ف

راسلنا

منتدى

عن الندوة

أدب وأدباء

صوت الشعر

شعر صيني مترجم

شعر إنجليزي مترجم

شعر مترجم

شعر عربي

فاروق شوشة - مصر

جابر عصفور وزمن الرواية
فاروق شوشة - مصر


بكتابه هذا عن زمن الروايه يلقي الدكتور جابر عصفور حجرا في المستنقع‏,‏ عله ينجح في تحريك المجتمع الادبي الراكد وتمزيق السكون الذي يشبه العدم‏.‏ وهو يحتشد لفكرته التي انطلقت اول ما انطلقت علي صفحات مجله فصول حين وصفت الزمن الذي نعيشه بانه زمن الروايه يحتشد بالادله والقرائن والبراهين‏.‏ وهو قادر علي هذا الامر بما يمتلكه من طاقه وداب‏,‏ لا يكتفي بترديد مقوله علي الراعي اكبر ناقد عربي منح جهده واهتمامه لفن الروايه والقصه عن ان الروايه قد اصبحت ديوان العرب المحدثين‏,‏ بل هو يعود بنا الي نص قديم لافت مضي عليه اكثر من نصف قرن‏,‏ كانه نبوءه‏,‏ اطلقها عبقري الروايه العربيه نجيب محفوظ عام‏1945.‏
وكان نجيب محفوظ قد اطلق نبوءته في خضم الحمله الضاريه التي شنها العقاد علي فن القصه‏,‏ بدات بكلام للعقاد في كتابه في بيتي يقول فيه بتفضيل الشعر علي القصه‏,‏ وتدني القصه في المنزله والمكانه عندما تقارن بالشعر‏,‏ وزاد فقال ان خمسين صفحه من القصه لا تعطيك المحصول الذي يعطيكه بيت كهذا البيت‏!‏
وتلفتت عيني‏,‏ فمذ خفيت‏.‏
عني الطلول تلفت القلب
لان الاداه في البيت الشعري موجزه سريعه‏,‏ والمحصول سهب باق‏,‏ في حين ان القصه لا تصل الي مثل هذا المحصول الا بعد مرحله طويله في التمهيد والتشعيب‏,‏ وكانها الخرنوب الذي زعم الرواه انه قنطار خشب ودرهم حلاوه‏.‏
وكان طبيعيا ان يرد نجيب محفوظ ابن الرابعه والثلاثين علي هجوم العقاد الضاري فالامر يخص القصه‏,‏ الفن الذي اختاره محفوظ الذي كتب حتي ذلك الحين مجموعته القصصيه همس الجنون ورواياته‏:‏ عبث الاقدار ورادوبيس وكفاح طيبه و القاهره الجديده‏.‏
كان رد نجيب محفوظ ردا حضاريا‏,‏ يستقري طبيعه العصر‏,‏ ولغته‏,‏ وفنه ويقفز بوعيه المتقدم الي ادراك الافق القادم الذي سيتكشف عنه عصر العلم والصناعه والحقائق حين يقول‏:‏ لقد ساد الشعر في عصور الفطره والاساطير‏,‏ اما هذا العصر‏:‏ عصر العلم والصناعه والحقائق‏,‏ فيحتاج حتما لفن جديد‏,‏ يوفق علي قدر الطاقه بين شغف الانسان الحديث بالحقائق وحنانه القديم الي الخيال‏.‏
وقد وجد العصر بغيته في القصه‏,‏ فاذا تاخر الشعر عنها في مجال الانتشار‏,‏ فليس لانه ارقي من حيث الزمن‏,‏ ولكن لانه تنقصه بعض العناصر التي تجعله موائما للعصر‏,‏ فالقصه علي هذا الراي هي شعر الدنيا الحديثه‏.‏
لا يفوت جابر عصفور بالطبع ان يشير الي ان نجيب محفوظ صاحب هذا القول اللافت‏,‏ هو نفسه الذي انتزع جائزه نوبل بعد ثلاث واربعين سنه من نشر مقالته في مجله الرساله القاهريه في الثالث من سبتمبر سنه‏1945‏ وانه الشاب الذي وهب حياته الابداعيه للفن‏,‏ الذي اخذ يحتل شيئا فشيئا‏,‏ موضع الصداره من خارطه الكتابه العربيه‏.‏ثم لايفوته قبل ذلك وبعده ان يوكد ان الروايه العربيه منذ بداياتها الاولي تسعي في اصرار لايلين الي ان تكون مراه المجتمع المدني الصاعد وسلاحه الابداعي‏,‏ وتجسيدا لعقلانيه الاستناره التي انبني عليها مشروع النهضه‏.‏
