
الـبـسـاتـيـن مــن غــلال الـمـنّ و الـسـلـوى
!.. مـن أودعـها الـشـراك حـتى تـنـقلب هـذا
الـمـنـقـلب ؟.. هـي الـسابـتـة الآمـنـة لـو لا
عشـيـة الضـيـق السـافـرة قـبـضـة فـي سـديـم
المـجـهـول. ذعُـر لـها الـمـزارعـون تـشـفـعـوا
بـالـنـذر و بـاءوا بـسخـط لا مـردّ لـه . بـل
هـي كـريـح صـرصـر طـافـت بـالـنـا س و خـصـب
الـبـقـاع .أردفـها دوي تـهـشـّم
السـيسـمـوغـراف* . تـقـطـع نـوم الـولـدان و
تـجـمد يعـسـوب الـذاكـرة . تـعـطـل الـشـمـوخ و
اسـتـفـحـل الـداء . دب سـوس عارض يـمـتـص
الـرحـيـق . خـار مـا بـالـقـطـعـان مـن الـعـزم
عـلى الـمضي ؛ إذ وقـف الـنـمّال يـجـحـظ الـبحـر
. مـن الـذي لـمـا يـزل يـروي عـنك ؟..
فـلـجـدائـل الـبـهـاء ثـمّـة رنـة.
و لخـضـرار الـنـفـوس ثـمّـة قـصـة. و لـعـسـل
الـعـيـون تـنبـسـط فـراديـس الـصـابــة .
...الـمـاضـي فــي إصـرار يـقـرع طـبـلـة
الأذن يـجـتـاح أحـد الـقصور .. أصـابـع خـفـيـة
تـهـيـأت .. تـزحـلـقـت عـلـى درج بــيـانـو
عـجـوز ثـّم بـاشــرت الـعـزف . الأنـغـام
الـمـنـبـعـثـة فـي اسـتـرخـاء سـربـت من
الـدهـشـة فـي الـنـفـوس مــا أودعـها فــي
الأزقـة كريـشـة فـي الـمـهـب.
و أصـبـح فـي الـجـزيـرة و هـي تـمـور
...هـا سـوقـهـا
و نـهـارهـا الـمـسـعـور. لــمـّا ألـم ّ بـها
الـكـرب غــارت مـجـاريـها و أنـسـد دون الخــلق
رزق كـريـم. و الحـال حـال أهـالـيـها مـجـذوب
الـجـزيـرة يـقــذف فـي الـوجــوه :
»
الــدّيــان
!..
الــدّيــان
!..
لا صـاع ولامـكـتـال . الـنـّاس نــحـل و مـا
بـالـسـوق طـنـيـن ذبـاب .«
فـتـيـة يـسـندون ظـهـورا
لـلـخــواء . يـتـفـحـصـون الـضـّيـف الـنـازل
بـالـديــار . يـبـحـلـقـون . يـتـفـرسـون
الـعـجـب الـعـجـاب . الـقـدوم إلـى جـزيـرتـهم لا
يـتـأتـّـى سـوى لـمـن يـعـبـر الـبـحـر ، أمـا
هــو فـلـقـد اسـتـأثـر لـنـفـسـه بـمـفـاتـيـح
الأســرار
!
… يصـدق عـلـيـه الـقـول : كــالـظـلّ يـمـشــي و
لا يـبـتـل فـي الـمـاء . ســّر مـن قـبـيـل
الـسـحر ، بـلا اعـتـراض أسـلـمـهـم شـيـعـا
لـطـارئ إحـسـاس . عـيـونـهـم لا تـتـورع عـن
لـعـق طـلاقـة وجـهـه . أفـئـدتـهـم تــدقّ
نـواقـيـسـها بـالـصـدور. مـا يـدريـك لـعـلّ
صـبـح الجـزيـرة الـمـوصـدة تـنـفـس بـمـعـجـزة
على الأقـفـال ؟.. حــريىّ بـسـجـنـائـهـا
الـتـشـبـّث بــالـبـصـيـص .
الـفـزع و الـجـوع … الـبـحـر هـنـا قـابـع
يـتـربـص بـهـم . عـلى حـيـطـة يـقـفـون
بـسـواحـلـه فــي يـأس . وطـأة الـزلـزال جـاءت
أشــدّ مـمـا تـنـبـأ بـه الـمـنـجـمـون .
الـفـلـك الـمـبـحـرة ما عـادت إذ تـهـشّـمـت و
انـدكّـت الـراسـيات فـي الـمـوانـئ . لـم يـعد
هـنـالـك لـلـقـوارب أثــر . الـصـيّـادون
يـضـربـون أكـفّـهـم بـعـضـها بـبـعـض . بـــّرا ،
تـقـدح الـنـار إثـر تـعـاقـب الـهـزات .
يـتـأجّـج غـيـض الأرض.. شـيـئـا فـشـيـئـا
تـتـابـعـت الـزوابـع
و الـرجّــات لـتـنـفصل الجـزيــرة الـكـبرى عـن
بـاقــي الجـزر . تـقـطـعـت فــي مـا بـيـنـها
الأسـبـاب . حـمـل الـصيـادون عـلى رمـي
الـشّـبـاك فــي خـلـجـان البـحـيـرات . حـرص
الـمـرداس الـلّـعـيـن علــى أن يـظـل بـضـاعـة
بـلا مـزاحــم .
الـمـاضي يـزاحـم الحــاضـر . يــقـف
لـه بـالـمـرصـاد .
علــى درج الـبـيـانـو الـعـجـوز ، الأصـابـع
الـخـفـيـة خـلـصـت لابـتكار الـحـركـة
الـثـانـيـة لـمـعـزوفـة قـارب الـمـوديـصـا...
الــنّـوتـات الـمـجـنـونـة تـأسـر الأسـمـاع .
تـغـشــى الأفـئـدة و عـصب الـكـيان …
الـتـرنّـح بـاد علــى الأهـالـي
. كـأنـي بـالـكـثـير مـنـهـم انـتـابـته حـالـة
خـبـل . لـم تـفـلـح الـجـموع فـي سـّد آذانــها
عـن السـماع لئـلا تـأخـذ بـها الـرقـصـة
الـمجـنـونـة فـي الـدوران إلـى حـد الـدوار .
الـضـيـف بـه رغـبـة لـلإخـبـار .
سـواحـل حـدوتـه بـها جـواهـر الـكلام. يـخـشـى
عـلـيـهم مــن أن تـأخـذهـم إغـفـاءة ثـقـيـلـة .
فـي قـرارتـه يـستـرسـل :
- لا جـدوى لـزرقـة الـسمـاء بـلا
انـطـلاق . سـجـنـاء هـؤلاء الـقوم!...لـو
تـدبـّروا أمـرهـم ، لـو فـقـهـوا خـلـلا
مـزقـهـم شــّر مـمـّزق .
بـيـد أنـّه و الـنـاس تـلـعـق
طـلاقـة وجـهـه ، تـعـمـّد الـسكوت . فـيـما أخـذت
الـمـشـاهـد تـتـحـّرى طـريـقـها إلـى بـصـره ؛
ظـل هـو يـلـتـقـطـها حـركـة سـاكـنـة.
لا نـدري أمـن بـاب الـعـجز هـم قـد
تـحـلـقـوا مـن حـولـه بـدل الانـصـراف لـشـبـه
بـيـع و شـراء ؟… أم تـراهـم كـما لـو حامـت
الـطـيـر فـوق رؤوسـهـم و هـو يـخـافـتـهم
بـالـقـول :
-
لـيـس لـكم مـن خـلاص سـوى عـلى
يـديـه !..
«
.
لـلـحـظـتـها ، لـم يـبـق لـلـناس علـى
قـلـوبـهم سـلـطـان . الـتـّوق تـخـطًـفـهم مـهـجا
قـبـل انـطـلاقـهم وجـهـتـه .
... الـسـفـن تـمـخر الـعـبـاب ... تـنـشـد
سـواحـل الـجـزر الأخـرى . الـبـحـر الآن فـقـط
بـدأ يـشـعـرهم بـأنـه علـى الـعـكـس ، سـبـيـل
لـلـحـيـاة . بـحـواسـهـم يـلـمـسون الآن وجـه
الـعـالـم الـبـعـيد !…
يـطمئنون البشـريـة علـى
إنـسـانـيـتـهم . يـسـتـعـيـدونـها كـامـلـة .
يـغـالـبـهـم الإسـرار بـدل الـدمـوع يـروي
أحـشـاء مـسـها الـجـدب. . هـم هــكـذا رحـلـوا
مـلء الـتـيـار الـمـوجـب .
- سـارعـوا إلـى شـيـخـكم العـليـل ذي
السـبحـة الـبـيضاء !...
غـامض هـذا الـتحـول فـيهم!
لـمـسة مـن نـور طـوحت بـهم فجـأة بعيدا تـزرع
نـبوءة مـا بـظـهر الغـيب . الآن تـبرز الـحقول
قشـيبة صـورتـها بـأذهانـهم يـتراشـقون حولـها
بالياسميـن . خـارق ضـيفهم هـذا الـذي صاروا رهـن
بـنانـه . تـحـسب أن سـره مـن سـر الـقدوس ووقع
حـديثه لآيـة .
-
رحـمة بـنا يـا شـيخنا الـوقـور .