ولم يكن حدث نوبل هو وحده المسئول عن شيوع هذه الدعوي علي السنه النقاد والدارسين‏,‏ بالنسبه لديوان العرب في العصر الحديث او بالنسبه لزمن الروايه‏.‏
صحيح ان نوبل نجيب محفوظ قد وضعت فن الروايه العربيه في دائره اهتمام عالمي لم تتح لها من قبل علي الاطلاق‏,‏ وجذبت الانظار بشده الي نجيب محفوظ وغيره من المبدعين‏.‏ وترتب علي هذا الاهتمام حركه ترجمه نشيطه وواسعه للروايه العربيه الي للغات العالميه‏,‏ وفي مقدمتها بالطبع روايات نجيب محفوظ التي تعدي مكانها رفوف بيع الكتب في العواصم والحواضر الاوروبيه والامريكيه‏,‏ لتصبح افلاما سينمائيه في بعض بلاد امريكا اللاتينيه‏,‏ ولتجاورها في هذه المكتبات روايات لعدد من المبدعين الروائيين المصريين والعرب من جيلي الستينيات والسبعينيات علي وجه الخصوص‏.‏ صحيح ذلك كله‏,‏ وصحيح ايضا ان الروايه فن اكثر قدره علي التقاط الجزئيات والتفاصيل‏,‏ وتجسيد الشخصيات والنماذج والمواقف والاتساع لحركه الحياه المتوتره المعقده وحمل العديد من المشكلات النفسيه والاجتماعيه والسياسيه والحضاريه‏,‏ واتساعها للتسجيل والتوثيق‏,‏ ولاشكاله من الكتابه والسرد لم يكن يظن ان لها علاقه بفن القص‏,‏ وامتلاوها بشعر الحياه والوجود الذي يشعل فيها الحراره والتوهج والنبض الحار المنوتر‏,‏ وخروجها في تجلياتها الابداعيه الاخيره علي كل الانماط المالوفه للروايه‏,‏ والاشكال السائده من قبل‏,‏ بحيث اصبح تعريف الروايه او محاوله تمييزها عن غيرها من سرديات الكتابه او اجناس الادب وانواعه امرا شديد الصعوبه‏.‏
وصحيح ايضا ان العقود الثلاثه الاخيره قد شهدت حركه ابداعيه روائيه نشيطه علي مستوي الوطن العربي‏,‏ التمعت من خلالها اسماء كبيره حققت انجازها النوعي والكمي اللافت‏,‏ ولم يعد الابداع الروائي مقصورا علي الحواضر العربيه التقليديه في مجال الكتابه‏,‏ وانما انطلقت شرارته علي ايدي كتاب ليبيين ويمنيين وسعوديين اصبحوا يزاحمون بمواهبهم الكبري وانجازاتهم الباهره غيرهم من روائيي مصر وسوريا والمغرب والجزائر والعراق‏!‏
صحيح هذا كله‏.‏ لكن الصحيح ايضا ان حركه ال؟ الشعري لم تتوقف‏.‏ وان هذه العقود الثلاثه الاخيره التي شهدت ازدهار فن الروايه بتنويعاتها المختلفه قد شهدت زيضا اسماء شعريه كبري‏,‏ انتشرت اعمالها‏,‏ وحقق بعضها ملايين النسخ‏,‏ في عديد من الطبعات‏,‏ التي تعني من خلال استنتاج بديهي بسيط ان ثمه جمهورا للشعر‏.,‏
وان هذا الجمهور لايزال يفوق بكثير الجمهور القاريء للروايه‏,‏ ايه روايه لاي روائي علي الاطلاق‏!‏
لكن الامر يتطلب توضيحا لعده امور تتطلب قدرا من المصارحه‏:‏
اولها‏:‏ ان كثيرا من رواد الشعر الجديد ورموزه قد رحلوا عن الساحه الادبيه خلال هذه العقود الثلاثه‏,‏ كان اخرهم البياتي منذ اسابيع قليله وقبله كان صلاح عبدالصبور وخليل حاوي وامل دنقل وبلند الحيدري ونزار قباني وغيرهم‏.‏
وان اجيال الشعراء خلال هذه العقود الثلاثه قد شغل بعضهم غفله منهم وخيبه بالمعارك الضاريه فيما بينهم‏,‏ وتبادل عدم الاعتراف بين جيل واخر‏,‏ باكثر من انشغالهم بتجويد فنهم الشعري‏,‏ واقتحام افاق ابداعيه جديده‏,‏ وعدم قطع الشعره الباقيه التي تربطهم بقرائهم‏.‏ وبالمقابل فانا لم نسمع ابدا عن جيل من مبدعي الروايه يعلن عدم اعترافه بجيل يسبقه‏,‏ ولا عن نفي يقوم به روائي لاخر‏,‏ وظلت هذه الغفله وهذا الارتباك المخجل مقصورين علي الشعراء وحدهم‏.‏