هـل تـرانـا فـاعـلين إلا بما تشـير
-
وتـأمر . و قـد زاروه جـموعا .
-
خـلاصـكم ، يـرقد بـغابـة
الـزيـاتـين ؛ أحـسموا فـي النوايا . تنبشون
الـغـابـة ، تـفـتحون الـتـابوت ، سـتهـتدون بـلا
ريـب للـنجاة مـن الأســـر .
-
إلـى الـتابـوت
!…
إلـى الـتابـوت
!
…
سقـطت في أذن الجزيرة بسرعة الـضوء !.. تـدافعـوا
بـالـمناكـب . شـعـور اسـتولى علـيهم يـدًعي خـوض
الـمغـامرة . لا شـك أن لـطعـمها مـذاق .
إلـى الـتابـوت ...
تـجري عـلى كـل لـسان . تـدفـع قـدما بـالحـشود
كـي تـحـسم في الـنوايـا .
إلـى الـتابـوت لا غـير !..بـقـدر مـا حـمست ،
أحـدثت ما يـعـيق .
- دسـائـس و زنـدقـة أن يـنبـش و يـفتح
الـتابوت!.. يـهـتف الـمـنـشقون . تـراجـف
الـقوم سـاعـة يرغون وساعة يعـوصون .
أمـا الـفـتية الـمـطـرودون مـن مـملـكة الـشـيوخ
فهـم ينصتون والـفـتوة فـيهم دم يحـاصـره الـوبـاء
.
قـشـرة الأرض المـهـترئة تـطلق هـشـيمها . تـحت
ردس الأرجـل ، يـتـصاعـد غـبار بـين مسـالك تسلم
جـمـيعها لـغـابـة الـزيـاتـين .
مـا أعـجـبـه مـن مـنطق يقـف في صف
الـظـروف وعلـى كـل جـبهة يـناور!
..يجـمع الأضـداد علـى طـريق منسي.
يـدجن المـسـتحيل . حـين الـقنوط لا يـجب أن
يـسـتبد بالــعـزائــم .يـحج بـهم صوب سـر
الأسـرار الـراقـد فـي جـوف الأرض . مـا أروعـه
مـن ضـيف خـارق !.. مـا حـط الـرحال هـنا إلا
لـيـشـابك مـا ظـل مـنـفصما دهـرا . قوة خـوارق
هـذي الـتي قـذفـها فـي مـهج الحـشود ، لـيـسـتقر
فـيها سحره الـنـافذ . تـرى هـل ظـله مـازال يـمشي
بـين الـجموع مـتـخذا حـيال الفتية جـناح مـمر ؟
كـل مـا يـحيطه بـشـأنه ألغـاز و غـموض .
كله تـؤدة يـترجل وسـط الـجموع بـطـلاقة وجـهه أو
هـكذا بـدا لهم .
... أيـها الـسر تـجـلى
!
… أنـقذ مـا بـدا لـك . ما أمـكن إنـقاذه. مـن
وطـأة الـوهن اسـتويـا و مـن زمـن بـنـفوسنا ريـب
و يـقين .
تجلى أيـها الـسر ، لـك سـواعـدنا و مـا يـجري فـي
الـعـروق . للتراب الذي تـتوسـد ، هــا هي
أنـامـلنا تـنـبش و لا تـكل . فـبحق وجـوهنا
المعـفرة أنت وحـدك تـستحق الـرهان . هـاذي
الـزيـاتين مـهيبة الظلال تضمخ المكان ، تـحـفظ
أثـمن الأسـرار . ذي مـعاولـنا تـخـتبئ .. مـا
تغوص حتى تـظـهر . نـحن هـنا نـتـقفى أقـوى
الاحـتمالات للعـثور عـليك .
تـجلى أيها التـابـوت هـيا
!
أمـا الـفـتية الـمطـرودون مـن مـملكة
الشـيوخ ظلوا مـتحلقين حـولهم يهـزهم ليلا نـشـيد
طـامي الانـبعاث و الاسـتـجداء .
-
مـا أغـرب مـا نرى!
..هـاهـو ذا الـتابـوت الـضخم
خـاو إلا مـن .. مـاذا ؟ مـنجل ، قـطعة قـماش
خـضراء و كـتاب مذهب ؟
-
أ لهذه البقايا الـغـامضة زج بـنا
حـشود و جـيء بـنا إلـى هنا ؟
أم للـتابـوت ثـمة غـاية ؟ وللـرمـوز مـرام لـم
نـدركها بـعد ؟
- تـعالـوا نـرجـع ببـقايـانا لعـلنا نهـتدي
بـها فنـنجو مـن الأسـر
.
تــمت
------------------------------------------
*السيسموغراف :
جهاز تقاس به ذبذلة الزلازل و يسمى"الــمرجفة"
|