ثانيها‏:‏ ان ازدهار الابداع الروائي واكبه اكتمال حركه الشعر الجديد ووصولها علي ايدي روادها الي ما يشبه الخط الاخير ولم يكن ميلاد قصيده النثر علي ايدي شعرائها الكبار ومبدعيها الحقيقيين الا محاوله لتجاوز هذا الافق الذي توقفت عنده قصيده الشعر الجديد‏,‏ بل لقد جاء استنبات النموذج الغربي لقصيده النثر في بيئه ابداعيه عربيه محاوله للتجريب والمغامره‏,‏ والخروج من اسن التكرار وسيطره النموذج السائد‏.‏
واصبحت الصوره علي الوجه التالي‏:‏ ابداع روائي يتفجر وتتعدد دوائره وموجاته وتنويعاته‏,‏ وابداع شعري يشارف الحافه‏,‏ ويتململ من اجل شق قنوات جديده واقتحام فضاءات غير مطروقه‏,‏ ويفسده بعض المنتسبين اليه بالمعارك المفتعله والخصومات الخائبه وعباده النموذج الواحد‏!‏
ثالثها‏:‏ الضعف السائد والمتفشي في مستوي اتقان اللغه العربيه عند الاجيال الجديده من المتعلمين‏,‏ وفي مقدمتهم خريجو الجامعات الذين سيصبح بعضهم مدرسين ومعلمين لهذه اللغه‏.‏ وقد ان الاعتراف بان هبوط مستوي اللغه العربيه تعليما وتمثلا وانتماء هو احدي النتائج السلبيه لثوره يوليو التي جعلت من العاميه لغه الخطاب العام في المجتمع‏,‏ الخطاب السياسي والاجتماعي والثقافي‏,‏ فما حاجه الناس اذن الي ان يرهقوا انفسهم بتعلم الفصحي‏,‏ بينما العاميه تقوم بكل شئون الحياه وتوديها رسميه وشعبيه علي خير وجه؟
هذا الضعف السائد والمتزايد في مستوي اتقان العربيه سهل اختراق فن الروايه وباعد بين الاجيال الجديده والابداع الشعري الذي هو في الاساس فن لغوي‏,‏ يتطلب قدره عاليه تساعد علي التذوق والتعامل مع اسرار النص الشعري‏,‏ في بنيته اللغويه والمجازيه‏,‏ وهو ما لايستطيعه اصحاب اللغه المهشمه من الطلاب والاساتذه علي السواء‏,‏ ان لم يكن اساتذتهم اسوا بكثير‏!‏
رابعها‏:‏ ان امتلاء الروايه العربيه في كثير من نماذجها الباهره‏,‏ بروح الشعر وتوهجه علي مستوي السرد والتحليل والمونولوج الداخلي والحلم والاستبطان والتامل قد جذب كثيرين الي ساحه الروايه ممن يبحثون عن الشعر الصافي المقطر‏,‏ في درجه عاليه من تجلياته الابداعيه‏,‏ وهو يسري في عروق‏.‏
الموقف وشرايين الشخصيه ومدارات النجوي وفضاءات الاستشراف‏,‏ ويعادل بالايقاع الجياش‏,‏ والنبض المتوثر والتناول الساخن جدليه الرويه وتداخل الدوائر والمسارات‏.‏ فضلا عن الاستخدام الدرامي للروايه في العديد من المسلسلات والافلام الجماهيريه الذيوع والانتشار‏.‏ والدكتور جابر عصفور في كتابه الجديد‏:‏ زمن الروايه الذي صدر اخيرا ضمن مطبوعات مكتبه الاسره علي وعي بهذا كله‏.‏ واغلب الظن انه لم يقصد بزمن الروايه زمنا ممتدا قائما في الحاضر والمستقبل بقدر ماقصد زمنا راهنا يشهد فعل الطفره والتغير والواقع انه بهذا العنوان يشاكس شعراء هذه الايام الذين لم تعد تفيد معهم حتي المشاكسه لعلهم يلتفتون الي المعني والدلاله‏,‏ ويتقدمون الي قدر اكبر من المراجعه والتامل‏,‏ ويضفرون بينهم وبين قرائهم حبالا من الجده والمغامره والادهاش والتجريب الذي يغاير دون ان يقطع‏,‏ ويتجاوز دون ان ينبت‏,‏ ويثري دون ان يوقع في الفوضي والعبثيه والارباك‏.‏ وعلي هذا الاساس لا يكون التاكيد علي زمن الروايه نفيا لزمن الشعر بل استدعاء له وتحرشا لاصحابه‏,‏ خاصه ان زمن الشعر بمعانيه الكلاسيكيه ظل الزمن الراسخ والمستبد في مسيره الابداع العربي‏,‏ وان الاوان لبزوغ زمن اخر‏,‏ يجاوره ويحاذيه‏,‏ وقد يبدو احيانا وكانه في مقدمه المشهد‏,‏ لكنه لا ينفي زمن الشعر ولا يلغيه‏.‏
ثم ان هناك من النقاد من يختلفون مع الدكتور جابر عصفور في القول بزمن الروايه‏.‏ ويرون ومن بينهم الدكتور صبري حافظ ان الحكم بزمن الروايه حكم بلا مرجعيه اذ لابد ان يستند الي دراسات نقديه وادبيه‏,‏ وابحاث منهجيه‏.‏ تنصب علي واقع الروايه العربيه‏,‏ وتعرض لها فنيا وجماهيريا‏,‏ وتكون قياساتها قائمه علي البحث الموضوعي في الظاهره‏,‏ والاستبيان الحقيقي في الميدان‏,‏ قبل التوصل الي الحكم الذي قطع به جابر عصفور‏,‏ وجعله عنوانا لكتابه‏.‏
وبالرغم من هذا الاعتراض النقدي الذي له ايضا وجاهته ومنطقه الا ان الدكتور جابر عصفور في احتشاده لموضوعه بناه علي قاعده بحثيه تستقريء عصر الروايه قبل الوصول الي زمن الروايه من خلال وعي يتامل علاقه فن الروايه بالطبقه الوسطي في العالم ولدينا وكيف انها ملحمه هذه الطبقه‏,‏ فضلا عن تجسيدها لعقلانيه الاستناره التي انبني عليها مشروع النهضه‏.‏ وهو يقيس هذا المدي الابداعي بالرحله مابين ثلاثيه نجيب محفوظ الي خماسيه عبدالرحمن منيف مدن الملح‏,‏ وهي الرحله مابين تحولات المدينه النهريه الكبيره التي بدا تاريخها في الروايه بالتمرد علي الاستعمار القديم‏(‏ الانجليزي في ثوره‏1919)‏ الي ولاده المدينه النفطيه الجديده في الصحراء‏.‏ بكل ما تمثله الرحله من هاجس التغيير في علاقته بملحمه البحث عن الهويه‏.‏ وهو هنا يطبق رويته الحداثيه دون ان يشغل قارئه بالافكار والنظريات وحديث المراجع والمصادر‏,‏ واسماء الاعلام‏:‏ مولفين ومترجمين‏.‏ ان الفكر الحداثي يصبح لديه ضوء كاشفا وشعاعا هاديا من السهل تتبع دوائره ومنطلقاته وافاقه‏.‏ وهو بهذا قد نجا من الشرك الذي يقع فيه البعض ممن يتباهون بلوك مفاهيم حداثيه ثم تقصر بهم همهم ومواهبهم وادواتهم عن تحويلها الي نسغ حي يجري في عروق كتاباتهم ويحررها من سطوه التقليد والاتباع‏.‏ وهذا هو السبب في ان كتاب الروايه الذي هو في حقيقته مجموعه مقالات تم نشرها من قبل لكن صاحبها كان يكتبها وفي ذهنه التخطيط لكتاب قادم هذا الكتاب هو من اكثر كتب جابر عصفور سلاسه ووضوحا واشراقا‏,‏ فضلا عن استناده في مقولاته التي يطرحها الي بناء منطقي متصاعد‏,‏ وخبره واسعه بفضاء الروايه العربيه والعالميه‏.‏
ولن تهدا البحيره الساكنه بعد الحجر الذي القاه جابر عصفور‏,‏ ولن يسكت المجتمع الراكد عن ردود الفعل التي بدات ولن تتوقف‏,‏ واغلب الظن انه باعلانه عن زمن الروايه لن يرضي بعض الروائيين الذين يصنفونه عدوا لهم وحربا عليهم بغض النظر عما يقول‏,‏ كما انه بالطبع انه لن يرضي الشعراء الذين يعدونه خارجا عليهم‏,‏ بعد ان اختار خندق والروايه الروائيين‏,‏ لكنه في نهايه الامر قادر علي خصومه هؤلاء وهؤلاء حتي لو اجتمع عليه الاضداد واكتمل شمل المتنافرين والمتنابذين‏!

نقلاً عن جريدة الأهرام

 

 

Comments 发表评论 Commentaires تعليقات

click here 按这里 cliquez ici اضغط هنا

ضع إعلانك هنا